إن أحد أهم العناصر التي ركز عليها المسيح في تعاليمه هو الربط ما بين الإيمان بالله والإيمان به، كما قال للتلاميذ:
" 1 لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ فَآمِنُوا بِي." يوحنا 14.

أعاد وليم ماكدونالد صياغة هذه الآية مع الآية التي قبلها، بطريقة تفسيرية فقال:
" أنا ذاهب، ولن يكون بإمكانكم رؤيتي فيما بعد. لكن، لا تضطرب قلوبكم؛ انتم تؤمنون بالله، مع أنكم لا ترونه، والآن آمنوا بي، بهذه الطريقة عينها" (ماكدونالد، وليم، تفسير آية يوحنا 14: 1). فالذي نراه في هذه الآية، وهو موجود في كل الأناجيل، هو ربط واضح ما بين الإيمان بالله والإيمان بالمسيح وبنفس المستوى. فلم يتجرأ أن يفعل هذا أيٌّ من الأنبياء على الإطلاق من قبل. فلم يطلب موسى من الشعب مثلا أن يؤمنوا بالله ويؤمنوا برسوله أو نبِيِّة؛ أو أن يؤمنوا بالله ويؤمنوا به، فمن هو الإنسان حتى يعادل نفسه بالله ويطلب من الناس أن يؤمنوا به كما يؤمنون بالله؟
فإذا كان المسيح مجرد نبي، هذا سيكون شِرْكًا صارخًا بالله!!

فلماذا تجرأ المسيح أن يقوم بهذا الربط؟ وبأي حق أعلن هذا؟ أن يُوْدوا طاعتهم وإيمانهم له، كما يُوْدونها لله. وكأنه يدعوا أتباعه لأن يُشرِكوا بالله !! ويحسبو أهميته مساوية لأهمية الله !!
 
لكن إدعاء المسيح بهذا الربط له أساس كتابي قانوني واضح، وهو أن الله تجلى في شخص المسيح بالجسد، كما يعلمنا الكتاب وكما فهم هذا أتباعه، وهو ليس مجرد نبي مثل موسى أو غيره من الأنبياء. فلو كان مجرد نبي ودعى المؤمنين بأن يؤمنوا بالله وبه، لكان فعلا مشركًا بالله بالتاكيد، لكنه ليس كذلك لأنه هو الله الظاهر بالجسد.
 
سنقوم بدراسة هذا الربط من خلال إنجيل يوحنا من خلال سبعة جوانب التي أيضًا تثبت أن المسيح ليس مجرد نبي، بل هو الله الذي تجلى في الجسد البشري، في شخص يسوع المسيح:
 
1- الإيمان بالله مرتبط بالإيمان بالمسيح:
 
كما قلنا في البداية، قال المسيح للتلاميذ: ".. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ فَآمِنُوا بِي." يوحنا 14: 1. أي كما هم يؤمنون بالله دون أن يروه، هكذا يجب أن يؤمنوا بالمسيح كأساس لهذا الإيمان.
وليس هذا فقط، بل سأله جمعٌ من اليهود مرةً: " 28 فَقَالُوا لَهُ: «مَاذَا نَفْعَلُ حَتَّى نَعْمَلَ أَعْمَالَ اللَّهِ؟» 29 أَجَابَ يَسُوعُ: «هَذَا هُوَ عَمَلُ اللَّهِ: أَنْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِي هُوَ أَرْسَلَهُ." يوحنا 6.  بكلمات أخرى، كان سؤالهم كالآتي: كيف نحيى حياة مرضية لله؟ أما جواب المسيح فكان أن يؤمنوا بالمسيح. فلماذا لم يقُل لهم أنهم يجب أن يؤمنوا بالله أولا ويعملوا أعماله ثانيًا ؟ لأن الإيمان بالله مرتبط ومَؤَسَّس على الإيمان بالمسيح كما قلنا. وحياة البر والتقوى المقبولة لدى الله، هي الحياة التي تعكس سلوك وفكر المسيح فينا.
 
2- معرفة الله مرتبطة بمعرفة المسيح:
 
" 3 وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ." يوحنا 17.
إن الحياة الأبدية تبدأ على الأرض، وهي حياة روحية تشتعل من جديد في داخل المؤمن الذي في الطبيعة ميت منفصل روحيًا عن الله بسبب الخطية. هذه الحياة تبدأ في داخلنا عندما نقبل المسيح ونحيى له (نعرفه)، وهي إتحاد روح الله مع أرواحنا، يسميها الكتاب المقدس الخليقة الجديدة، التي من خلالها نستطيع أن نعرف الله. وهذه المعرفة تكون من خلال معرفة ربنا يسوع المسيح. كما تقول الكلمة المقدسة أيضًا:
" 6 لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَ:«أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ»، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ." 2 كورنثوس 4.
 
3- حماية الله مرتبطة بحماية المسيح:
 
" 27 خِرَافِي (أي المؤمنين بالمسيح) تَسْمَعُ صَوْتِي وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. 28 وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. 29 أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي. 30 أنا الآب واحد." يوحنا 10.
أن المسيح هنا يقول أنه لا يقدر أي أحد أن يخطف المؤمنين به من يده، وبعدها يقول أنه لا يقدر أحد أن يخطف المؤمنين به من يد الله. بكلمات أخرى يقدم المسيح سلطانه لحماية المؤمنين به، في نفس مستوى سلطان الله. لكن في العدد 29 يقول أن أبوه، أي الله، أعظم من الكل، فلعله أعظم من المسيح أيضًا؟ وهنا تزداد المعضلة صعوبة؛ لكن لكي يزيل الوحي تلك الصعوبة يتابع ويقول: "أنا والآب واحد"، أي أننا هنا لا نتكلم عن شخصين منفصلين، بل عن أقنومين لإله واحد. مثل الروح والجسد عند الإنسان، لا تقدر أن تقول مَنْ أعظم مِنْ مَنْ؛ لأنك لا تتكلم عن إثنين، بل عن إنسان واحد؛ كل أقنوم فيه مرتبط بالآخر، لا يمكن فصله عن الآخر، لكن له دوره مختلف عن الآخر.
 
4- شهادة الله مرتبطة بشهادة المسيح
 
" 16 وَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَدِينُ فَدَيْنُونَتِي حَقٌّ لأَنِّي لَسْتُ وَحْدِي بَلْ أَنَا وَالآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي. 17 وَأَيْضاً فِي نَامُوسِكُمْ مَكْتُوبٌ: أَنَّ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ حَقٌّ. 18 أَنَا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي." يوحنا 8.
هنا المسيح يشبه شهادته هو مع شهادة الآب، مثل شهادة إثنين من الناس على عمل معين. وهنا بكل وضوح يقدم أمرين: الأول، هو أنه هو والآب مشتركين في نفس الطبيعة الإلهية؛ مثل الشهادة لإثنين من البشر على عمل معين، هي حق(كما تعلم الشريعة)؛ والثاني، هو أن شهادته مساوية في الوزن كشهادة الله الآب.
 
5- رفض الله مرتبط برفض المسيح
 
" 23 اَلَّذِي يُبْغِضُنِي يُبْغِضُ أَبِي أَيْضاً." يوحنا 15.
إن بُغض المسيح يعني أن نرفض عمله وتبعيته، ومن يرفض المسيح، أي يبغضه، يبغض الله أيضًا. وهنا ربما يقول قائل: "أنا لا اؤمن بالمسيح أنه المخلص الوحيد، لكن لا أبغضه". إن تعريف أعداء المسيح هم ليسو الذين يبغضون المسيح حرفيًا، بل ببساطة الذين رفضوا مُلك المسيح على حياتهم (بحسب لوقا 19: 27).
 
6-  إظهار محبة الله مرتبطة بمحبة المسيح:
 
لقد علم يوحنا أن محبة الله أُظهرت وتمَكَّنت لنا من خلال موت المسيح لأجلنا على الصليب:
" 9 بِهذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ  10  فِي هذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا." 1 يوحنا 4.
لقد أعطى الله موسى الوصية الأولى والعظمى وهي: "فتحب الرب إلهك من كل قلبك.." تثنية 6: 5. فمن يحفظ هذه الوصية يكون قد أتم الناموس وكل ما هو مطلوب منه لإرضاء الله (يعقوب 2: 8  وغلاطية 5: 14  ورومية 13: 8  ومتى 22: 37-40). فلكي نستطيع أن نمتلئ من محبة الله، ونتمم أعظم وصية على قلب الله، يجب أن نحب المسيح؛ أي أن نستقي ونحيى تعاليم المسيح كما قال:
" 21 اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي، وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي." يوحنا 14.
لذلك أن نحب الله تعني أن نثبت في محبة المسيح كما قال المسيح لتلاميذه:
" 15 كَمَا أَحَبَّنِي الآبُ كَذلِكَ أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا. اُثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي." يوحنا 15.
إذًا رفض المسيح يعني رفض الله، ومحبة المسيح هي جوهر محبة الله.
 
7-  مجد الله مرتبط بمجد المسيح:
 
" 31 فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ يَسُوعُ: «الآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ وَتَمَجَّدَ اللَّهُ فِيهِ." يوحنا 13.
إن مجد المسيح كإبن الله، بحسب ما أعلنه الوحي في إنجيل يوحنا، مرتبط بالصلب والقيامة. أيضًا تمجيد المسيح، هو تمجيد لله شخصيًا. فإذا أردت أن أمجد وأكرم الله في حياتي، يجب أن أمجد المسيح، لأن مجد الله يكمن في مجد المسيح.
 
لقد دعانا المسيح أن نؤمن بالله ونؤمن به أيضًا، وراينا كيف أن هذه الدعوة ليست شركًا بالله، لأن المسيح هو الله الظاهر في الجسد، وليس مجرد نبي. فإذا أتى أي نبي، مهما كان مقامه، وطلب من أتباعه أن يؤمنوا بالله ويؤمنوا به، لكان يدعوهم للشرك بالله. أما المسيح فهو الله الظاهر بالجسد وهو الإعلان الكامل للذات الإلهية كما قال: "من رآني فقد رأى الآب" (يوحنا 14: 9). لذلك رأينا كيف أنه فقط من خلال المسيح أستطيع أن أؤمن بالله؛ أعرف، أحب، وأمجد الله.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا