أدى قرار وقف البناء بمبنى تابع لكنيسة في الجيزة بمصر إلى صدامات دموية بين عدد من المتظاهرين الأقباط وقوات الأمن. وتعيد هذه الصدامات إلى واجهة الأحداث قانون بناء الكنائس الذي يطالب الأقباط بتغييره ويعود للقرن التاسع عشر.

شهدت محافظة الجيزة (غرب العاصمة المصرية القاهرة) صدامات عنيفة اليوم الأربعاء (24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2010) بين مئات من المتظاهرين المسيحيين وقوات مكافحة الشغب أسفرت عن مقتل أحد المتظاهرين وإصابة العشرات. وتفجرت الاحتجاجات العنيفة، التي أدت إلى إغلاق شارع الهرم الحيوي، بسبب أمر إداري بوقف البناء في مبنى خدمات تابع لكنيسة بمنطقة العمرانية في محافظة الجيزة، بحسب وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية المصرية للأنباء.

وتأتي هذه الصدامات في وقت تشهد فيه البلاد أجواءً من الاحتقان الطائفي بين المسلمين والأقباط، حيث تسببت حوادث تتعلق بتغيير عقيدة بعض الأفراد من الجانبين، وأخرى تتعلق بتصريحات لرجال دين من الجانبيين، في زيادة التوتر بينهما في السنوات القليلة الماضية. إضافة إلى ذلك تُلقي صدامات الأربعاء الدامية بظلالها على الانتخابات البرلمانية التي من المزمع عقدها في مصر بعد أربعة أيام.

"القانون تحول إلى سيف على رقاب المسيحيين"

ولم تعد الصدامات، التي تحدث في مصر بسبب بناء الكنائس، نادرة في السنوات الأخيرة. ولعل أبرزها الأحداث الطائفية التي وقعت عام ١٩٧٢ عندما أضرم مجهولون النار في دار كان يتخذها أهالي الخانكة من الأقباط كنيسةً بغير ترخيص، وكذلك الخلاف الذي وقع حول قبة لمبنى جمعية أنصار الكتاب المقدس بالحوامدية قبل سنوات.

وطالما انتقد المسيحيون المصريون القانون المنظم لدور عبادتهم، والذي يعرف باسم "الخط الهمايوني"، واعتبروه يتضمن تمييزا بحقهم وحدا من حريتهم في بناء دور العبادة الخاصة بهم. والقانون المذكور موروث من العهد العثماني ويقضي بألا يتم بناء كنائس جديدة أو توسيع أي كنيسة قائمة أو ترميمها إلا بقرار من رئيس الجمهورية.

لذلك ترى الناشطة المصرية سارة نجيب، في حوار مع دويتشه فيله، أن القانون الذي وُضع في القرن التاسع عشر كإصلاح يهدف لتحقيق المساواة آنذاك تحول لسيف على رقاب المسيحيين ويضطرهم للالتفاف عليه من خلال شراء بيوت ومساحات خالية ثم ضمها لملكية الكنائس بعد ذلك، الأمر الذي يثير حفيظة المسلمين ويتسبب في نشوب صراعات.

لكن نجيب، ورغم تقديرها لخطورة أحداث اليوم، تُرجع الاحتقان الطائفي، الذي تعاني منه البلاد حاليا، إلى قضية أعمق وهي "حالة انهيار النسق الثقافي والاجتماعي والسياسي في البلاد حاليا". فحل مشكلة بناء كنيسة لن يُنهي، من وجهة نظرها، حالة الاحتقان الطائفي "طالما استمرت الدولة بتأجيل حل مشكلات المواطن وإعطائه حقوقه المحروم منها بصرف النظر عن انتمائه الديني".

وتشير نجيب في هذا السياق إلى "مسؤولية الكنيسة عن شعور المسيحيين بالإحباط بسبب إحجامها عن التدخل في القضايا التي تخصهم، حيث تربط مؤسسة الكنيسة علاقات قوية بالنظام الحاكم في مصر منذ أيام الرئيس عبد الناصر والبابا كيرلس السادس. وبموجب هذه العلاقة "أخذت الكنيسة على عاتقها تجميع شعبها حول النظام دون التدخل في الحياة السياسية مقابل السماح لها بتنظيم الطائفة وممارسة شعائرها بحرية".

"الحكومة هي المستفيد الأكبر"

لكن من المستفيد من مثل هذا التصعيد الذي يأتي قبيل الانتخابات؟ الصحفي المصري وائل عبد الفتاح يعرب عن اعتقاده، في حوار مع دويتشه فيله، بأن الحكومة هي المستفيد الأكبر، لأن "مثل هذه الأحداث تعطيها ذريعة لاستخدام القوة وتوجيه ضربات لخصومها متعللة بمحاربة الطائفية"، وذلك في إطار خطة أوسع من أجل إلغاء المكتسبات الديمقراطية التي تحققت خلال الأعوام الخمسة الماضية من وجهة نظره.

ويلفت عبد الفتاح الانتباه لمشروع تغيير قانون "الخط الهمايوني" المثير للجدل من خلال مشروع قانون جديد ينظم بناء دور العبادة بشكل عام؛ وهو مشروع مطروح على البرلمان المصري منذ خمس سنوات دون أن يُبت فيه حتى الآن. ويضيف عبد الفتاح بأنه كان بإمكان الدولة قطع شوط كبير في محاربة الفتنة الطائفية من خلال مناقشة مشروع قانون دور العبادة وإقراره، لكنها عوضا عن ذلك تستخدم فزاعة التخويف دون تقديم حل عملي. وهي بذلك "تُبقي مفاتيح قضية الفتنة الطائفية في يديها دون أن تتدخل". ويشدد عبد الفتاح على أن بإمكان الدولة "التدخل لإيقاف الأصوات المتطرفة من الجانبين، إلا أنها، وبدلا من تقديم علاج شافٍ، تكتفي بإعطاء المسكنات".

dw