كان " الخبز " يشكل أهم جزء في طعام الإنسان قديماً ( تك 21: 14، قض 9: 12)، وما زال كذلك عند أهل الشرق الأوسط. وقد استخدم " الخبز " في الكتاب للدلالة على الطعام او الغذاء بعامة ( انظر تك 3: 19، 2 صم 9: 10، 1مل 13: 8و9و16، 2مل 25: 3). بل يعتبر قوام حياة الجسد ( انظر مز 105: 16،حز 4: 16، 5: 16، 14: 13)، وهو أيضاً " عصا " أو " عكاز " هذه الحياة ( لا 26: 26). والاسم الشائع له هو " عيش " أي ما يعاش به وما تكون به الحياة.

(1)مكونات الخبز : كان الخبز يصنع عادة من الشعير الذي كان ينضج ويحصد مبكراً ( 2 مل 4: 42، انظر يوحنا 6: 9 و13)، كما انه كان رخيص الثمن ( 2 مل 7: 18)، لذلك كان يصنع منه خبز عامة الشعب. أما القمح فكان أغلى ثمناً كما كان مادة للتجارة الدولية ( 1مل 5: 11 ، حز 27: 17). وكان يستخدم في التقدمات ( انظر مثلاً الأصحاح الثاني من اللاويين )، ولذلك كان يعتبر من دلائل الرفاهية ( تك 18: 6، حز 16: 13و19، انظر أيضاً مز 81: 16، 147: 14). كما كلن الخبز يصنع من خليط من الحبوب: من القمح والشعير والفول والعدس والدخن والكرسنة ( حز 4: 9، خر 9: 32 ، إش 28: 25).

(2) طريقة أعداده : يبدو أن صنع الخبز كان يتم يومياً ( انظر أم 31: 15 )، وكان يتم داخل المنزل وتقوم به نساء البيت ( تك 18: 6، إرميا 7: 18)، أو الجواري ( خر 11: 15، أيوب 31: 10، انظر أيضاً 1 صم 8: 13). ولكن في العصور اللاحقة أصبحت صناعة الخبز عملاً يقوم به خبَّازون محترفون ( إرميا 37: 21 ، انظر هوشع 7: 4و6). كما كان الخباز يشغل مركزاً طيباً في قصور الملوك والولاة ( انظر تك 40: 1و2).
وبعد درس الغلال وتذريتها، كانت تطحن لتصبح دقيقاً.
وكان ذلك يتم عادة بطحن الحبوب بمدق في هاون او بالرحى (عد 11: 8، انظر أم 27: 22). وكان الهاون عبارة عن حجر صلد به تجويف توضع به الحبوب وتطحن بمدق.

أما الرحى فكانت على نوعين : يتكون النوع الأول البسيط من حجر صلد ثقيل مستطيل الشكل ومجوف قليلاً يثبت في الأرض حتى لا يتحرك ثم تهرس الحنطة بقطعة كروية أو أسطوانية من الحجر بضغط عليها باليد ذهاباً وإياباً حتى ينعم الدقيق.

اما النوع الثاني فكان يتكون من حجر رحى ثقيل مستدير، في القلب منه يثبت محور ناتيء. يعلوه حجر آخر مستدير له نفس القطر، ويدار الحجر الأعلى بواسطة يد تثبت في ناحية منه، حول المحور الناتيء من قلب الحجر الأسفل. وبالحجر الأعلى في المركز منه، فتحة نافذة مستديرة توضع الحنطة فيها كلما لزم الأمر. ويقوم بإدارة الحجر الأعلى (المرادة) شخص أو شخصان. وما زالت هذه الرحى مستخدمة إلى اليوم في بعض القرى لجرش الحبوب.

وكانت بعض الحبوب مثل الفريك تشوى بالنار ثم تؤكل ( راعوث 2: 14، 1 صم 17: 17، 2 صم 17: 28). أما السميذ ( تك 18: 6، 2 صم 17: 19، 1 مل 4: 22، حز 16: 13و19) فهو الدقيق الناعم الذي ينتج عن غربلة الطحين مرتين أو اكثر.

ثم يضاف إلى الدقيق الماء ويعجن في معاجن من الخشب أو الفخار ( خر 8: 3، تث 28: 5و17)ن ثم يضاف إليه جزء صغير من الخميرة والقليل من الملح، ويترك حتى يختمر ( مت 13: 33، لو 13: 21).
أما خبز عيد الفصح وأيام الفطير فكان يجب أن يكون خالياً من الخمير ( خر 12: 8، لا 23: 6 ، تث 16: 2ـ8)، وكذلك كل التقدمات التي كانوا يقربونها للرب كان يجب أن تكون خالية من الخمير ( لا 2: 11 ، 10: 12، عاموس 4: 5) وكان يضاف للعجين في بعض الأحيان بعض الزيت لإكسابه طعماً خاصاً .

وبعد أن يختمر العجين يقطع إلى أرغفة، وكانت تعمل عادة على شكل أقراص رقيقة يختلف طول قطرها باختلاف عمليات الخبز، وكانت أيسر طرق الخبيز هي وضع الأرغفة فوق حجر كبير مسطح سبق أن أوقدت فوقها النار، ثم أزيل الرماد قبل وضع الأرغفة، ثم تغطى بالرماد ( انظر 1 مل 19: 6 ، إش 44: 19، يو 21: 9). وكانت الأرغفة التي تصنع بهذه الطريقة سميكة عادة وفي حاجة إلى أن تقلب ( هوشع 7: 8). أما أقراص الفطير المستوية الرقيقة ( الرقاق ) فكانت تخبز فوق صاج محدب أو فوق سطح محدب من الفخار (لا 2: 5، 6: 21، 7: 9) يوضع مقلوباً فوق نار مشتعلة في حفرة أسفله .كما كان يمكن خبز الفطائر الناعمة الأكثر سمكاً في طاجن من الفخار (لا 2: 7، 7: 9). وكان الكعك يعمل على أشكال مختلفة ويقلى في " مقلاة " (2صم 13: 6 ـ10). كما كان الخبز أحياناً يوضع فوق السطوح الخارجية لأوان كبيرة من الفخار أسطوانية الشكل توضع فوق الأرض مقلوبة ، او يدفن جزء منها في حفرة ، وتوقد النيران داخلها فيحمي سطحها وينضج الخبز . 

     (3) أكل الخبز : كان يؤكل الخبز بقطع أجزاء صغيرة من الرغيف، ثم تغمس في الإناء الذي به الطعام ( راعوث 2: 14، مت 26: 23، يو 13: 26). ويبدو انه كان يقدم للفرد في الوجبة الواحدة ثلاثة أرغفة ( انظر لو 11: 5).

(4) الاستخدام المجازي : لأهمية الخبز للحياة البشرية، أصبح يستخدم لتصوير جوانب مختلفة من الحياة، فهناك " خبز الدموع" ( مز 80: 5، انظر 42: 3)، و" خبز الشر" (أم 4: 7)، و"خبز الكسل" (أم 31: 27) و"خبز الضيق" (1مل 22: 27، 2 أخ 18: 26، إش 30: 20، وانظر أيوب 3: 24)، و" خبز الأتعاب" ( مز 127: 2)، و" خبز الكذب" ( ام 20: 17، 23: 3). وقيل عن أعداء شعب الرب : " لا تخافوا من شعب الأرض لأنهم خبزنا " ( عد 14: 9). ويقول الحكيم " ارم خبزك على وجه المياه فإنك تجده بعد أيام كثيرة " ( جا 11: 1)، والمقصود هنا أن فعل الخير والإحسان لا يضيع اجره . و" خبز إلهك " ( لا 21: 8) كناية عن القرابين والذبائح التي كانت تقدم للرب .

كان تقديم الخبز في زمن الآباء يعتبر رمزاً لكرم الضيافة (تك 14: 18؛ 18: 5؛ مت 14: 15-21). كما كان الامتناع عن تقديمه رمزاً للعداء (تث 23: 3و4؛ نح 13: 1و2).
وكانت الشركة في تناول الطعام تعني المصالحة والصداقة (تك 31: 54، انظر 1مل 13: 8). وكان هذا إحدى ظواهر المحبة الأخوية في الكنيسة الأولى (انظر أع 2: 16، انظر يهوذا 12).
ووصف "المن" الذي أعطاه الرب للشعب قديماً في البرية (خر 16: 4) "خبزاً من السماء" (نح 9: 15، مز 105: 40، يو 6: 31و 32)، كما يسميه المرنم "خبز الملائكة" (مز 78: 25) أي المانح للقوة لأن الملائكة مقتدرون، ولكنهم لا يأكلون ولا يشربون (انظر مز 103: 20).

خبز الوجوه
أو "خبز الحضرة" أي الخبز المعروض في محضر اللـه أو أمام وجهه، لأنه كان يوضع أمام الرب دائماً (خر25: 30، 35: 13، انظر عد4: 7، 2أخ2: 4)، وهو خبز التقدمة(مت12: 4، مرقس2: 26، عب9: 2). 

 (1) التقدمة في الناموس :أمر الرب موسى قائلاً: تأخذ دقيقاً(سميذاً) وتخبزه اثني عشر قرصاً . عشرين( من الإيفة) يكون القرص الواحد، وتجعلها صفين كل صف ستة على المائدة الطاهرة أمام الرب. وتجعل على كل صف لباناً نقياً فيكون للخبز تذكاراً وقوداً للرب. في كل يوم سبت يرتبه أمام الرب دائماً من عند بني إسرائيل ميثاقاً دهرياً. فيكون لهرون وبنيه فيأكلونه في مكان مقدس. لأنه قدس أقداس له من وقائد الرب فريضة دهرية"(لا24: 5 ـ 9). وكان على القهاتيين القيام بإعداد خبز الوجوه في كل يوم سبت(1أخ9: 32 انظر أيضاً 1أخ23: 29، 2أخ13: 11).

(2) مائدة خبز الوجوه :وقد جاء وصف "المائدة الطاهرة"التي كان يوضع عليها "خبز الوجوه" في سفر الخروج هكذا:"وتصنع مائدة من خشب السنط طولها ذراعان وعرضها ذراع وارتفاعها ذراع ونصف، وتغشيها بذهب نقي. وتصنع لحاجبها إكليلاً من ذهب حواليها، وتصنع لها حاجباً على شبر حواليها،وتصنع لها إكليلاً من ذهب حواليها . وتصنع لها أربع حلقات من ذهب وتجعل الحلقات على الزوايا الأربع التي لقوائمها الأربع. عند الحاجب تكون الحلقات بيوتاً لعصوين لحمل المائدة.وتصنع العصوين من خشب السنط وتغشيهما بذهب، فتحمل بهما المائدة. وتصنع صحافها وصحونها وكأساتها وجاماتها التي يسكب بها من ذهب نقي تصنعها. وتجعل على المائدة خبز الوجوه أمامي دائما"(خر25: 23 ـ 30).

وكما جاء بالوصف كان على المائدة صحافها وصحونها وكأساتها وجاماتها ، وقطعاً لم تكن هذه الأواني فارغة أمام الرب.والأرجح أن الصحاف كانت توضع عليها أقراص " خبز الوجوه "، ستة على كل صحفة . كما كانت الكأسات تملأ خمراً، أما الجامات فكانت تملأ زيتاً، وكانت الصحون لوضع اللبان بها، وتوضع بلبانها أعلى كل صف من صفي الأرغفة ، وفي كل سبت، كانت تستبدل الأرغفة بغيرها طازجة، وكان اللبان يحرق على مذبح البخور وقوداً للرب ( لا 24: 7). أما الأرغفة المرفوعة فكانت تعطى لهرون وبنيه ليأكلوها في مكان مقدس ( لا 24: 8و9).

وقد حدث عند هروب داود من أمام شاول الملك ، أن " جاء داود إلى نوب إلى أخيمالك الكاهن" وطلب منه أن يعطيه خمس خبزات ، وأمام الظروف التي رواها له داود ، أضطر اخيمالك أن يعطيه من " الخبز المقدس " " لأنه لم يكن هناك خبز إلا خبز الوجوه المرفوع من أمام الرب لكي يوضع خبز سخن في يوم أخذه " ( 1صم 21: 1 ـ 6) ، وقد أشار الرب يسوع إلى هذه الحادثة في في حديثه عن يوم السبت ( مت 12: 4، مرقس 2: 26، لو 6: 4).

وقد عمل سليمان في الهيكل " المائدة التي عليها خبز الوجوه من ذهب " ( 1 مل 7: 48). كما فرض نحميا ضريبة سنوية لخدمة الهيكل بما في ذلك " خبز الوجوه والتقدمة " ( نح 10: 32 و33).

(3) عند الارتحال : كان " يأتي هرون وبنوه.. وعلى مائدة خبز الوجوه يبسطون ثوب أسمانجوني ويضعون عليه الصحاف والصحون والأقداح وكاسات السكيب ويكون الخبز الدائم عليه، ويبسطون عليها ثوب قرمز ويغطونه بغطاء من جلد تخس ويضعون عصيه " ( عد 4: 5 ـ 8). وكان يحمل " المائدة " عند الارتحال القهاتيون مع غيرها من أمتعة القدس وقدس الأقداس ( عد 3: 33، 4: 15). وكان يشرف على ذلك " ألعازار بن هرون الكاهن " ( عد 4: 16).

(4) المغزى : نستطيع أن نرى مما سبق أهمية " خبز الوجوه " في العبادة في خيمة الاجتماع وفي الهيكل فيما بعد، فقد كان " خبز الوجوه " يذكر العابدين ـ على الدوام ـ بأنه " ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان " لأنه كان يرفع في كل يوم سبت . بل لعلنا نرى فيه صورة للطلبة المذكورة في الصلاة التي علمها الرب لتلاميذه : " خبزنا كفافنا أعطنا اليوم ( مت 6: 11).ولأن المائدة لم تكن تخلو مطلقاً من وجود هذا " الخبز" فوقها ، فإننا نستطيع ان نرى صورة لاعتماد الإنسان اعتماداً دائماً وكلياً على الله لسد كل أعوازه الزمنية والروحية ، بل لقد رأينا أنه في أثناء الارتحال كان " الخبز الدائم " يحمل مع المائدة ( عد 4: 7 ).
ونرى في الاثني عشر رغفياً ـ التي تمثل الاثني عشر سبطاً ـ وحدة الشعب أمام اللـه ( انظر 1 مل 18: 31و32 ، حز 37: 16ـ 22).
ويرى البعض في " خبز الوجوه " الموضوع دائماً أمام اللـه رمزاً للرب يسوع المسيح ، كموضوع " شبع اللـه على الدوام " فهو " خبز إلهك " ( لا 21 : 8)، كما أن في شبع جميع المؤمنين ( الكهنة ) ، وهو " خبز اللـه ... الواهب حياة للعالم " ( يو 6: 33).
خبز الحياة (الرب يسوع المسيح)

يقول الرب يسوع عن نفسه: "أنا هو خبز الحياة. من يقبل إليَّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً ... أنا هو خبز الحياة ... الخبز النازل من السماء ... أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد " ( يو 6: 35 ـ 51). لأنه كما أن أكل الخبز المادي لازم للحياة الجسدية، فكذلك الإيمان القلبي بالرب يسوع مخلصاً ورباً يمنح حياة أبدية. ويرى البعض ان هذه العبارات تشير إلى عشاء الرب ولكن حيث أن الرب لم يكن قد مات عندما نطق بهذه الأقوال وفي ضوء ما تلاها من عبارات ، وقوله للتلاميذ الذين عسر عليهم إدراك مرمى هذه الأقوال: "الروح هو الذي يحيي أما الجسد فلا يفيد شيئاً، الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة . ولكن منكم قوم لا يؤمنون" (يو 6: 63و64)، ندرك أنه كان يشير إلى الإيمان به وتسليم الحياة بجملتها له. و"الخبز" في عشاء الرب ليس هو جسد المسيح، بل رمز تذكاري له (ارجع إلى تأكيد الرسول بولس على عبارة"لذكري" ـ 1كو11: 24و25).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا