كثيرًا ما نسمع مصطلح "الشرك بالله"، ويعني أن يشرك الإنسان آلهة أخرى مع الله. وفي الكثير من الأحيان نُتَّهم كمسيحيين بأننا نشرك بالله عن طريق فهمنا لطبيعة الله الواحد المثلث الأقانيم. فبالرغم من تشديدنا المستمر بأن الله واحد، لكن في ثلاثة أقانيم، مثل الإنسان الواحد الذي في ثلاثة أقانيم: الروح، النفس والجسد (١ تسالونيكي ٥: ٢٣). لا يزال المعترضين يتهمون المسيحيين بأنهم مشركون.

إن الكتاب المقدس هو أول من علم عن التوحيد. فبالرغم من أن الكثير من الآيات الموحاة في الكتاب المقدس مضى عليها أكثر ثلاثة آلاف عام، إلا أنها إلى هذا اليوم الأكثر دقة، والأكثر جوهرية وإصابة للهدف.

ما الذي يميز تعاليم الكتاب المقدس، عن التوحيد، من ديانات أخرى؟

إن الذي يميِّز تعاليم الكتاب المقدس عن التوحيد، هو أن الله فيه لا يتطلع فقط إلى أقوال وسلوك الإنسان الخارجية، بل إلى قلب الإنسان وميوله. لذلك إن تعريف الشرك والتوحيد في الكتاب المقدس، هو عدم وضع الله أولاً في قلب وحياة الإنسان.

نعم ببساطة نستطيع أن نميز التعاليم الإلهية عن التوحيد، من التعاليم البشرية التي لا تمت لله بأي صله، عن طريق إبراز أن الإله الحقيقي دائمًا يصور نفسه كإله يعرف ما في داخل قلب الإنسان، ويهتم أو كل شيء بتقويم قلب الإنسان.

فالكتاب يقول:
" أنت تؤمن أنَّ الله واحد، حسنًا تفعل، والشياطين يؤمنون ويقشعرون.” يعقوب ٢: ١٩.

أي أن الكتاب يبرز أن الأقوال والإيمان النظري هو لا يثير اعجاب الله أبدًا، لأن الشياطين يؤمنون أنه لا إله إلا الله أيضًا. لكن قلب الشيطان جامح بعيد عن الله؛ وهنا الخط الذي يفصل بين تعاليم الإله الحقيقي من تعاليم باطلة:
هل تعليم التوحيد يواجه الإنسان مع حقيقة قلبه أم لا؟
إذا كان الجواب لا، يكون التعليم بشري، وليس لله أي صله فيه، لأن الله ليس بإنسان ليأخذ بالكلام والسلوك الفارغين، ليغفل عن قلب ودوافع الإنسان.

الكتاب يُقَدِّم صُوَر مختلفة للشرك بالله، والمرتبط بها عبادة الأوثان. منها عبادة الأوثان الحرفية، أي أن يضع الإنسان وثن ويعبده؛ أو تأتي بشكل روحي وسلوكي من جهة قلب الإنسان، في أشكال عديدة، يذكر الكتاب منها:

1- التمرد والعناد:

" لأَنَّ التَّمَرُّدَ كَخَطِيَّةِ الْعِرَافَةِ، وَالْعِنَادُ كَالْوَثَنِ وَالتَّرَافِيمِ (كعبادة الأوثان).." (1 صموئيل 15: 23).

يُقصد بالتمرد هنا، الإنسان الذي يعرف كلام الله وطريقه، لكنه يرفض الاستسلام له بل يختار بمحض إرادته أن يضع لنفسه المعايير لما هو صواب. هذا يذكرنا بإغراء الحية لحواء حيث قالت لها: "تكونان كألله عارفين الخير والشر." (تكوين 3: 5)، تصبحان كألله لكم سلطان أن تحللوا لأنفسكم ما هو صحيح وما هو غير صحيح. أي أننا ممكن أن نقول أن إغراء الحية لحواء كان أن تشرك بالله، أي أن يصبح آدم وحواء آلهة أنفسهم (عبادة الذات). لذلك يثبتها الله بصفة "العناد" التي تجعل الإنسان عابد للأوثان، لأنه كما يستبدل الإنسان الله ويلتجئ إلى الشيطان (خطية العرافة)، فهو بالعناد يعلن سلطانه وألوهيته وأنه معصوم وعلى صواب. وبذلك يحلل بنفسه ما هو حلال وما هو حرام، ما هو صواب وما هو خطأ مثل الله تمامًا. ففي اللحظة التي فيها يرفض الإنسان مثلاً موت المسيح وخلاصه وسيادته وسلطانه، يصبح إله نفسه. لأنه هو حدد لنفسه طريقًا آخر مُتمردًا على الطريق الذي أعده الله، مهما كانت صورة مذهبه الديني. لذلك ينسب الكتاب عبادة الأوثان إلى أعمال الجسد وليس إلى أعمال الشيطان، لأنها تبدأ بسيادة الجسد بدل الله (غلاطية 5: 20).
لذلك ركز المسيح على أهمية التوحيد قائلاً: " أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيل، الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ.." (مرقس 12: 29). لأن الوصية الأولى التي أعطاها الله لموسى، ردًا على ما فعلاه حواء وآدم، كانت: " لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي.." (خروج 20: 3).

2- محبة المال والأمور الدنيوية:

قال المسيح: " لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللَّهَ وَالْمَالَ". (متى 6: 24).
جدير بالذكر أن كلمة "يخدم" تعني "أن يكون مستعبدًا لـ"، سيدين أو ربَّين. أي بكلمات أخرى أنه لا يقدر الإنسان أن يعيش لإلهين أو تحت سلطان إلهين، الله والمال. فالكثير من الناس يغتصبون، يكذبون، يُجَرِّحون، يسرقون، يزورون، ينصبون، وربما يقتلون، لكي يحصلوا على المال. وبعد سنين من هذا النمط من الحياة، يبنون بناية يكتبون عليها: "هذا من فضل ربِّي" أو "الملك لله”. نعم إنَّ هذا صحيحًا، إن كل هذه الأموال من فضل رَبَّهم، الذي هو المال والذات أو إبليس. أمَّا إله إبراهيم الحقيقي، فهو بريء من كل درهم وُضع على بناية كهذه. لذلك يقول الكتاب:

" 9 وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ فَيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ تُغَرِّقُ النَّاسَ فِي الْعَطَبِ وَالْهَلاَكِ، 10 لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ." (تيموثاوس 6).

3- الطمع:

الكتاب يصور أيضًا أن الطمع هو عبادة أوثان، والطمع هو أيضًا أتجاه قلبي في الإنسان يجعله يعيش لنفسه، يراه الله ويحذرنا منه، كما يقول الوحي:
" فَأَمِيتُوا اعْضَاءَكُمُ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ: الزِّنَا، النَّجَاسَةَ، الْهَوَى، الشَّهْوَةَ الرَّدِيَّةَ، الطَّمَعَ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ." (كولوسي 3: 5).
" فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ هَذَا أَنَّ كُلَّ زَانٍ أَوْ نَجِسٍ أَوْ طَمَّاعٍ، الَّذِي هُوَ عَابِدٌ لِلأَوْثَانِ لَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ فِي مَلَكُوتِ الْمَسِيحِ وَاللهِ.” أفسس ٥: ٥.

4- حياة اللّهو والشّراهة في ملذات الأطعمة والمشروبات:

يحذر الكتاب المؤمنين بالمسيح بأن لا يكونوا عبدة أوثان مثل الشعب في القديم، وبحسب تفسير الوحي الدقيق للأحداث، يحدد أن مشكلة الشعب كانت ليست عبادة الشرك بالله بدايةً، لكن عدم وضع الله أولاً مما أدى إلى استبداله بالأوثان فيما بعد. وهذا بدأ بتفضيل اللهو والأكل، على العيش والتكريس القلبي لله:

" 7 فَلاَ تَكُونُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ كَمَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْهُمْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: جَلَسَ الشَّعْبُ لِلأَكْلِ وَالشُّرْبِ ثُمَّ قَامُوا لِلَّعِبِ." (1 كورنثوس 10). لذلك يعود ليُؤكِّد على هذه القضية لخلاصة تلك الفقرة في عدد 14 بقوله: " لِذَلِكَ يَا أَحِبَّائِي اهْرُبُوا مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ".
وفي مكان ثانٍ في الكتاب يقول الوحي كيف أن سلوك بعض المؤمنين بملذات وشهوات الجسد، جعل إلههم بطنهم (الفجع في الأكل)، حتى قاد البعض منهم إلى الارتداد عن الإيمان بالمسيح، وبالتالي للهلاك:

" الَّذِينَ نِهَايَتُهُمُ الْهَلاَكُ، الَّذِينَ إِلَهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، الَّذِينَ يَفْتَكِرُونَ فِي الأَرْضِيَّاتِ." (فيلبي 3: 19).

5- الاستمرار في حياة الفتور:

وهنا أريد أن أقدم تحذيرًا لنا كمؤمنين عن كيف تبدأ حياة الشرك بالله وعبادة الأوثان؟
تبدأ بحياة الفتور الروحي، أي عدم وضع الله أولاً، لذلك يحثنا الكتاب على أن نكون دائمًا:

" غَيْرَ مُتَكَاسِلِينَ فِي الاجْتِهَادِ حَارِّينَ فِي الرُّوحِ عَابِدِينَ الرَّبَّ." (رومية 12: 11).

نعم أحبائي، ما أعظم إلهنا المبارك، وما أمجد وحيه المقدس العملي، الدقيق والمُصيب؛ لأن الله دائمًا بوحيه الإلهي يعرف كيف يمسك الإنسان " من اليد التي بتوجعو"، لأنه كلام الإله الحقيقي. الإله الذي لا يأخذ بالكلام "الفاضي" مثل البشر، بشعارات يقولونها، وشعائر يقومون بها، ليرضى على تكريس وعبادة البشر له. بل الإله الحقيقي هو فاحص القلوب، هل هي قلوب تضع الرب أولا في حياتها أم لا؟ واهتمامه الأول أن يغير قلب الإنسان، ويحرره من عبادة الذات، البطن، المال، الملذات، الشهوة، السلطة...إلخ، إلى عبادة الإله الحقيقي الواحد من خلال المخلص الطاهر يسوع المسيح.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا