أولاً ـ الكلمات التي تستخدم للدلالة على الخمر في اللغة العبرية: توجد إحدى عشرة كلمة عبرية تستخدم في العهد القديم للدلالة على الخمر، يصعب التمييز بينها وبين نوع الخمر الذي تشير إليه على وجه التحديد. وغالبية هذه الكلمات لا تذكر إلا نادرًا ، ولكن هناك كلمتان يكثر استخدامهما، هما "يايين"(Yayin) وتذكر 134مرة ، "تيروش" (Tirosh) وتذكر 38 مرة . أما في العهد الجديد فالكلمة المستخدمة في اليونانية هي "أوينوس" (Oinos) وتذكر 33مرة.

(أ) يبدو أن كلمة "يايين" تستخدم لوصف الخمر من كل نوع (نح 18:5)، من عصير العنب الطازج أو الشراب الكثيف القوام إلى الخمور القوية المركزة مما كان مألوفاً عند الإسرائيليين . كما أن كلمة "يايين" هي أول كلمة استخدمت للدلالة على الخمر في الكتاب المقدس، حين غرس نوحاً كرماً بعد الطوفان "وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه" (تك 21:9). كما قدم ملكي صادق لإبراهيم "خبزاً وخمراً" ("يايين" ـ تك 18:14). وسقت ابنتا لوط أباهما خمراً (يايين) فسكر وفقد وعيه (تك 30:19 ـ 38). وتستخدم نفس الكلمة للدلالة على خمر السكيب الذي كان يقدم مع الذبائح للرب (خر 40:29).

وكان محرماً على الكهنة أن يشربوا خمراً (يايين) عند دخولهم إلى خيمة الاجتماع للخدمة (لا 9:10)، وجاء هذا النهي بعد موت ابن هرون ناداب وأبيهو ، مما يحمل على الظن أن خطيتهما التي ماتا بها ، كانت شرب الخمر عند دخولهم للخيمة (لا 1:10و2). كما كان محرماً على النذير كل أيام نذره أن يشرب خمراً لأن أباهم يوناداب بن ركاب أوصاهم أل يشربوا خمراً (إرميا 2:35 ـ 6).

(ب) ـ والكلمة العبرية الثانية وهي "تيروش" تستخدم للدلالة على عصير العنب الطازج غير المختمر، ويعبر عنه عادة في الترجمة العربية بكلمة "سلاف" (انظر إش 26:49، 8:65، هوشع 8:4، وميخا 15:6، وانظر أيضاً "سلاف رمَّاني" في نش 2:8)، أو "العصير" (يوئيل 5:1، 18:3، عاموس 13:9).

(جـ) ـ أما الخمر في العهد الجديد، فتستخدم للدلالة عليه في اليونانية كلمة واحدة هي "أوينوس" (Oinos) في جميع المواضع فيما عدا في أعمال الرسل (13:2) حيث تستخدم الكلمة اليونانية "جلوكوز" (Gluikos) ومعناها "حلو".

ثانياً ــ (أ) صناعة الخمر:كان يتم حصاد الكروم في وادي الأردن مع حلول شهر يونيو، أما على الساحل فلم يكن يتم جمع العنب قبل شهر أغسطس، بينما كان يتأخر في التلال حتى شهر سبتمبر. ومتى نضج العنب للحصاد، كان القرويون يتركون منازلهم ويقيمون في خيام وسط كرومهم حتى يستمر العمل دون توقف. وكانت هذه فترة بهجة وفرح يضرب بهما المثل (انظر قض 27:9، إش 2:27مع إش 10:16، إرميا 35:25، 33:48). وكان العنب يجمع بقطع العناقيد ثم يحمل في سلال إلى المعاصر ، حيث ينشر عادة لمدة بضعة أيام في الشمس لزيادة محتواه من السكر.

(ب) معاصر الخمر :ما زال الكثير من أشكال معاصر الخمر القديمة باقياً إلى اليوم. وكانت المعصرة عادة عبارة عن حوضين منحوتين على شكل مستطيل أو دائرة (إش 2:5) في الصخر إلى عمق قدمين أو ثلاثة أقدام، وكلما أمكن كان أحدهما يعلو الآخر، وتصل بينهما أنبوبة أو قناة، وكانا يختلفان في السعة ، فكان الأعلى عادة أكثر اتساعاً وأقل عمقاً من الأسفل. وكان العنب يوضع في الأعلى ، ويداس بأقدام الدائسين (إش 1:63 ـ 3، إرميا30:25 ... الخ).

وكان الدائسين عادة يمسكون بحبال معلقة حتى لا تنزلق أقدامهم ويقعون. وكانوا عادة ينشدون بنغمة واحدة في أثناء العمل (إش 10:16، إرميا 30:25). وكان العصير ينساب من تحت أقدامهم إلى الحوض الأسفل عن طريق الأنبوب الواصل بينهما. وكان العصير ينقل من هذا الحوض إلى الدنان أو إلى الزقاق أو يترك في الحوض حتى تتم المرحلة الأولى من التخمر (حجي 16:2).

وكانت هناك أشكال كثيرة من المعاصر، فحيث لا يتوفر الصخر، كانت الأحواض تحفر في الأرض ثم تبطن بطبقة من الحصى أو الملاط وتغطى بالقار، أو تصنع الأحواض من الخشب كما كان يحدث كثيراً في مصر. ولم يكن من النادر أن يضاف حوض ثالث (وكان نادراً جداً أن يضاف حوض رابع )بين الحوضين الأصليين لترسيب ما بالعصير من فضلات كالبذور والقشور وغيرها. كما كانت تستخدم عوارض خشبية لاستكمال عملية العصر أو لإنجاز العملية بأكملها. وفي المعاصر الأكثر بدائية،كانوا يضعون كومة من الحجارة على كمية العنب المتبقية بعد انتهاء عمل الدائسين ، لاستخلاص ما بقي بها من عصير.

(ج) التصنيف :من المباديء العامة لصناعة الخمر (كما في صناعة الزيت) أنه "كلما قل الضغط، كان النتاج أفضل"، لذلك كان العصير الذي يسيل في بداية العملية ـ وبخاصة الناتج عن الثقل الذاتي للعنب عندما يكوَّم فوق بعضه ـ يحفظ منفصلاً عن العصير الناتج من الدوس أو الضغط الشديد. كما كان هناك نوع أدنى درجة يستخرج بإضافة الماء إلى النفاية المتبقية من العنب. ومن هذا النوع الأخير كان يصنع الخل عادة.

(د) التخمير: كان التخمير يبدأ - في جو مثل جو فلسطين - فوراً في نفس اليوم الذي عصر فيه العنب ، وقلما كانت تتأخر عملية التخمر إلى اليوم التالي . وكانت تظهر رغوة على سطح السائل ، وحسب التقليد اليهودي ، كان يعتبر خمراً منذ تلك اللحظة ويجب أن تقدم عنه العشور . وسرعان ما يشتد التفاعل . وكان يجب أن يحفظ في أثناء ذلك في أحواض أو في دنان لأنه يكون من القوة بحيث يشق أحدث الزقاق ( أيوب 19:32 ) . وفي خلال أسبوع تقريباً تهدأ عملية التخمر ، فتنقل الخمر إلى دنان أو إلى زقاق أخرى ( مرقص 22:2 ) ، حيث تتم المرحلة الثانية من التخمر . وفي قاع الأوعية يتجمع الثفل أو العكارة ( مز 8:75 ) أو " الدردي " ( إش 6:25 ، إرميا 11:48 ، صفنيا 12:1 ) .

وفي نهاية أربعين يوماً كانت الخمر تعتبر خمراً جيدة يمكن تقديمها سكيباً للذبائح .

بعد ذلك كانت تختلف طرق المعالجة بحسب نوع الخمر المطلوب ، فكانت بعض الأنواع تترك على درديها - دون حراك - لتعتق اعتقادا منهم أنها بذلك تصبح أفضل ، ولكن كان يجب تصنيفها جيدة قبل استعمالها ، ومن هنا جاء قول إشعياء : " وليمة خمر على دردي سمائن ممخة دردي مصفي " ( إش 6:25 ) . لكن ترك الخمر في دنان التخمر يقلل من جودتها ، ولذلك كانوا في نهاية الأربعين يوماً ينقلونها إلى أوعية جديدة للتخزين ( 1أخ 27:27 ) ،أو توضع في زقاق لنقلها ( يشوع 4:9 ... ألخ ) ، ولذلك يقول إرميا : " مستريح موآب منذ صباه وهو مستقر على درديه ولم يفرغ من إناء إلى إناء ... لذلك بقى طعمه ( غير المستساغ ) فيه ، ورائحته لم تتغير ( أو لم تتحسن - إرميا 11:48 ، أنظر أيضاً صفنيا 12:1 ) .

( هـ ) التخزين : كانت الأواني تغلق بإحكام بسدادات مطلية بالقار ، وكان العبرانيون - كسائر الشعوب - يعلمون أفضلية الخمر المعتقة على الجديدة ( لو 39:5 ، أنظر سيراخ 15:9 ) ، ولكن في جو فلسطين كانت الخمر معرضة أن تتحول إلى خل في أي وقت ، وكانت أطول فترة للاحتفاظ بهذا الخمور هي ثلاث سنوات ، وكانت الخمر تعتبر معتقة متى مضى على صنعها سنة أو أكثر .

ثالثاً – استخدام الخمر :

( 1 ) الخمر الممزوجة : في أيام العهد الجديد ، كانت الخمر تشرب دون أن تخفف بالماء ، إذ كان الاعتقاد السائد أن الخمر الممزوجة بالماء تعتبر تالفة أو مغشوشة ، وكانت تعتبر رمزاً للغش الروحي ( إش 22:1 ) . أما "الخمر الممزوجة" - في أسفار العهد القديم - فكانت هي الخمر التي أضيف إليها عند تخميرها أنواع مختلفة من الأعشاب العطرية . وكانت بعض تلك المركبات التي استخدمت في كل العالم القديم ، تجعل الخمر قوية المفعول ( إش 22:5 ) . أما الخمر الممزوجة " بالمرَ " فكانت خمراً مخدرة ( مرقص 23:15 ) . ولكن في العصور اللاحقة استخدم اليونانيون الخمر المخففة بالماء مما جعل كاتب صفر المكابين الثاني يقول : " كما أن شرب الخمر وحدها أو شرب الماء وحده مضر ، وإنما تطيب الخمر ممزوجة بالماء " ( 2 مك 40:15 ) ، إذ أصبح تخفيف الخمر بالماء شيئاً طبيعياً جداً حتى إن الربي إليعازار حظر النطق بالبركة على المائدة إذا كانت الخمر غير مخففة ، وكانت نسبة الماء كبيرة فلم تكن نسبة الخمر تزيد عن الثلث أو الربع من كل المزيج .

( 2 ) شرب الخمر :كانت الخمر في العهد القديم ، تعتبر من ضرورات الحياة وليست من قبيل الترف ، فكانت جزءاً لازماً في أبسط الوجبات ( تك 18:14 ، قض 19:19 ،1صم 20:16 ، إش 1:55 ... ألخ ) ، وكانت تعد مؤونة أساسية في الحصون ( 2أخ 11:11 ) ، وللعلاج ( 2صم 2:16 ، أم 6:31 ) ، كما كانت تستخدم لتطهير الجروح ( لو 34:10 ) . وكانت تشربها كل الطبقات من جميع الأعمار حتى الصغار من الأولاد والبنات ( مراثي من 12:2 ، زك 17:9 ) . وكانت الخمر تعتبر سلعة أساسية مثل الحنطة ( تك 28:27 ..الخ ) . وكان العجز في محصول الخمر أو تدمير الأجانب له يعتبر نكبة مريعة ( تث من 30:28 و39 ، إش 8:62 ، 21:65 ، ميخا 15:6 ، صفنيا 13:1 .. الخ ) ، وفي الجانب الأخر كانت تعتبر وفرة الخمر دليلاً على بركة اللـه ( تك 28:27 ، 11:49 ، تث 13:7 ، عاموس 14:9 ) والوفرة الوفيرة ستكون من خصائص عصر المسيا ( عاموس 13:9 ، يوئيل 9:3 ، زك 17:9 ) . والقسط المعتدل من فرح القلب بالخمر لم يكن يعتبر شيئاً معيباً ( 2صم 28:13 ، أستير 10:1 ، مز 15:104 ، جا 7:9 ، 19:10 ، زك 15:9 ، 7:10 ) ، فلا غرابة فيما جاء على لسان يوثام عن الكرمة : " أأترك مسطاري الذي يفرح اللـه والناس ؟ " ( قض 13:9 ) ، لأن سكيب الخمر كان جزءاً مفروضاً في التقدمات ( لا 13:23 ... الخ )، وكانت في الهيكل خزانة للخمر ( 1أخ 29:9 ) . ولكن لما أساء اليهود استخدامها ، أو بالحري أسرفوا في شربها وبخهم اللـه على ذلك ( أم 1:20 ، 29:23 - 35 ، 5:31 ، إش 22:5 ، 1:28 - 7 ، 12:56 ، هوشع 11:4 ) .

وهناك أقوال كثيرة في العهد القديم للنهي عن السكر بالخمر ، لعل أقواها ما جاء في سفر الأمثال : " الخمر مستهزئة . المسكر عجاج ، ومن يترنح بهما فليس بحكيم " ( أم 1:20 ) ، و " لمن الويل ، لمن الشقاوة ، لمن المخاصمات ، لمن الكرب ، لمن الجروح بلا سبب ، لمن ازمهرار العين ؟ للذين يدمنون الخمر ، الذين يدخلون في طلب الشراب الممزوج . لا تنظر إلى الخمر إذا احمرت حين تُظهر حبابها في الكأس وساغت مرقرقة . في الأخر تلسع كالحية وتلدغ كالأفعوان.. " ( أم 29:23 - 35 - أنظر أيضاً أم 17:21 ، 1 صم 14:1 - 16 ، إش 1:5 - 17 ، 7:28 ، 11:56 و 12 ) .

كما أن العهد الجديد ينهي عن السكر بالخمر ، ويجمع بين السكيرين وأشر الخطاة ( انظر رومية 21:14 ، 1كو 11:15 ، 10:6 ، غل 21:5 ، أف 18:5 ، 1 بط 3:4 ) . أما ما أوصى به الرسول بولس ابنه تيموثاوس : " لا تكن فيما بعد شرَّاب ماء بل أستعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة " ( 1تي 23:5 ) فواضح أنه يصف له القليل من الخمر كعلاج لظروف مرضية خاصة.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا