(واللفيف الذي في وسطهم اشتهى شهوة. فعاد بنو اسرائيل أيضًا وبكوا وقالوا: "من يطعمنا لحمًا؟ قد تذكرنا السمك الذي كنا نأكله في مصر مجانًا، والقثاء والبطيخ والكرّاث والبصل والثوم. والان قد يبست أنفسنا. ليس شيء غير أن أعيننا الى هذا المن- سفر العدد 11: 4 – 6).

الحنين الخاطئ

لقد تسائل الملك سليمان سؤال حكيم في جامعة قائلا: "لماذا تقول أن الايام الماضية أفضل من اليوم، لأنه ليس عن حكمة تسأل"..

إن قصة شعب الله في مصر، واختبار العبودية القاسي المرير والخضوع لحكم فرعون الطاغية، ما هي إلا صورة تشبه حياتنا قبل أن نعرف الرب ونختبر محبته المُخَلّصَة. نعم، فلقد كُنا تحت نير عبودية الشيطان، الذي لَوّثَ حياتنا بطين الخطية والهوان. إن ابليس سيد قاسي لا يعرف للرحمة مكان. يفترس من يجده بدون شفقة، ويُعذب نفسهُ وجسدهُ وروحه في أساليب متنوعة: خطايا ادمان، عادات سيئة، قيود مختلفة. فيصبح هذا الإنسان الضعيف المسكين في عبودية لهذا الفرعون الظالم.

لكن شكرًا للرب من أجل محبته ونعمته التي لا يُعَبّر عنها بالكلام، فقَد ارسل لنا المُنقذ، المُخلص، الذي انتشلنا من طين الحمأة والعبودية، وغسلنا لا بمياه البحر، لكن بدمه الغالي الكريم، دم افتدى كل أثيم!

بعد أن قضى الشعب أربع مئة سنة في العبودية في أرض مصر، أتى اليوم الموعود، يوم تحقيق الوعود بخروج الشعب من مصر، وانتهاء الألم والمرار، أخيرًا يطلقون أحرار، وأعينهم نحو أرض كنعان.

أحبائي، مهما كانت مدة بقاءنا في أرض العبودية والغربة، فإن الرب يسمع لصراخنا مثلما سمع لصراخ شعبه وأنقذه بذراع ممدودة قديرة، وأغلق البحر على فرعون وجيشه ومركباته. فلقد دبر لخلاصنا مشروعًا عظيمًا كَلّفَهُ حياته!

الرب خَلّصنا وضمن لنا مكان في السماء، لكن الطبيعة القديمة تبقى موجودة داخلنا، وتحارب باستمرار الطبيعة الجديدة، الطبيعة الإلهية. ونبقى في صراع، وتَحِنُّ نفوسنا الحنين الخاطئ:

1) الحنين إلى الماضي

عندَ خروج الشعب، قابلوا البريّة. ويالَ التحول المفاجئ في حالهم ولغتهم، فعندما لم يجدوا الماء ولا الطعام تّذَمروا كلهم على موسى قائلين: "ليتنا متنا بيد الرب في ارض مصر اذ كنا جالسين عند قدور اللحم نأكل خبزًا للشبع فانكما اخرجتمانا الى هذا القفر لكي تميتا كل هذا الجمهور بالجوع" (خروج 16: 3).

يا لشبه حالهم بحالنا اليوم، فبعد أن خَلّصنا الرب وأنقذنا من سلطان الظلمة، نُهَلل فرحين:"حَرّرني يسوع"، ولكن هذا النشيد يتغير عندما نصطدم بأول صعوبة في برية الحياة، ونصيح مثل الشعب: "أينَ أنتَ يا يسوع"؟ ويستغل الشيطان المُخادع الفرصة ليهمس بأذاننا: "ألم تكن حياتك أسهل وأكثر متعة قبل أن تعرف المسيح"؟ "ألا تَحن إلى ماضيك؟ ما رأيك أن ترجع الى الأرض القديمة"؟

نَحِنُّ ونشتاق الى حياتنا القديمة عندما تواجهنا الصعوبات والتحديات في برية حياتنا، وننسى تعاملات الرب وذراعه القديرة التي صنعت معنا معجزات عظيمة. إنَّ حنينًا مثل هذا الى الماضي شديد الخطورة، حيثُ يسمع ابليس تذمرنا وشكوانا، ويحاربنا لنرجع الى الوراء، إلى أرض العبودية ثانية، إنَّ الماضي هو أكبر عدو للإنسان، وهو سلاح فَتّاك يستخدمه ابليس في حربه ضدّه. لكن لنثبت أعيننا على الرب، وعلى رؤية أرض الموعد، صارخين مع بولس: "أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قُدّام" (فيلبي 3: 13).

2) الحنين إلى مَلّذّات الماضي

سأرجع واقتبس نفس الآية في النقطة الأولى هنا: "إذ كُنا جالسين عندَ قُدور اللحم نأكل خُبزًا للشبع"؟ ويا للدهشة من كلامهم هذا، فقد نسوا أربعمئة سنة من العبودية بلمح البصر، وكل ما تذكروه وحَنّوا اليه هو قُدور اللحم والخبز؟ لقد نسوا بأي ألم كانوا يأكلونه. عندما تواجهنا العرقلات والإمتحانات في البرية، نتمنى لو أن حياتنا ترجع على ما كانت عليه. تشتاق نفوسنا إلى أرض مصر، صحيح أننا خرجنا منها، لكنها لم تخرج من قلوبنا وأفكارنا. نحن ونشتاق إلى الأمور، العادات، المَلذات الباطلة، الفارغة، الزائلة. حيث كانت الحياة أسهل بدرجات، ولم تكن قد ماتت فينا الذات!
عزيزي، مهما قَدّم لك العالم من مغريات وتسهيلات، فكل هذا يفني ويُفَض سريعًا، كله باطل وقبض الريح، لن تشبع منه ولن تستريح، لما لا تُقبل إلى المسيح؟

3) دينونة الرب القاضي

(خروج 21: فأرسل الرب على الشعب الحيَّات المُحرِقة فلدغت الشعب، فمات قومٌ كثيرون من إسرائيل. فأتى الشعب إلى موسى وقالوا له: قد أخطأنا إذ تكلَّمنا على الرب وعليك، فصَلِّ إلى الرب ليرفع عنا الحيَّات. فصلَّى موسى لأجل الشعب. فقال الرب لموسى: اصنع لك حية مُحرِقة وَضَعْها على راية، فكلُّ مَن لُدِغ ونظر إليها يحيا).

التَذَمُّر والتَّمرمًر خطية يكرهها الرب، ويَدينها مثل الخطايا الأخرى. التَّذمر من أحب النغمات على أذن الشيطان. فإذا حصل وتمادينا في التذمر والتساؤل، فسنصبح فريسة سهلة لإبليس، ويرفع الرب يده ويحجب بركته عنا.

نَعَم، هنالك عواقب وخيمة للإبتعاد عن الرب والتّذمر عليه. إن إلهنا نارٌ آكلة، إنهُ قُدوس ولا يرضى بالخطية، خاصة التذمر، لأنها تشكيك في صلاح الرب وامانته. إذا تَذمرتَ وابتعدت عن الرب، قد يبدو الأمر في بدايته حُلوًا، مُريحًا، لكن نهايته حارقة ومؤلمة. إنَّ الهنا اله المَحبة والغفران، لكنه أيضًا القدوس الدّيان، أنه يُحب الخاطئ ولكنه يكره الخطية، فهي إهانة مباشرة لشخصه البار. لكن شكرًا لأجل نعمته الغنية، فقد طلب الرب من موسى أن يصنع حَيّة نحاسية، وكل من ينظر إليها يحيا. وهذه الحَية ترمز الى ابن الله الذي عُلِّقَ على الصليب، وكل من يظر إليه ويقبل خلاصه، يُشفى من الخطية وتُستَرد حياته. لقد سقطت دينونة الله المرعبة على المسيح، فصار لعنة لنكون نحن بر الله. فنحن بخطايانا وابتعادنا وتذمرنا نستحق هذه الدينونة والقضاء، لكن مجدًا للرب من أجل عمله على الصليب، ومن أجل نعمة السماء!

عزيزي الشاب، لربما تشتاق إلى حياة الماضي، وتظنها أسهل من حياة الإيمان. لكن أطلب من الرب اليوم نعمة، فحتمًا سيعطيك، لأنه إله كل نعمة. سيعطيك القوة لتكمل المسير، وسيغيرك ومثله تصير، لتحقق الهدف وتدخل أرض المواعيد، وليكون لحياتك بصمة وتأثير.

قرأت مرة حكمة أعجبتني: أن السفن لم تُصنع لتبقى في المرفأ، بل لتبحر في الأعماق. وهكذا فإن للرب خطة وتدبير رائع لحياتك، فلهذا خلقك. فاترك ورائك مرفأ الماضي، ولا تتذمر من شدة العواصف. بل ثق بإلهك الذي ابتدأ فيك العمل الصالح فإنه سيكمله بالتمام. آمين