في منطقة الجلدة غرب الخليل جنوب الضفة الغربية، وبالتحديد في منطقة تسمى "مضيفة الروم الأرثوذكس" لازالت كنيسة المسكوبية قائمة على أصولها، تمثل المعلم المسيحي الوحيد المقام وسط تجمع لمئات الآلاف من المسلمين.
 
وكغيرها من المعالم الأثرية الإسلامية التي لازالت ترزح تحت نير الاحتلال، تقاسمت كنيسة المسكوبية آلام الزمان ولحظات الحزن والمآسي التي حلت بالمدينة عبر عقود متعددة وطويلة من الزمن.
 
وتبلغ مساحة الكنيسة 600  مترا مربعا تقريباً مبنيَّة من الحجر على أرض مساحتها 70 دونماً واتخذت في مخططها شكل الصليب.
 
وتقول الروايات التاريخية أن الكنيسة بنيت على أيدي الروس عام 1871م، وشهدت انقسام الكنيسة الروسية إلى قسمين بيضاء وحمراء، وأوضحت الروايات أنه عندما اندلعت ثورة أكتوبر الاشتراكية بقيادة لينين عام 1917 انشقّت الكنيسة وسمي المنشقون بـ (البيض) أمام الكنيسة التي بقيت في الاتحاد السوفيتي فسمي أتباعها بـ (الحمر).
 
وتوزَّعت أملاك الكنيسة الروسية، على الأقل في فلسطين، بين الطرفين، وسيطر الأرثوذكس الروس (البيض) على كنيسة الخليل (المسكوبية)، إلى حين تسليمها للسلطة الفلسطينية عام 1998، والتي بدورها سلمتها للروس (الحمر).
 
المسكوبية من الداخل
وتتزيَّن الكنيسة من الداخل بلوحات وصور ورسومات لمن يعتقد المسيحيون أنهم عدد من الأنبياء أمثال إبراهيم واسحق وإسماعيل وزوجاتهم، سارة ولائقة وراحيل، فيما سرق اليهود مجموعة من الأعمال الفنية القديمة خلال حادثة سطوٍ تعرَّضت له الكنيسة خلال الحكم العسكري الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية.
 
وأشار أحمد عمر، أحد المواطنين الذين دخلوا الكنيسة- إلى أن التصميم الداخلي جميل جداً ومتقن، موضحا أن الزائر يدخل إلى الكنيسة من باب صغير، غير أن المدخل متَّسع ومقسَّم إلى أقسام متعددة.
 
وتوجد داخل الكنيسة غرفٌ سكنيةٌ محفورةٌ في الصخور وأماكن استخدمت لصناعة النبيذ، بالإضافة لأماكن محفورة في الصخر وعدد من القبور.
 
وأضاف أنه يوجد في المكان سراديب قد تؤدي إلى مغارات، ويعتقد بأن الغرف المحفورة سكنها أناس منذ ألاف السنوات.
 
أما بالنسبة للشكل الخارجي للكنيسة، فيبدو عليه البناء القديم المرتفع الذي تزيّنه قبتين مذهبتين بارزتين للعيان في المنطقة، يمكن من خلالها رؤية أنحاء مختلفة من مدينة الخليل، إضافة لبعض المناطق البعيدة من الجهتين الشرقية والغربية.
 
اهتمام محدود
ولا تحظى الكنيسة اليوم بالاهتمام المحلي اللازم من قبل المؤسسات الرسمية في المنطقة، حسب عبد الله الحكيم، أحد المهتمين بالآثار والسياحة في المحافظة، موضحا أن هذا المعلم يستدعي تعريفا وإشهارا من قبل المؤسسات الرسمية الفلسطينية والمسيحيين الفلسطينيين.
 
وحول رؤيته لزيادة الاهتمام بالكنيسة، رأى الحكيم أن المؤسسات التعليمية يجب أن تنظم رحلات دورية للطلبة والتلاميذ في مدارسها للاطلاع على هذا المعلم الأثري والديني.
 
كما ويقترح أن يتم إطلاع الوفود الأجنبية بشكل أكبر على الكنيسة وعمل خارطة ونشرات تعريفية بها بعدد من اللغات ليتسنى للزائرين والمهتمين معرفة أكثر حولها.
 
ويزور حاليا عدد متفاوت من السياح الكنيسة، وبين الحين والآخر تأتي مجموعات من السياح الأجانب تزور بيت لحم ومنها تأتي للخليل للاطلاع عليها.
 
نافذة على روسيا
من جهة أخرى، شكَّلت هذه الكنيسة نافذة لعلاقة إيجابية بين الشعب الفلسطيني والسلطة مع روسيا، من خلال حفاظ الفلسطينيين على معالمها، واحترامهم هذا المعلم الروسي المسيحي الموجود منذ مئات السنين داخل الخليل، دون أي مساس بها، في وقت حولت "إسرائيل" كنيسا روسيا مماثلا لمركز تحقيق يعتقل به الفلسطينيون ويتعرضون لعمليات تعذيب قاسية.
 
وفي عام 1998 زار فلسطين بطريرك روسيا (الكسي الثاني) ، الذي كان يمثل الكنيسة الروسية الرسمية آنذاك، والتي عرفت بالكنيسة الحمراء، والتقى رئيس السلطة الراحل ياسر عرفات.
 
وبعد الزيارة تدخّلت السلطة الفلسطينية لإخلاء الرهبان من داخل الكنيسة، حيث كانوا يمثلون ما يعرف باسم الكنيسة البيضاء، وهي تمثل المنشقين الذين اتخذوا موقفا من الثورة الشيوعية في روسيا عام 1917، وتسليمها إلى الكنيسة التي يمثلها الكسي الثاني (الحمراء).
 
وعندما تم إخراج الرهبان البيض منها لتسليمها إلى الرهبان الحمر، رفض أحد الرهبان -ويدعى اسكندر- مغادرتها، وفضل البقاء مع الرهبان الحمر الجدد.
 
ويعيش الآن في الكنيسة ثلاثة رهبان، ويتجولون بلباسهم وزيهم في مدينة الخليل، ويحظون باحترام وتقدير المواطنين فيها.