في موكب النصرة إلى اورشليم

تظل قصة دخول الرب يسوع إلى اورشليم قبل قليل من بدء مشواره نحو الصليب هي احدى القصص الاكثر غرابة ومدعاة للحيرة مع اهميتها.
23 ابريل - 14:33 بتوقيت القدس

دخول الرب لاورشليم احدى القصص التي سجلها كتّاب الاناجيل الأربعة كمحطّة كانت تبدو حتميّة ولازمة في طريق يسوع إلى الصليب. والحقيقة هي أن هذه القصّة مع ما قد يبدو من بساطة وسهولة في أحداثها ومعانيها إلا أنّها لا تخلو من وإشارات ومعان وعبر ودروس نستعرض بعضا منها هنا فيما يلي:

كانت الرؤية واضحة وكانت تكلفتها باهظة
يقول الوحي المقدس عن تلك الخطوة إن يسوع:"ثبّت وجهه نحو اورشليم وانطلق". كان يسوع وهو الله يعلم القصّة كلها من أولها إلى آخرها وكان يعلم جيّدا ما هو آت عليه في تلك الرحلة وما بعدها لكنّ يسوع لم يكن مثلنا فقد كانت رؤيته واضحة وكان الهدف هو الصليب وكان لا بد له أن يدخل أورشليم ثم يمضي في طريقه المحتوم إلى الصليب من أجل فدائنا. كان يسوع عالم بكل هذا لكنّه لم يتردّد أو يجفل أو ينصرف عن صنع مشيئة الاب وخلاص البشرية مهما كلفه الامر. كان يعلم أن هذا الدخول ما هو إلا مقدمة بسيطة لأعظم قصّة غدر وجحود ونكران وعصيان تتلو هذا الدخول مع آلام جسديّة ونفسيّة وروحيّة تفوق الوصف لكنّ كان يسوع أيضا يعلم تماما أنه لا بد له أن يكون خاضعا للآب وان يتمّم دوره الذي أتى لأجله إلى أرضنا ليخلّص به الناس من خطاياهم. وآه كم نحتاج نحن أيضا أن نتعلّم من يسوع أن نطيع الله مهما كلّفنا الأمر وليتنا ندرك أنّ في ذلك مصلحتنا وسعادتنا.  

كان التوقيت محدّدا سلفا وتمّت القصة كلّها في الوقت المعيّن. في أكثر من مناسبة عبر مشوار حياة يسوع القصير الذي كان كله حافلا بالعطاء وعظائم الأمور يردد الرب يسوع نفسه أو ينقل عنه كُتّاب الأناجيل قوله إنه: "لم تأتِ ساعتي بعد" ولم يأتِ الوقت المُعيّن لكن لمّا جاء الوقت "في ملء الزمان" تمّت العمليّة كلّها من أولها لآخرها بداية من مولد المسيح مرورا بحياته وحتى اقترب من الصليب فقال:"قد أتت الساعة" ساعة موته وقيامته. نعم، كان كل شىء مُعدّا ومُرتّبا له من قِبَل الله الآب في توقيته. فللّه توقيتات وأزمنة مُعدّة سلفا ولا نعرفها نحن، وكل أمر يجري بقضائه وبترتيبه، فإن نحن أيضا تعلّمنا أن نترك لله الأمور في توقيته هو لعشنا يّامنا هادئين مُطمئنّين غير قلقين من غدر الأيام والظروف.

كانت الخطة جاهزة وكانت الدروس كثيرة
في قصّتين قريبتين زمنيّا وتتعلقان بقمة حياة المسيح، صلبه وقيامته، نجد القصتين، دخول المسيح لأورشليم وعشاء الفصح الأخير يحدثنا الوحي المقدس عنهما كيف أن الرب بدقّة بالغة وإعداد مُسبق قد أعد كل شىء لهما. والقصتان لا ينفصلان عن الكُل ولا عن تعاملات الله معنا حتى اليوم. لقد أعد الرب الجحش والأتان وأعد العليّة التي فيها سيتناول عشاء الفصح الأخير مع تلاميذه. كما أعدّ كل شىء تعلّق بالإعداد للفصح، كذلك فهو قد أعد خطّة الفداء كلّها من أولها لآخرها. وما يزال الله يرتّب ويعد العدّة لأنجح حياة لكل فرد منّا إن نحن أطعناه وتبعنا وصاياه فهل تُرانا نفعل؟

كان الرب دوما قريبا من الناس مختلطا بهم
لم يدخل الرب أورشليم في موكب ملوكيّ راكبا حصانه متباهيا بتاجه وجاهه وصولجانه كما يعمل الملوك عادة لكنّه كما أتى لأرضنا متواضعا ولم تحتفل الأرض بقدومه إلا بذبح الأطفال الأبرياء في بيت لحم إلّا وحقدا وغضبا من هيرودس الشرير بل ولم يجد له مكانا لائقا ليولد فيه، فإنّ دخوله كان عاديّا وبسيطا فوق مستوى التصوُّر وكان عفويّا ووديعا كما عهدناه دوما. كان يسوع طوال مشواره قريبا من الناس. لم يضع يوما حاجزا بينه وبينهم ولم يمنع أي انسان محتاج عن ان يلتقي به بل على العكس كان هو يبحث عن زكا الخاطىء ليصنع له خلاصا والمرأة الزانية ليغفر لها ويعطيها بداية جديدة وكذلك السامرية والمجدلية والكثيرين. كان مُتّهما انه يجالس العشّارين والخُطاة أمّا ردّه فكان أن"لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى، وأنه لم يأتِ ليدعو أبرارا بل خُطاة إلى التوبة". يا لها من تعزية لي ولك اليوم صديقي القارىء، فيسوع الذي لم يفصل نفسه يوما عن الخطاة والمحتاجين بل كان يجول يخدمهم ويبرىء جروحهم. يسوع هذا ما زال لي ولك اليوم وكل يوم عزيزي القارىء كل ما علينا أن نفعله هو أن نلجأ له وهو أبدا لن يتخلى عنّنا وهو قط لم يرد محتاجا. فلنقم ونلجأ إليه مهما كانت آثامنا واحمالنا وجروحنا ومواجعنا وهو قط لن يتخلّى عنّا.

كان الحضور كثيرين وكانت المصالح وردود الأفعال متضاربة. كان مشهد دخول المسيح الانتصاري مشهدا مؤثرا ارتجّت له المدينة كلها بحسب كتابة الأناجيل. لكنّ ردود الأفعال للموجودين تباينت تباينا شديدا وأخشى أن اٌقول إن لا واحدة منها كانت صحيحة! كان الرومان يخشون هيجان الجموع خوفا من ثورة سياسيّة على حكمهم. وكان قادة اليهود يختنقون غِلا وحقدا على ما يبدو من محبّة الجموع ليسوع، فخوفهم على مراكزهم وسلطتهم فاق كل حدّ أو تصوّر وزاد حتى فاض بكُره يفوق القتل وهو قد قاد إليه بالفعل. لكنّ الصدمة الأكبر كانت أن أولئك الجموع، الجمهور الحاشد الذي علا صوته صارخا "مبارك الاتي باسم الرب أوصنّا" ـ أي خلّصنا ـ لم يكونوا بحقّ يطلبون الخلاص الحقيقي المنشود. لقد كانوا يريدون أن يخلصوا من حُكم الرومان أما يسوع فقد أتى ليخلصهم من عمق الخطيّة. كان الرومان يستعبدونهم جسديأ أما الخطية فتستعبدهم روحيّا. كانوا يبحثون عن راحة أرضيّة أمّا يسوع فأتى كي يمنحهم الراحة العظمى الأبديّة. كانوا يصرخون خلّصنا ومضوا بعدها بأيّام قلائل هم انفسهم ليطلبوا للص حريّة وبراءة  وللبرىء الموت مصلوبا وليحكموا على يسوع الذي شفى أمراضهم وأبرأ أسقامهم بالموت ذلا وعارا وزورا وبهتانا!! كانت المصالح الشريرة كلها تنصب على الاتفاق مع الشرّ على يسوع البرىء ليموت بدلا عن شرّ زاد واستشرى كوباء لم يكن من سبيل للفكاك منه إلا بموت الحبيب. ويسوع اليوم يسمع منّا كثيرا أوصنّا لكنّه يريدها منّأ صحيحة وصادقة وحقيقيّة، بأن نطلب خلاصا لنفوسنا من الخطية وتصالحا مع الله الذي أتى لفدائنا فياليتنا نفعل.

كان الحزن وكان الفرح واختلط صياح النصر بظل الصليب. بكى يسوع يوم دخوله الانتصاري! بكى على اورشليم المدينة العظيمة التي ستنقض بسبب شرّها وخطيّتها. بكى على أناس لم يفهموا رسالة حبّه حتى النهاية. بكى على جنس بشريّ طريقه الهلاك وهو لا يدري. بكى على خطيّتي وخطيّتك وخطيّة كل واحد منّا ونحن عنه ساهون! بكى وهو يعلم أنّ هذا الاحتفال ظاهري زائف! بكى وهو كان يتمنّى أن يجد أحدا يشعر أو يفهم أو يهتم فلم يجد. الجميع تركوه بين مُسلّم وخائن وناكر وبائع، وأنا وأنت كنّا معهم ومنهم بل وأكثر. نعم نحن منهم، نحن صرخنا معهم "اوصنا" ثم صرخنا معهم أيضا بأعلى صوت "اِصلبه". نعم نحن معهم واكثر فنحن اليوم وكل يوم نسلّم يسوع وننكره ونكسر قلبه وننكر حبّه ونذرف دموعه ونحني رأسه ونرد له معروفه تجاهنا عداوة وخصاما. نعم هم علّقوه على صليب يوما ونحن نعملها كل يوم. طعنوه مرّة ونحن نطعنه كثيرا. أذاقوه المُر كأسا ونحن قدّمناه له ينابيع وبحورا وأنهارا. ما تستحق أنت هكذا منّأ يارب لكنّها قلوبنا السقيمة. قلوبنا الأثيمة. قلوبنا التي لم تعرف الحب ولم تعرف إلا الأنانية والشر والكره.

كان يسوع يسمع صرخة المحتاج لكنه يعرف أنّ الاحتياج الحقيقي مازال لم يعبّر عنه ألا وهو الخلاص من الخطيّة. مضى يسوع في يوم فرحه حزينا مهموما لأجل خطايانا وهو مازال كذلك اليوم أيضا فياليتنا نطلب رحمته وعفوه وغفرانه. كم نحتاج أن نصرخ بنفس تلك الصرخة اليوم: "اوصنّا"، نعم "خلّصنا يارب". خلصنا من شرنا ومن سواد قلوبنا ومن غيّنا ومن ظلمنا ومن قساوة ضمائرنا وعنادنا. نعم يا ليتنا نصليها اليوم عن فهم وياليتنا نسلّم قلوبنا وكل ما لنا له فهو وحده يستحق. نعم، انت وحدك تستحق يارب. آمين

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا