فيليبي 4: 11- 16

كما في حياتنا البشرية العادية، نمر في مراحل تطور ونضوج، ولا نقفز فجأة وبطريقة سحرية من الطفولة إلى البلوغ. هكذا هو الحال في حياتنا الروحية: يجب أن أعبر في مراحل ومحطّات حتّى أصل للنضج الروحي، ولكل محطة مشاكلها وتحدياتها. وفي هذا التأمل سوف نتحدّث عن المرحلة الأولى، ألا وهِيَ: الطفولة الروحية.

يتحدّث الكتاب المُقَدّس عن مؤمنين في حالة طفولة روحية. فمن الممكن أن تكون مؤمنًا لأكثر من ستّين عامٍ، لكنك قد تكون طفلًا من ناحية روحية، لا تتخذ المواقف الحاسمة وتُساوم عندما توضع على المَحَك، تدخل في صراع فتتوَجّه للقس طالبًا منهُ الصّلاة، وتطلب منه أن يسمع صوت الرب ويعطيكَ إعلانًا منه، وكأنُه دواء يهدّئك مُؤقّتًا، ثم بعد فترة معيّنة ترجع وتطلب الصلاة مجَدّدًا. هذه المرحلة أيضًا تتميّز بالصراع، الطبيعة القديمة، الجسَد يحارب باستمرار، فتراك تارةً في ارتفاع، وتارة تسقط في القاع!!! لا تستطيع أن تحسم المعركة. 1 بطرس 2:2 يتحدث عن الطفولة، وما ينطبق على المرحلة الطبيعية، ينطبق كذالك على الحياة الروحية. فيقول بطرس: " كأطفال مولودين الآن، اشتهوا اللّبن العقلي العديم الغِش لكي تنموا بِهِ ". واللبن أو الحليب يرمز إلى كلمة الله التي تساعدنا على النّمو.

في بداية مسيرتنا الروحية، عندما نلنا الخلاص، نبتدئ كالأطفال مُعتمِدين على راعي الكنيسة والمُتَلمِذين. ونكون دائمًا في حالة جوع ونطلب الطّعام، ومسؤولية الراعي أو المُتلمذ هي إطعامُنا.

في هذه المَرحلة أيضًا نتَعلّق بالشّخص المُتلمذ، مثل بولس وتلميذه فليمون (الرسالة الى فليمون 1: 10)، الذي قال عنهُ: "إبني الذي وَلَدتهُ في قيودي". ولكن في الحقيقة، فإن المُعتني الذي يجب أن نتعلّق به هو الرّب يسوع، وفي هذه المرحلة يكشف الرب لي أن الطريق للنمو هو من خلال علاقتي القويّة معه.

نعمة الله هي العنصر المرافق في كل مراحل النّمو، لكن في هذه المرحلة نستطيع أن نطلق عليها اسم "النعمة المُنَمِيّة".

إليكم بعض المشاكل اللتي قد تواجه المؤمن في هذه المرحلة:

1) القلب العاطفي: نستسلم للعواطف ونترك لها المجال أن تقودنا، ولذلك ننكسر أمام أوّل مشكلة تواجهنا فنهرب ولا نتحمَّل المسؤولية. فالعواطف كالعواصف، تقود الإنسان إلى حيثُ لا يشاء.

2) التحليل الذهني الكثير: تكون لدينا أسئلة كثيرة عن الحياة المسيحية، وعن الكتاب المُقدّس حيث لا نستطيع القراءة بانتظام، فننطلق من التكوين إلى الرّؤيا دفعة واحدة، نترك الأساسات، يكون لدينا فضول كبير وحب استطلاع. في عملية التلمذة الصحيحة، هنالك مواضيع يجب أن نتجنب الخوض فيها، لأننا نضيّع الشخص في دوّامة بلا نهاية، ونفسد صحته الروحية، تمامًا كإطعام اللحم للطفل الرضيع!

3) قِلّة التمييز: كما أنّ الطفل عندما يولد لا يستطيع أن يُمَيّز كل الأشياء والأشخاص والألوان، كذلك المؤمن المولود حديثًا يكون قليل التمييز. وبالرغم من سكنى الروح القدس فيه وإعطائه إياه القدرة على التمييز بين الخير والشر، لكنه لا يزال في مراحل التمييز الأولى، وبحاجة إلى تدريب هذه القُدرة على التمييز حتى تصير حواسه كلّها مُدَرّبة. ولكي ننتقل إلى هذه القُدرة على التمييز. يجب أن تكون لدينا الرغبة في التقدم، وكذلك ينبغي أن نتخلى عن أشياء معيّنة رُبّما تكون من الماضي، كالشفاء من موضوع مُعّيّن، لكي يرفعنا الله إلى مرحلة أعلى من النضوج. نحتاج هنا إلى الإيمان البسيط والطّاعة التي قد تكون مؤلمة، ولكننا عندها نتَقّدَم ونصعد في سُلّم الحياة الروحية. دعونا لا ننسى مثالنا في النمو، الرب يسوع المسيح، الذي كان ينمو في القامة والحكمة والنعمة عند الله والناس، هو يأخذ بيدنا ويعيننا، إن كان لنا الدافع والرغبة في التّقدم وهو يمنحنا النعمة اللازمة لكل.

هو معنا كلّ المسير، حتّى ننمو ومثله نصير!!!