نبـيٌّ عظيم

قِسم من الناس آمنوا بالمسيح كنبي عظيم: " فَأَخَذَ الْجَمِيعَ خَوْفٌ، وَمَجَّدُوا اللهَ قَائِلِينَ: قَدْ قَامَ فِينَا نَبِيٌّ عَظِيمٌ، وَافْتَقَدَ اللهُ شَعْبَهُ " لوقا 7: 16 هذه الكلمات التي قالها الناس في قرية نايين التي فيها أقام المسيح ابن المرأة الأرملة الوحيد.
فكان قسم من اليهود قد آمنوا أن يسوع هو بالحقيقة النبي المنتظر الآتي لخلاصهم.
قسمٌ عرفوا أنه نبي لكن لم يؤمنوا به: مثل نيقوديموس في البداية حيث جاء ليسوع ليلاً وقال له:
يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللهِ مُعَلِّمًا، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللهُ مَعَهُ " يوحنا 3: 2. من قوله "نعلم" يعني أن رفقائه الفريسيون كانوا يعرفون أن المسيح هو نبي من الله. في حالة أخرى قال لهم المسيح:
" ... تَعْرِفُونَنِي وَتَعْرِفُونَ مِنْ أَيْنَ أَنَا، وَمِنْ نَفْسِي لَمْ آتِ، بَلِ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَقٌّ، الَّذِي أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ " يوحنا 7: 28، وفي حادثة أخرى قال:
"... يَا مُرَاؤُونَ! تَعْرِفُونَ أَنْ تُمَيِّزُوا وَجْهَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَأَمَّا هذَا الزَّمَانُ فَكَيْفَ لاَ تُمَيِّزُونَهُ؟" لوقا 12: 54-56
وآخرين لم يؤمنوا به: " وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ أَمَامَهُمْ آيَاتٍ هذَا عَدَدُهَا، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ " يوحنا 12: 37

المسيح هو النبي الذي تنبَّأ عنه موسى

لقد تنبَّأ موسى عن النبي المميَّز القادم حيث قال للشعب:
" يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ." تثنية 18: 15
وهذا كان فِعلاً توقع اليهود على وقت المسيح فقسمٌ منهم افتكروا أن يوحنَّا المعمدان هو ذلك النبي، فسألوا يوحنَّا قائلين:
" 19 وَهذِهِ هِيَ شَهَادَةُ يُوحَنَّا، حِينَ أَرْسَلَ الْيَهُودُ مِنْ أُورُشَلِيمَ كَهَنَةً وَلاَوِيِّينَ لِيَسْأَلُوهُ: "مَنْ أَنْتَ؟" 20 فَاعْتَرَفَ وَلَمْ يُنْكِرْ، وَأَقَرَّ:"إِنِّي لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ" 21 فَسَأَلُوهُ: "إِذًا مَاذَا؟ إِيلِيَّا أَنْتَ؟" فَقَالَ:"لَسْتُ أَنَا." "أَلنَّبِيُّ أَنْتَ؟" فَأَجَابَ: لا." يوحنا 1.
"أَلنَّبِيُّ أَنْتَ؟": لم يسألوه قائلين: "أنبيٌّ أنت" التي تفترض أي نبي، بل ألنبي مع أل التعريف أي أنه نبي معروف ومُتوقَّع، وهو الذي تنبَّأ عنه موسى.

مِن اليهود: طبعًا بحسب عبارة "من أخوتك" قصد الله أن النبي القائم سيكون من الشعب اليهودي، شعب الله في ذلك الوقت، والذي لا يعني فقط من سِبط لاوي بل يعني أنه يجب أن يكون من اليهود بشكلٍ عام، تثنية 18: 2.
أيضًا صورة واضحة لـ "من أخوتك" نجدها في تثنية 17:
"14 مَتَى أَتَيْتَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، وَامْتَلَكْتَهَا وَسَكَنْتَ فِيهَا، فَإِنْ قُلْتَ: أَجْعَلُ عَلَيَّ مَلِكًا كَجَمِيعِ الأُمَمِ الَّذِينَ حَوْلِي، 15 فَإِنَّكَ تَجْعَلُ عَلَيْكَ مَلِكًا الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ. مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِكَ تَجْعَلُ عَلَيْكَ مَلِكًا. لاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَجْعَلَ عَلَيْكَ رَجُلاً أَجْنَبِيًّا لَيْسَ هُوَ أَخَاكَ."

مِن نسل إسحاق: أيضًا من أخوتك تعني أن يكون من نسل أسحق، لأن وعد الله لإبراهيم كان من خلال إسحق:
" وَلكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ الَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هذَا الْوَقْتِ فِي السَّنَةِ الآتِيَةِ " تكوين 17: 21
إن إبراهيم كان يظن أنه من اسماعيل سيأتي المسيح والبركة، لكن الله أكد له أنَّ الوعد سيكون من خلال أسحق عندما حثَّه على السماع لسارة على ضرورة طرد هاجر مع ابنه اسماعيل:
" فَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: "لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ (إسماعيل) وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ (هاجر). فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ." تكوين 21: 12
دلالة أخرة لاختيار إسحق ليكون ابن الموعد هو أن الله قد حسب الجيل لابراهيم مئة عام، تكوين 15: 16 وأعمال 7: 6، إن حساب الجيل في هذه الرحلة بمئة سنة قد تمَّ لأنَّه كان لإبراهيم مئة سنة عندما أتاه ابن الموعد إسحق، تكوين 21: 5، وهذا يبرهن أن اسحق هو الجيل القادم الذي ينتظره الله. (الله أراد أن يبرز هذا ليثبت أن بإسحق يبتدئ الجيل القادم، مع إن الكتاب قد حسب الجيل أربعون سنة فيما بعد، العدد 32: 13 و عبرانيين 3: 9-10).
دليل آخر لاختيار إسحاق هو أن الله لم يختار أي بِكر قبل فداء الأبكار في خروج 13: 1-2 (أنظر إلى التفسير لاحقًا تحت عنوان "وفيما يلي بعض الجوانب التي تمَّم بها يسوع ناموي موسى" آخر النقطة الثانية).

يسوع المسيح هو النبي الذي حقَّق هذا الوعد وذلك للأسباب التالية:

طبعًا للتشبيه في علم البلاغة يوجد أوجه شبه للتشبيه، ولا يمكن لأي تشبيه أن يكون تطابق تام بين المُشبَّه والمُشبَّه به، وفيما يلي أوجه الشبه بين المسيح وموسى:

  1. كان يسوع المسيح من أخوة موسى كما تقول النبوئة، أي يهوديًّا ومن نسل إسحق من طرف يوسف، متى 1: 2، وأيضًا من طرف مريم، لوقا 3: 34.
  2. لقد كلَّم الشعب اليهودي بكل ما أُمر به "أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ." تثنية 18: 18، وفعلاً قد جاء المسيح بدعوته الأولى لليهود (أخوته) ومنهم إلى باقي الأمم، يوحنا 1: 11. أيضًا عندما أرسل المسيح التلاميذ أرسلهم أوَّلاً لليهود قائلاً: " إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ." متى 10: 5-6.
  3. المسيح نفسه دعى نفسَه نبي عندما قيل له أن هيرودس يطلب أن يقتلك فقال: " ...لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَهْلِكَ نَبِيٌّ خَارِجًا عَنْ أُورُشَلِيمَ " لوقا 13: 33.
  4. كما رأينا أيَضًا في فقرات سابقة كثير من الناس اعتبروه نبي عظيم: متى 21: 11 ولوقا 7: 16 و24: 19 ويوحنا 4: 49 و6: 14 و7: 40 و9:17.
  5. لقد قام بالأدوار الثلاثة التي قام بها موسى:
    (1) تكلم للشعب عن الله وطبيعته مثل موسى.
    (2) لقد قام بدور الكاهن مثل موسى (خروج 32: 11-14) ليتشفع من أجل الشعب، عبرانيين 5: 7 ولوقا 22: 31-32 ويوحنا 17 (طبعًا قد اعتَبَر الكتاب موسى كاهنا، مزمور 99: 6، مثل يسوع، عبرانيين 7: 26-28).
    (3) أيضًا قام بدوره كقائد مثل موسى وكملك ليقود شعبه وكنيسته لكن ليس بشكلٍ مؤقَّـتٍ بل إلى يومنا هذا وإلى الأبد، لوقا 1: 32-33.
  6. أيضًا المسيح تكلَّم مع الله وجهًا لوجه مثل موسى، تثنية 34: 10، وأعظم من هذا قد أعلن يسوع بوضوح عن معرفته الكاملة للآب قائلاً: "... وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ ..." متى 11: 27، وقال أيضًا انه الإعلان الكامل لله الآب: " ... الذي رآني فقد رآى الآب ..." يوحنا 14: 9 وعبرانيين 1: 3، لأنه منذ البدء يسوع كان مع الله، يوحنا 1: 1 و14 و18. (كثير من النقاط الستَّة السابقة مأخوذة من كتاب: نورمان جايسلر "عندما يسأل المُنتقدون" When Critique Ask).
  7. أيَضا موسى لم يكسر وصية الله منذ البدء بعدم الزواج بأكثر من إمرأة واحدة، تكوين 2: 24. طبعًا المسيح لم يتزوج بل قد تكرَّس بالكامل للدعوة السماوية. في الحقيقة لم يتزوج أيٌّ من الكهنة أو الأنبياء، الذين حِقبتهم الأساسيَّة النبوَّة والكهنوت، بأكثر من امرأة واحدة منذ الناموس وإلى المسيح (إبراهيم كان قبل الناموس). جدير بالذكر أيضًا أنه لم يحمل أي نبي أو كاهن منذ الناموس سيف ليحارب في معركة حيث أن هذا كان من اختصاص الملوك فقط (كانت وصيَّة الله فقط تخُص الملوك بأن لا يُكثِّروا زوجات، تثنية 17: 17، بالرغم من أن كثير من الملوك لم يطِيعوا وصيَّة الله، لكن كما يبدوا هذا الموضوع كان بديهيًّا للكهنة والأنبياء بسبب قربهم من الله، لذلك لم يحتاج لتنبيههم من تكثير النساء).
  8. كلاهما خرجا من أرض مصر إلى أرض الموعد، لذلك استخدم متى نفس الكلام الذي استخدمه الله لشعبه عن المسيح، خروج 4: 22-23 ومتى 2: 15 (إن متى في أسلوبه للكتابة كثيرًا ما قام بنقل المكتوب ضمنيًّا وليس حرفيًّا).
  9. كلاهما حورِبا من قِبَل الشرير في طفولتهما لكي يقضي على حياتهما لأنه علم أنهما مُرسلا من قِبل الله، خروج 1: 15-22 ومتى 2: 13-18.
  10. كلاهما صاما أربعين يومًا وأربعين ليلة وبعدها أتوا برسالة لشعب الله.
  11. كلاهما أفرزا سبعين خادمًا للخدمة، موسى أفرز سبعين شيخًا للقضاء بعدما طلب الله هذا، سفر العدد 11: 16-17، أيضًا يسوع أفرز سبعين تلميذً آخرين وأرسلهم للخدمة، لوقا 10: 1، أيضًا موسى أرسل اثني عشر رسولاً لفحص الأرض، عدد 13: 1-16، والمسيح أرسل اثني عشر رسولاً للخدمة، لوقا 6: 12-13.
  12. موسى أتى بخلاص من العبودية الجسدية من أرض مصر، وأما المسيح فقد أتى بخلاص من العبودية الروحية للخطية والظلمة، أشعياء 61: 1 لوقا 4: 18.
  13. كلاهما قد احتفلا بعيد الفصح كعلامة للخلاص، خروج 12، والمسيح في الليلة الأخيرة قبل الصلب.
  14. كلاهما صنعا الخلاص عن طريق ذبيحة الفداء. موسى عن طريق خروف الفصح، وأما المسيح فهو فصحنا وحملنا الذي ذُبح لأجلنا، 1 كورنثوس 5: 7 ويوحنا 1: 29.
  15. أيَضًا المسيح هو الذي تكلم عنه موسى لأنَّ العهد الجديد من خلال الرُسل يشهد لهذا:
    قال بطرس: أعمال 3 " 22 فَإِنَّ مُوسَى قَالَ لِلآبَاءِ: إِنَّ نَبِيًّا مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ فِي كُلِّ مَا يُكَلِّمُكُمْ بِهِ.....26 إِلَيْكُمْ أَوَّلاً، إِذْ أَقَامَ اللهُ فَتَاهُ يَسُوعَ، أَرْسَلَهُ يُبَارِكُكُمْ بِرَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَنْ شُرُورِهِ".
    عبرانيين 3: 5 " وَمُوسَى كَانَ أَمِيناً في كُلِّ بَيْتِهِ كَخَادِمٍ، شَهَادَةً لِلْعَتِيدِ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِهِ (أي المسيح). 6 وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَكَابْنٍ عَلَى بَيْتِهِ. وَبَيْتُهُ نَحْنُ "
    أنظر أيضًا إلى أعمال 26: 22-23 و28: 23.
  16. أيضًا المسيح نفسه شهد أنه النبي الذي تكلَّم عنه موسى قائلاً:
    "لأَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي، لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي." يوحنا 5: 46
    " ثُمَّ ابْتَدَأَ (يسوع) مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ." لوقا 24: 27
    44 " وَقَالَ لَهُمْ: هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ."
  17. وأيضًا هذا ما فهمه التلاميذ منذ البداية: " فِيلُبُّسُ وَجَدَ نَثَنَائِيلَ وَقَالَ لَهُ:«وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ يَسُوعَ ابْنَ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ " يوحنا 1: 45.
  18. نرى أيضًا في إنجيل يوحنا مفارقة مُستمرة بين المسيح وموسى، يشدِّد يوحنا فيها ويُبرز أن المسيح هو الذي تنبَّأ عنه موسى فِعلاً، وأنه هو الذي سيكمِّل عمله ويُرفِّعه إلى مستوً أرفع:
    1: 17 " لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا."
    3: 14 " وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ،"
    6: 32 " فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ الْخُبْزَ مِنَ السَّمَاءِ، بَلْ أَبِي يُعْطِيكُمُ الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ (عن نفسه)،"
    7: 19 " أَلَيْسَ مُوسَى قَدْ أَعْطَاكُمُ النَّامُوسَ؟ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَعْمَلُ النَّامُوسَ! لِمَاذَا تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي؟ "
    22-23 " لِهذَا أَعْطَاكُمْ مُوسَى الْخِتَانَ، لَيْسَ أَنَّهُ مِنْ مُوسَى، بَلْ مِنَ الآبَاءِ. فَفِي السَّبْتِ تَخْتِنُونَ الإِنْسَانَ. فَإِنْ كَانَ الإِنْسَانُ يَقْبَلُ الْخِتَانَ فِي السَّبْتِ، لِئَلاَّ يُنْقَضَ نَامُوسُ مُوسَى، أَفَتَسْخَطُونَ عَلَيَّ لأَنِّي شَفَيْتُ إِنْسَانًا كُلَّهُ فِي السَّبْتِ؟ "

والسؤال الهام هنا هو:
إن كان المسيح هو مثل موسى تمامًا فما الفائدة من مجيئه إذًا؟
فهل الله بعد الجهد والعناء، بـ 1400 شِتاءِ، قد فسَّر الماء بالماءِ، وجاء بنبيٍ مثل موسى!!!!!
حاشا، بل الله أراد أن يأتي المسيح ليتمِّم العمل الذي ابتدأه موسى ويرفعه لمستوً أعلى وأشمل.

المسيح هو الذي تمَّم ناموس موسى وعمله:

لقد شهد المسيح هذا عن نفسه قائلاً:
" لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ (ناموس موسى) حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ." متى 5: 17-18

وفيما يلي بعض الجوانب التي تمَّم بها يسوع ناموس موسى:

  1. لقد جاء موسى بأعظم وصية على قلب الله وهي:" فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ." تثنية 6: 5، فلم يستطع الإنسان آنذاك أن يطبقها وأمَّا عندما جاء المسيح وفتح الطريق للروح القدس الذي أخذه من الآب (أعمال 2: 33)، فيقول الكتاب أن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس، رومية 5: 5. بهذا قد تكمَّل الناموس الذي أتى به موسى، غلاطية 5: 14 ومتى 5: 17.
  2. لقد تمَّم المسيح الفصح الذي صنعه موسى لفداء الأبكار فقط، لذلك بعدها قد طلب الله أن يُقدَّم له الأبكار بعدما رفض كل بِكر من قبل * (خروج 13: 1-2)، وأما المسيح فقد جاء بخلاص أبدي من الموت والخطية لجميع البشرية، يهودًا وأممًا، عبيد وأحرار، رجالاَ ونساءً حيث جعلهم جميعًا ليسو مُجرَّد مقبولين، بل أبناءً لله (يوحنا 1: 12) وكنيسة أبكار مكتوبة أسمائهم في السماوات (عبرانيين 12: 23).

    * واضح جدًّا من خلال الكتاب المقدَّس أن الله قد رفض كل الأبكار الذين تبيَّن من الكتاب أنهم أبكار. فمن أبناء آدم قائين البكر لكن الله اختار هابيل (تكوين 4: 4-5 و25). ترتيب نوح غير واضح لكنه ولد سام وحام ويافث، البِكر هو يافث فاختار الله سام الابن الوسط (تكوين 9: 22-24 و10: 21). ترتيب إبراهيم غير واضح، لكن كما يبدو كان هاران هو البكر، إنما ولده إسماعيل كان هو البكر لكن الله اختار إسحق (تكوين 17: 21 و21: 21). عيسو هو ابن إسحق البكر لكن الله اختار يعقوب حتى قبل الولادة لكي لا يظُن القارئ أن يعقوب أخذها بالكذب (تكوين 25: 23). ومن أبناء يعقوب اختار الله يوسف وهو الحادي عشر (1 أخبار الأيام 5: 1-2). وأبناء يوسف، البكر منسَّى لكن الله اختار أفرايم الصغير (تكوين 48: 13-19) من هذه الفقرة يتضح أن لله قصد واضح من اختيار الصغير. ومن جهة موسى فالله اختاره بالرغم من أن هارون أكبر منه بثلاث سنين (خروج 7: 7). لكن عندما افتدى الله الأبكار من خلال دم خروف الفصح، طلب بعدها أن يُقدَّموا الأبكار له لأنهم افتُدوا من خلال دم الخروف، خروج 13: 2، ومن هنا تستمر معادلة الفداء بالدم إلى سفر الرؤيا، حيث يُبرز كل الكتاب المقدَّس أن قبول الله لنا هو فقط من خلال فدائه لنا، وليس من خلال مؤهلاتنا وأعمالنا.
  3. أن معرفة الخطية عن طريق الناموس قد جاءت بواسطة موسى، وأما نعمة الله وحقّه معًا التقيا وثُـبِّتا بواسطة المسيح وصليبه، يوحنا 1: 17 ومزمور 85: 10-11.
  4. لقد دلَّ موسى على القيامة لكنه لم يأتي بها، لوقا 20: 37-38 ومرقس 12: 26-27، وحتى موسى قد جاز عليه الموت لأنه قد ملك الموت من آدم لموسى، رومية 5: 14، وأمَّا المسيح فحقَّق القيامة ووهبنا الحياة حيث قال:"... إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ." يوحنا 14: 19.
  5. لقد سبق وتكلَّم موسى عن البر في لاويين 18: 5، دون أن يستطيع موسى ولا غيره أن يطبِّقه من خلال الناموس (أعمال 15: 10 ورومية 2: 23 وغلاطية 2: 21)، وأما المسيح فقد جاء بعطية البر الأبدية حيث أنار لنا الحياة والخلود بواسطة الإنجيل، 2 تيموثاوس 1: 10، وصنع هذا بقربان نفسه ليكمل إلى الأبد المُقدَّسين، عبرانيين 10: 14.
  6. لقد أظهر الله إشارة للمعمودية بواسطة موسى عن طريق السحابة والبحر، 1 كورنثوس 10: 7، وأمَّا المسيح فقد أتى بالمعمودية الحقيقية المتمثِّلة بالموت، الدفن والقيامة بالخليقة الجديدة التي فقط بواسطتها نستطيع أن نُرضي الله، رومية 6: 3-7.
  7. لقد أتى موسى بخيمة الاجتماع التي ترمز لحضور الله المكاني والزمني، وأما المسيح فقد أصبح الله معنا في كل لحظة ومكان، وإلى الأبد، متى 1: 23 و28: 20.
  8. لقد خدم موسى شِبه السماويات وظِلها، رومية 15: 3، وأما المسيح فقد فتح الطريق لنا لنخدم السماء مباشرةً، عبرانيين 10: 19-21. لأن موسى كان خادمًا للبيت تمهيدًا لمجيء صانع البيت – يسوع. وأمَّا البيت، فهو نحن لأنه بنانا ككنيسته وجسده، عبرانيين 3: 3-6 وأفسس 1: 22-23.
  9. لقد أعطي لموسى فريضة يوم الكفارة والتي فيه يخلع الكاهن ثياب المجد ويلبس ثياب من كتان ليدخل مرة في السنة في ذلك اليوم لقُدس الأقداس ليصنع كفارة للشعب العبراني في ذلك الوقت وجميع الأمم التي تعيش تحت العهد معهم، لاوين 16. أما المسيح فقد خلع ثياب مجده السماوية ولبس ثيابًا من كتان، أي جسدًا بشريًّا بلا خطية، ليصنع لنا فداءًا واحدًا أبديًّا، رومية 8: 2 وعبرانيين 9: 19-26 و10: 11-14.
  10. لقد أعطى الله موسى سلطانًا لإدانة الشعب على شرِّهم، دينونة جسديَّة، خروج 32: 26-27، وأمَّا المسيح فقد أعطي السلطان ليدين الأحياء والأموات، الصالحين والطالحين، الأنبياء والأشرار، في دينونة أبدية، الصالحين في الفردوس والأشرار في جُهنَّم، يوحنا 5: 22-23 ورؤيا 20: 11-15.
  11. لقد كان مفهومًا لليهود في فترة الهيكل الثاني (من بداية القرن الرابع قبل الميلاد لسنة 70 ميلادي) أن المسيح المنتظر هو النبي الذي تكلَّم عنه موسى. في إحدى المخطوطات التي اكتشفت في قمران قبل حوالي 50 عامًا، والتي كتبت حوالي مئة عام قبل المسيح، في Testimonia (4Q175)، التي وجدت في المغارة الرابعة، يوجد ربط تام وأكيد بين النبي الذي تكلَّم عنه موسى والمسيح المُنتظر.

إذًا بهذه القرائن الكثيرة نرى أن المسيح هو النبي الذي تكلَّم عنه موسى، طبعًا تكلَّمنا عن أوجه الشَّبه التي يُشبه المسيح بها موسى، لكنه ليس مثله في كل شيء، لأن الله أراد أن يأتي بشيءٍ أعظم من رسالة موسى والناموس كما قُلنا. إن الله دائمًا عنده أشياء أعظم وأمجد حيث أنه باستمرار كان ولا زال يبني شعبه، فلا يُعقل أن تعلِّم طفلك وتُعطيه أشياء، وبعد ثلاثون عامًا تعلمه وتُعطيه نفس الأشياء. لذلك قال الله لشعبه في القديم بكل تشوُّق وأمل:

" لاَ تَذْكُرُوا الأَوَّلِيَّاتِ، وَالْقَدِيمَاتُ لاَ تَتَأَمَّلُوا بِهَا. هأَنَذَا صَانِعٌ أَمْرًا جَدِيدًا. الآنَ يَنْبُتُ. أَلاَ تَعْرِفُونَهُ؟ أَجْعَلُ فِي الْبَرِّيَّةِ طَرِيقًا، فِي الْقَفْرِ أَنْهَارًا. " أشعياء 43: 18-19

وأيضًا قال قبل مجيء المسيح بحوالي 600 عام في إرمياء 31:

"31 هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا 32 لَيْسَ كَالْعَهْدِ الَّذِي قَطَعْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُهُمْ بِيَدِهِمْ لأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ (عن طريق موسى)، حِينَ نَقَضُوا عَهْدِي فَرَفَضْتُهُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ 33 بَلْ هذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَقْطَعُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ، يَقُولُ الرَّبُّ: أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ (عن طريق الروح القدس)، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا 34 وَلاَ يُعَلِّمُونَ بَعْدُ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ، قَائِلِينَ: اعْرِفُوا الرَّبَّ، لأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأَنِّي أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ، وَلاَ أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْدُ (عن طريق ذبيحة المسيح). " أي أن له عهد أفضل وأعظم من الذي ابتدأه موسى وذلك طبعًا من خلال الصفح عن خطاياهم من خلال فداء المسيح.

أوَلا تقول لله نعم، أريد أن اختبر عملك الجديد هذا، أُدعو المسيح لكي يجعلك تتمتَّع بمجد ذلك العمل العظيم الذي يريد الله أن يفعله في حياتك بعدما يفتح صفحة جديدة فيها، يصفح عمَّا مضي ويُولِدك من جديد:

" إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا." 2 كورنثوس 5: 17.

وتكون من جماعة المؤمنين الذين سيحصلون على الجنة التي فيها سيرنمون ترنيمة موسى والمسيح:

" 3 وَهُمْ يُرَتِّلُونَ تَرْنِيمَةَ مُوسَى عَبْدِ اللهِ، وَتَرْنِيمَةَ الْخَرُوفِ (أي المسيح الذي تمَّم عمل موسى) قَائِلِينَ:«عَظِيمَةٌ وَعَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ! عَادِلَةٌ وَحَقٌّ هِيَ طُرُقُكَ يَا مَلِكَ الْقِدِّيسِينَ! 4 مَنْ لاَ يَخَافُكَ يَارَبُّ وَيُمَجِّدُ اسْمَكَ؟ لأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ، لأَنَّ جَمِيعَ الأُمَمِ سَيَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَكَ، لأَنَّ أَحْكَامَكَ قَدْ أُظْهِرَتْ. "
رؤيا يوحنا (آخر أسفار الكتاب)، فصل 15.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا