"عطشت نفسي إلى الله.." (مزمور 42)

"كل الناس مقتولون عَطَشًا، لكن نادرًا من يقول:"عطشت إليك نفسي"، بل يعطشون إلى العالم". (القديس أغسطينوس).

الماء للعطشان

تَسَنّت لي فرصة قبل شهر أن أزور منطقة النقب الصحراوية في بلادنا، وفي الطريق بدأ اللون الأخضر يتلاشى تدريجيًا، لتظهر ملامح وتضاريس الصحراء، الرمال على كلا الجنبين، الجِمال تتمشى على هذه الرمال الحارة، ناهيك عن أشعة الشمس الحارقة التي تخترق جلدك لتحول لونه إلى البرونزي، وتسبب لك الجفاف والعطش الشديد. وعند وصولي تقابلت مع عدة أشخاص، وما ان ألقيت التحية وتعرفت عليهم، حتى بدأوا بالتعبير عن مشاعرهم، وتفريغ كل الضغط الذي يقبض صدورهم، لقد كانوا كعطشان يلهث باحثًا عن قطرة ماء تنعش نفسه، كانت نفوسهم جافة بسبب حرارة الظروف القاسية التي مَرّوا فيها. فما كان مني الا أجبت: " الله هو الحل الوحيد وليس سواه "!

كيفما تلفتنا اليوم، فإننا نسمع أو نشاهد أخبارًا تحتوي تفاصيل وصور قتل ودمار، حروب ودماء، فقر وإحتياج. عالمنا يحترق وسط لهيب هذه الأشياء، الظروف القاسية سببت للناس التعب والإعياء. وتجد الكل يصرخ:" إننا في عطش "! " نريد ماءً يُحيي نفوسنا، خبرًا طيبًا ينعش قلوبنا ". (مياه باردة لنفسٍ عطشانة الخبر الطيب من أرض بعيدة- أمثال25:2)

العالم يُقَدّم ماءً من آباره المختلفة لري النفوس العطشانه، وإبليس يستغل كل شخص ضعيف، تائه في صحراء الحياة، يلهث مُتعبًا، يبحث عن ماء ينعشه، فيهمس له أن يفتش في:

1) بئر الموضة والأزياء: إن للموضة تأثير كبير جدًا، يصل لحَد الإدمان لدى البعض. فنجدهم يتابعون كل صيحة وكل جديد في عالم الأزياء، ويبغون أن يظهروا حسب الموضة الجديدة، ولا يهدأ بالهم حتى يشتروا كل ما هو جديد حتى ولو كلَّفهم ثمنًا باهظًا، أو وقعوا تحت الدَّين. وكل هذا نتيجة لفراغ عميق في القلب، أو بسبب الشعور بصِغَر النفس، ومحاولة نيل القبول والإحسان في عيون الآخرين. لكن دَعوني أقول لكم شيئًا هنا: مهما اشتريتَم وحصلتم على كل ما هو جديد من ملابس أو مجوهرات، فلن يملأ قلبكم ويشبعكم سوى إختبار التجديد الحقيقي، مقابلة مع الإله الحي.

2) بئر المَلَّذات والمُتعة والهَناء: يَسعى بعض الناس، وَخُصوصًا الشباب منهم، للتفتيش في بئر المَلَّذات عن مياهٍ تروي قلوبهم، فنجدهم يغوصون في عالم الإنترنت ليشاهدوا ويسمعوا أمورًا ليملأوا بها بئرهم ،أو يُقبلون على تجربة الدُّخان، الكحول، المُخَدّرات، الجنس... ظانين أن بهذه هي لِذَة ومتعة الحياة والشباب، لكنهم لا يدركون أن عاقبتها في النهاية مُرَّة كالأفسنتين (أمثال4:5).

يَعرض لنا إبليس الخطية حُلوة وَعذبة، حتّى يوقعنا في شباكه. وبعد أن نصحو نختبر مَرارَتها وَذُلَّها. لذالكَ أعزائي، اللّذة الحقيقية هي في محبة الرب(مزمور4:37، إرميا16:15). فإذا أردتم التمتع بالحياة، اقتربوا من كلمة الرب، إقرأوها وخبّأوها في قلوبكم، فتختبروا الفرح والأرتواء الحقيقي، وتجري من أحشائكم أنهارُ مياهٍ حَيّة.

3) بئر الغِنى والرَّخاء: هنالِكَ مثعتقَدًا سائِدًا بين البعض: " كُلَّما امتَلَكتَ أكثر، فأنتَ في أمانٍ وقُوّة أكثر ". فَنجدَ البعض يُركز على المال والماديّات، ويَحصون طاقاتهم ومجهودهم في تَحصيل الأموال، وذالك لضمان حياة هادئة مُستقرة. وما إن تبغَتهم أزمة إقتصادية أو ظرفًا صعباً، لِتُزحزح هذه الصخرة التي يستندون عليها، نجدهم يصرخون: "ما العَمل"؟ هؤلاء الأشخاص لا يشبعون، أنانيون، طَمّاعون الى المزيد دائمًا، مثل الغَني المذكور في إنجيل لوقا 12. لكن أرجو أن نتذَكر أنه في يوم سَتُطلَب روحنا منا، فالروح هي الخالدة، لكن المال يَميل، والذَّهب يَذهب، والفِضَّة تُفَض! وليت كلام المسيح يبقى أمام أعيننا: " لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض " (متى19:6).

وفي النهاية أعزائي الشباب أوجه لكم هذا السُّؤال: هل تعبتم من الحَفر في آبار العالم؟ إنها آبار مُشَققة لا تضبط ماء (إرميا 2). ومهما شربتم من مياه العالم، تعطشون أكثر لأنها مياه مُرّة. فلماذا لا تقتربوا اليوم من يسوع؟ إنه ينبوع الحياة، مصدر الحياة. هو من يملأ قلوبكم بمياه حيّة. لِتُغَّنوا مع المُرَنم: " فض في قلبي واملأ حياتي، إذ فراغ العالم رهيب ". نعم، فراغ العالم رهيب، وحرارته مثل اللهيب، فتعالوا إلى يسوع واشربوا من نبعه العجيب! الدّعوة ما زالت مفتوحة، وصدى النداء الإلهي ما زال يَرِنُّ حتى هذا اليوم: " تعالوا إلي ". " ولكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلَن يعطش إلى الأبد، بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماءٍ ينبُع إلى حياة أبدية " (يوحنا 14:4).