في وقت تتزايد فيه المخاوف على مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط، شدد جورج ديك، مبعوث إسرائيل الخاص إلى العالم المسيحي، على أن بقاء الحضور المسيحي في المنطقة ليس قضية تخص المسيحيين وحدهم، بل يمثل اختبارًا أخلاقيًا وإنسانيًا لمستقبل الشرق الأوسط كله.
وجاءت تصريحات ديك في مقابلة مع موقع Crux Now، حيث تحدث عن تراجع الوجود المسيحي في عدد من دول الشرق الأوسط، مؤكدًا أن المنطقة التي خرجت منها البشارة الأولى لا ينبغي أن تتحول إلى أرض بلا جماعات مسيحية حيّة تشهد لإيمانها وتاريخها. وبحسب التقرير، يرى ديك أن المسيحية تنكمش في الشرق الأوسط عمومًا، بينما يقدم الوضع في إسرائيل، من وجهة نظره، صورة مختلفة ترتبط بحرية العبادة ونمو العلاقات مع العالم المسيحي.
ويحمل تعيين ديك رمزية خاصة، فهو دبلوماسي إسرائيلي من المجتمع العربي المسيحي في يافا، وسبق أن شغل منصب سفير إسرائيل في أذربيجان. كما وصفته وزارة الخارجية الإسرائيلية بأنه أول سفير مسيحي في تاريخ إسرائيل، وصاحب خبرة دبلوماسية تمتد إلى 18 عامًا.
وكان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قد عيّن ديك في منصب جديد هو “المبعوث الخاص إلى العالم المسيحي”، في خطوة قالت وزارة الخارجية إنها تهدف إلى تعميق علاقات إسرائيل مع المجتمعات المسيحية حول العالم. وجاء هذا التعيين في أبريل 2026، وسط اهتمام متزايد بالعلاقة بين إسرائيل والكنائس والمؤسسات المسيحية الدولية.
من منظور مسيحي، لا يمكن النظر إلى هذا الخبر فقط كتحرك دبلوماسي، بل كدعوة أوسع إلى الانتباه إلى واقع المسيحيين في الشرق الأوسط. فالكنائس الشرقية، من القدس وبيت لحم والناصرة إلى لبنان وسوريا والعراق ومصر، لا تحمل مجرد ذاكرة تاريخية، بل تمثل حضورًا إيمانيًا متجذرًا منذ القرون الأولى للمسيحية.
إن تراجع أعداد المسيحيين في المنطقة يطرح سؤالًا مؤلمًا على الضمير العالمي: هل يمكن للشرق الأوسط أن يبقى أرضًا للتعدد الديني إذا فقد جماعاته المسيحية الأصيلة؟ وهل يمكن الحديث عن سلام حقيقي بينما تعيش كنائس قديمة تحت ضغط الهجرة والخوف وعدم الاستقرار؟
تصريحات ديك تفتح أيضًا بابًا مهمًا للنقاش حول مسؤولية الحكومات في حماية حرية العبادة، وصون الكنائس، وضمان كرامة المؤمنين، ليس كمجاملة سياسية، بل كحق أساسي من حقوق الإنسان. فالوجود المسيحي لا يُحفظ بالشعارات، بل بسياسات عملية تحمي العائلات، والمدارس، ودور العبادة، وتمنح الشباب المسيحيين سببًا للبقاء في أرض آبائهم.
وبالنسبة للمؤمنين المسيحيين حول العالم، تبقى القضية أعمق من السياسة. إنها دعوة للصلاة من أجل كنيسة الشرق الأوسط، ودعم المسيحيين الذين يعيشون إيمانهم وسط تحديات يومية، ورفع الصوت من أجل حرية العبادة لكل إنسان. فالمسيح دعا كنيسته أن تكون نورًا وملحًا، وهذا الحضور لا ينبغي أن ينطفئ في الأرض التي شهدت بدايات الإيمان المسيحي.
ويبدو أن منصب المبعوث الخاص إلى العالم المسيحي سيبقى تحت المتابعة في المرحلة المقبلة، خصوصًا مع استمرار التوترات الإقليمية وتزايد حساسية العلاقة بين إسرائيل والكنائس المحلية والعالمية. لكن الرسالة الأهم التي يطرحها هذا الخبر هي أن مستقبل الشرق الأوسط لا يمكن أن يُبنى بإقصاء المسيحيين أو تهميشهم، بل بحماية وجودهم كشركاء أصيلين في تاريخ المنطقة وحاضرها ومستقبلها.
