لقد حافظ آباء الكنيسة على عقيدة الإرادة الحرة الأدبية التي يؤكد عليها الوحي الإلهي، وإتاحة الخلاص لجميع الناس.

لكن كان دائمًا هناك جدل حول مقادير تداخل دور الإنسان، دور الله، والنعمة الإلهية. بعضهم شدد على ضرورة اغتصاب ملكوت الله (لوقا 16: 16)، مثل المطران ثيوفان زتفوريت، الذي يؤكد أن المجهود الذاتي للإنسان وإرادته أن يخلص، شيء لا يُساوم عليه [1]. فلا يمكن الاعتماد فقط على نعمة الله دون التشديد على مسؤولية الفرد ذاته للجهاد لكي يدخل من باب النعمة ويقيم بها. يشارك هذا الرأي معظم اللاهوتيين الكاثوليك [2]. الكنيسة اللوثرية تميل للإيمان بأن الله يقدم الخلاص فقط للذين يبحثون عنه بإرادتهم الحرة [3].

لكن ظهر تيار أكثر تطرفا في لاهوت سابق الاختيار، أسسه جون كالفين في منتصف القرن السادس عشر، بأن الله خلق مجموعة من البشر للهلاك، وخلق مجموعة للخلاص، هذا ما يسمى بالكالفينية؛ ويسمى أيضًا بالاختيار غير المشروط. بالمقابل، معظم الإنجيليون يؤمنون بأن الله يريد أن جميع الناس يخلصون، بمنحهم جميعًا فرصة الخلاص، هذه تسمى بالأرمينية. نستنبط هذا من آيات عديدة كثيرة، مثل: "2 لأَنَّ هذَا حَسَنٌ وَمَقْبُولٌ لَدَى مُخَلِّصِنَا اللهِ، 3 الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" 1 تيموثاوس 2 فخلاص المسيح يشمل "كل الذين قبلوه" (يوحنا 1: 12)؛ والمسيح أتى ليخلص من الهلاك كل من يؤمن به، مانحًا اياه الحياة الأبدية (يوحنا 3: 16).

حتى في العهد القديم، هكذا كان قلب الله، حيث قال: "11 قُلْ لَهُمْ: حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ، بَلْ بِأَنْ يَرْجعَ الشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا. اِرْجِعُوا، ارْجِعُوا عَنْ طُرُقِكُمُ الرَّدِيئَةِ! فَلِمَاذَا تَمُوتُونَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟" حزقيال 33 وقلب الله هذا المنقذ، شمل الأمم في العهد القديم أيضًا، ونراه من نصوص كثيرة، صعب استعراضها هنا. أيضًا أعلنه المسيح لرجال الدين اليهود الذين فقدوه مع مرور الوقت؛ فأغضب اليهود عندما ذكرهم بافتقد الله لنعمان السرياني الذي تعهد بأن لا يسجد لإله غير الرب (2 ملوك 5: 17)، وكيف افتقد المرأة الأممية وقت إيليا، دون نساء إسرائيل (لوقا 4). أيضًا أعلن لنا المسيح عن خلاص أهل نينوى وملكة التيمن (متى 12: 41-42  ولوقا 11: 31-32). فهذه الومضات ليست واضحة كخط شعب إسرائيل طبعًا، لكن شعب الرب من الأمم في العهد القديم، يشمل الكثير جدًا من النصوص التي نراها هنا وهناك، حتى في العهد الجديد.

إن هذا موضوع كبير لا يمكن طرحه وإنصافه ببضعة أسطر وفقرات. لكني سأطرح بعض المبادئ البسيطة، لتصوير ترتيب الله من جهة رؤيته لخلاص الإنسان، مانحًا اياه إرادة حرة ليختار. فهمي لما يعلمه الوحي المقدس عن موضوع رؤية الله لخلاص البشر، وممارسة إرادته الحرة، سأطرحه بخمس نقاط بسيطة، مختصرة، وواضحة:

أولا: الإنسان يولد بالطبيعة الخاطئة التي ورثها من آدم، ويكون تلقائيًا منفصل عن الله، لذلك يحتاج للخلاص. والخلاص متاح له من خلال فداء المسيح، وربوبيته على حياته (رومية 5: 12-21  و1 كورنثوس 8: 6).

ثانيًا: استكمالاً للنقطة السابقة، الجحيم هو ليس عقاب من الله لمن يرفض المسيح، بل هي نيتجة بديهية للاستمرار في رفض يد الله الممتدة للإنسان لخلاصه من الجحيم الذاهب تلقائيًا إليه؛ حيث قال المسيح: "13 اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ!" متى 7 فالإنسان بالطبيعة يولد وهو منفصل عن الله، وسائر في اتجاه الدينونة الأبدية. والله، طوال حياته يحاول إنقاذه من الجحيم. فإذا استمر بالرفض، سينتهي به المطاف في الجحيم إلى الأبدي. هذه نتتيجة الاستمرار بالرفض لمحاولات الله لإنقاذه، وليس عقوبة من الله على رفض المسيح.

ثالثًا: جهنم لم تعد للبشر، بل لإبليس وملائكته:
"41 ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ" متى 25. فالله الذي خلق البشر على صورته، لم يخلق جهنم لهم أبدا، بل للملاك الساقط الذي أغوى الإنسان الأول والبشر – إبليس. فالله لا يشاء أن يهلك البشر، بل أن يقبل الجميع للتوبة: "9 لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ" 2 بطرس 3.

رابعًا: كل إنسان يولد، يكون اسمه مكتوب في سفر الحياة. والله له رؤيا صالحة من جهته، بأنه أتاح له الفرصة بالتمام والكمال لكي يخلص. وهذا نراه في وحي العهد القديم والجديد: "28 لِيُمْحَوْا مِنْ سِفْرِ الأَحْيَاءِ، وَمَعَ الصِّدِّيقِينَ لاَ يُكْتَبُوا" مزمور 69 إن المزمور السابق مسياني؛ ويتكلم عن المسيح الذيه له سلطان أن يمحي أسماء أناس من سفر الحياة. ونعرف إن هذا مزمور مسياني، من عدة نبوات ذكرت فيه واستُشهد بها في العهد الجديد. مثل: "9 لأَنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي، وَتَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ... 21 وَيَجْعَلُونَ فِي طَعَامِي عَلْقَمًا، وَفِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلاُ" مزمور 69 أيضًا وحي العهد الجديد يعلم: "5 مَنْ يَغْلِبُ فَذلِكَ سَيَلْبَسُ ثِيَابًا بِيضًا، وَلَنْ أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ.." رؤيا 3. فالنظام الذي نراه في الآيتين، هو أن جميع البشر الذين يولدوا، تكون أسمائهم مكتوبة في سفر الحياة. أي أن الله وفر الفرصة للجميع لقبول الخلاص. فعندما يستمر الإنسان في رفض يد الله الممتدة له من خلال خلاص المنقذ يسوع المسيح؛ في النهاية سيُمحى اسمه من سفر الحياة، ويكون نصيبه الجحيم الأبدي. لذلك الآيات لا تتكلم عن أناس سيكتب الله أسمائها وأناس لن يكتب الله أسمائها في سفر الحياة. بل بالعكس، نرى أن أسماء جميع البشر مكتوبة في سفر الحياة؛ لكن المسيح إما سيمحي أم لا يمحي بعضها. لذلك نحن مدعوين على خدمته في هذه الحياة والشهادة عن خلاصه، لكي نقلل عدد الناس التي ستُمحى اسمائها من سفر الحياة.

خامسًا: إن الله قبل أن يخلق البشر، يعلم من سيقبل خلاص المسيح ومن سيرفضه. لذلك اختار جميع الذين سيقبلوه بحسب سابق معرفته باختيارهم الخالص (أفسس 1: 6). لكن النقطة التي يتصعب الكثيرون في فهمها، هي أن سابق معرفة الله لاختيار الإنسان الطوعي، لا يتضارب مع الإرادة الحرة التي منحها الله له. نعم الله يعلم من قبل خلق البشر، مَن منهم سيقبل يده الممتدة للخلاصه، ومًن سيرفض. لكن هذا لا يتضارب مع إرادتهم واختيارهم الخالصين. فالله وعد إن كل إنسان سيكون بلا عذر عندما سيقف أمامه (رومية 1: 20  و2: 1).

 

[1] St. Theophan the Recluse, An Explanation of Certain Texts of Holy Scripture, as quoted in Johanna Manley's The Bible and the Holy Fathers for Orthodox: Daily Scripture Readings and Commentary for Orthodox Christians, pg. 609
[2] Catechism of the Catholic Church, section 600
[2] Epitome of the Formula of Concord, Article 11, Election

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا