اثق ان احداث قصة يونان النبي معروفة لنا جميعا. لن احاول في هذا المقال ان احلل نفسية يونان وحيثيات قراره بالهروب والعصيان، لكنني ساتناول هذه القصة من جانب محدّد وهو: كيف تعامل الله مع يونان الهارب.

القارئ المدقق في كلمة الله سيجد سبعة افعال بادر بها الرب مع يونان الهارب (بعد هروبه):
اولا، ارسل الله ريحا شديدة الى البحر حتى كادت السفينة تتكسر (1: 4). ان حكمة الله واصراره على رد النفس يجعله، اضطراريا، ان يهز المؤمن ويهز ظروفه ويجعل كل الاشياء التي يتكل عليها على وشك الانكسار. كتب ارميا مرة ان الله يُضيّق على شعبه لكي يشعروا (ار 10: 18). وكاتب المزمور كتب ان الله "دعا بالجوع على الارض، كسر قوام الخبز" (مز 105: 16). لا ننسى الابن الضال الذي واجه جوعا شديدا في الكورة البعيدة.

ثانيا، اعد الله حوتا ليبتلع يونان (1: 17). ان استمرار عناد المؤمن سيجعل الله يرتب ظرفا صعبا لابتلاعه. امور كثيرة تخص المؤمن ستُبتلع (عناد، قساوة، بر ذاتي، جهل، تمرد، مال، صحة ....). سيشعر هذا المؤمن انه ميت (رمزيا في بطن الحوت)، ولمدة زمنية محسوبة (ثلاثة ايام) لتجعله ينكسر ويصلي من الاعماق. لكي يلين راس المؤمن المعاند سيلتف عشب البحر براسه!

ثالثا، امر الرب الحوت فقذف يونان الى البر (2: 10). رمزيا كان الحوت ينتظر ان يتقيئ يونان بسبب رداءة حاله! (لنتذكر قول الرب في سفر الرؤيا "انا مزمع ان اتقياك من فمي"، 3: 16). لننتبه، ان الامر بالانقاذ كان جاهزا للتنفيذ مُسبقا (1: 17)، لكنه دخل حيّز التنفيذ بعد التوبة (ص 2). ثم، ان بَرّ الامان موجود، فلماذا يسير المؤمن بقديميه الى البحر الهائج الصاخب!

رابعا، ارسل الرب يونان ثانية الى نينوى (3: 1). حقا انه إله الفرصة الاخرى (لنتذكر قايين: "ان احسنت افلا رفع"؟). لكن، الارسالية ما زالت ذات الارسالية، فان حكمة المؤمن لن تُغير خطة الله لحياته وخدمته. رؤية الله هي التي يجب ان تقود المؤمن في الحياة: الله يرى نينوى مدينة عظيمة له، فلا يليق ان يرى فيها المؤمن مدينة للهلاك!

خامسا، اعد الرب يقطينة ليونان الهارب الذي جلس شرقي المدينة حتى يرى ما سيحدث فيها (4: 6). ان قساوة قلب الانسان بالرغم من تعامل الله معه على اساس النعمة هي حقيقة امر محيّر. لكن الله سيستعمل طريقة غريبة لكي يفضح حقيقة قلب وافكار يونان امام نفسه. الله يسلط الضوء على مصدر تافه كان سبب فرح عظيم ليونان، وكان جدير به ان يفرح بفرح الرب الذي يريد ان يخلص مدينة باكملها من قبضة الشيطان.

سادسا، اعد الله دودة عند طلوع الفجر في الغد فضربت اليقطينة فيبست (4: 7). انها دودة، ولكنها تكفي لتنفيذ خطة الله! دودة توصّل رسالة تحقير لحالة المؤمن العاصي. مصدر الفرح يبس، فماذا انت فاعل يا مؤمن؟ في لحظة لا يتوقعها (طلوع الفجر) تمتد يد الله للتاديب. الله ينتظر ان تتوب، فما هو قرارك؟

سابعا، اعد الله ريحا شرقية حارة، عند طلوع الشمس، فضربت الشمس على راس يونان فذبل وطلب لنفسه الموت وقال "موتي خيرٌ من حياتي" (4: 8). من الدودة الى الريح الشرقية الحارة نرى تصاعدا في اسلوب التاديب. سيجعل الله المؤمن الهارب يذبل في مرئى من الاخرين. ان العناد المستمر سيجعله يحتقر الحياة ويفضل الموت. بعد استنفاذ كل معاملات الله لاجل رد النفس، ومع استمرار العصيان، سيترك الرب هذا المؤمن لحال سبيله (قصة يونان هي القصة الوحيدة التي لم نعرف نهايتها!).

مسك الختام، يا مؤمن: ان الحكمة هي ان تطيع الله، ان تكون مشيئتك متوافقة مع مشيئة الله، ان لا ترسم خطة لحياتك او للاخرين بل ان تسمع صوت الله وتطيع، ان تعلم ان العصيان لا يجدي نفعا، ان الله لن يتوقف عن محبته لك لكنه كأب يؤدب البنين، واخيرا ان الحل الذي ينتظره الله من المؤمن الضال: التوبة!

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا