لقد كان كلّ من الكاهن واللاوي أول من التقى بالإنسان المسكين الملقى في الطريق بين أورشليم وأريحا، بعد أن عراه اللصوص، وجرحوه وآذوه، وتركوه بين حيّ وميت. لذلك نحن أمام وقفة تأمل حول شخصية ووظيفة ومساهمة كل منهما.

الكاهن:

يذكر قاموس الكتاب المقدس أن مفهوم الكاهن عمومًا هو خادم دين، وفي العهد القديم هو المخصص لتقديم الذبائح، وقد كان تقديم الذبائح متداولًا قبل النظام الموسوي لكل الأفراد كهابيل على سبيل المثال (تكوين 4: 4)، ثم صار لرؤوس البيوت والقبائل كنوح وإبراهيم وأيوب (تكوين 8: 20 و12: 8 وأيوب 1: 5)، وفي النظام الموسوي تعينت رتبة الكهنوت في عائلة هارون من سبط لاوي (خروج 28)، فكان كل ذكر بلا عيب أو تشويه جسديّ من عائلة هارون يعين كاهنًا. وقد قسّم داود الكهنة إلى 24 فرقة تمارس وظائفها بالتتابع، بحيث تخدم كل فرقة مرتين في السنة على الأقل، وكانت واجبات الكهنة الذبائح اليومية والأسبوعية والشهرية والسنوية، والخدمة في الاحتفالات الدينية والتطهير والاعتناء بالأواني المقدسة وأثاث خيمة الاجتماع أو الهيكل، وإطلاق الأبواق وحمل تابوت العهد وغيرها، ويذكر الكتاب المقدس أنّ الكهنة كثيرًا ما أهملوا واجباتهم.

توضح لنا قصّة السامري الصالح أن أول شخص انتبه لوجود هذا الانسان بعد اعتداء اللصوص عليه إذ تركوه يُصارع الموت وهو مُلقى على قارعة الطريق، مُعرى ومجرح تحت قُبّة السماء وحرّ شمسها، كان كاهنًا، "فعرض أن كاهنًا نزل في تلك الطريق فراه وجاز مقابله" (لوقا 10: 31). في أغلب الظن أن هذا الكاهن كان عائدًا إلى بيته بعدما أنهى نوبته مع فرقته في الخدمة في الهيكل، ولقد رأى المجروح ولكنه لم يبالِ به ولم يهتم لأمره، ولم يُقدم له أيّة مُساعدة أو عناية، بل مرّ مبتعدًا عنه، متممًا مسيره وكأنه لم يلحظ شيئًا، وكأن هذا الانسان المجروح المتروك أضحى لا قيمة له. لا ندري سبب هذه اللامبالة، ولو حاولنا الاستفسار عنها من الكاهن (ومن اللاوي أيضًا) لكانت لدى كلّ منهما عدة حجج وأسباب، قد يذكر أنه خشي أن يكون الأمر مؤامرة مدبّرة للإيقاع به، أو خاف من التعرّض للسرقة في حالة التأخر مع الجريح، أو خوفًا من التأخر على عائلته، أو اعتقاده أنه لا منفعة من علاجه لأن وضعه خطير، أو أنه لا يعرف كيف يُعالجه ويُسعِفه، أو تحسبًا للمسؤولية

التي قد يتحملها في حالة اقترابه منه، وهكذا... وهذه جميعها كما نعلم حجج واهية يتمّ تأليفها للتهرّب من المسؤولية والمساءلة، وللأسف قد نستخدمها نحن في مواقف مشابهة في حياتنا اليومية، وقد يتغير تصرفنا لو كان في المشهد جمهور وشهود، فقد نُظهر أفضل ما لدينا لننال المدح من الناس، يا لتعاسة وهشاشة مثل هذه المواقف. لقد قام الكاهن بفعل واحد فقط بعد أن رأى الانسان المجروح، لقد جاز مقابله، أي تركه دون تأخير غير مباليًا به.

في الواقع هنالك قادة يتمثلون بشخص الرّبّ يسوع، إذ تجد ايمانهم وتصريحاتهم تتماشى مع حياتهم وسلوكياتهم فهنيئًا للمجتمع والشعب بهم، وهنالك قادة دينيين جُلّ عملهم ان يُلاحظ الناس غيرتهم لإتمام فرائض وواجبات، وايهام التابعين بأن الله يُسَر أساسًا بمجموعة مهام مفروضة عليهم للقيام بتأديتها، ويؤكدون أن قيامهم بكل واجباتهم الدينية هو مطلب الإله، مع أنّ بولس الرسول يؤكد أنّ "الاله الذي خلق العالم وكل ما فيه، هذا، اذ هو رب السماء والأرض، لا يسكن في هياكل مصنوعة بالأيادي، ولا يُخدم بأيادي الناس كأنه محتاج إلى شيء، اذ هو يعطي الجميع حياة ونفسًا وكل شيء" (أعمال 17: 24-25).

وصية الرّبّ لنا ليست عَسِرة، حتى العهد القديم يؤكد ذلك “أن هذه الوصية التي اوصيك بها اليوم ليست عسرة عليك ولا بعيدة منك" (تثنية 30: 11)، ولكن القيادات الدينية التي تهتم بالتنظير على الآخرين دون أن تُحرّك هي بذاتها ساكنًا، اضطرت الرّبّ يسوع أن يوبّخهم بكل حزم ليدركوا عِظم جهلهم وجهالتهم وقساوة قلوبهم لعلهم يتوبوا فقال لهم: «على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فأحفظوه وافعلوه، ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا لأنهم يقولون ولا يفعلون. فانهم يحزمون أحمالا ثقيلة، عسرة الحمل، ويضعونها على أكتاف الناس، وهم لا يريدون أن يحركوها بإصبعهم. وكل أعمالهم يعملونها لكي تنظرهم الناس، فيعرضون عصائبهم ويعظمون أهداب ثيابهم..." (متى 23: 3 – 12 ولوقا 11: 46).

ليست خدمة الرّبّ أو المراكز الدينية هدفها واجبات يجب أن تُعمل، بل قلبًا يُعلن محبة الله وافتقاده قبل كل شيء، فالعهد القديم يؤكد قلب الله ورغبته "إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ" (هوشع6: 6)، والرّبّ يسوع يُعلن بوضوح "فَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى الأَبْرِيَاءِ!" (متى12: 7)، وعندما اتهمه رجال الدين بمحبته للخطاة وجههم لأهمية ترجمة الايمان للحياة العملية وخدمة البشرية "فَلَمَّا نَظَرَ الْفَرِّيسِيُّونَ قَالُوا لِتَلاَمِيذِهِ: «لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُمْ مَعَ الْعَشَّارِينَ والخطأة؟» فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ لَهُمْ: «لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. فَاذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ» (متى9: 11- 13)، ويؤكد لنا أن الايمان يجب أن يُرَى، لا أن يُسمع فقط، "فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يَروا اعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات" (متى 5: 16)، ويذكرنا

بذلك الرسول بطرس "أن تكون سيرتكم بين الأمم حسنة، لكي يكونوا، في ما يفترون عليكم كفاعلي شر، يمجدون الله في يوم الافتقاد، من أجل أعمالكم الحسنة التي يلاحظونها" (1 بطرس 2: 12).

اللاوي:

كلمة لاوي في العبرية تعني "مُقترِن"، واللاويون هم نسل لاوي بن يعقوب من زوجته ليئة، وقد كان للاوي ثلاثة بنين جوشون وقهات ومراري، وأسس كل منهم عشيرة لنفسه. اختار الرّبّ سبط لاوي عوضًا عن تكريس كل بكر من أبكار العبرانيين لخدمة المَقدِس، وكانوا متوسطين بين الشعب والكهنة، ولم يَجُز لهم أن يُقدموا ذبائح أو يحرقوا بخورًا. كان اللاويون يُقسمون إلى أربعة أقسام في زمن داود: مساعدو الكهنة في خدمة المقدس، القُضاة والكتبة، البوابون، والموسيقيون، وكان كل قسم منهم، ما عدا القُضاة والكتبة غالبًا، يتفرع إلى 24 فرقة للتناوب على الخدمة (قاموس الكتاب المقدس).

مرّ اللاوي، أي خادم المقدِس (خادم الرّبّ وكهنته في الهيكل)، على جريح قصة السامري الصالح مرورًا مشابهًا لمرور الكاهن، ولكنه قام بفعل إضافيّ، إذ عندما رأى المجروح جاء ونظر له، أي اقترب منه وتمعّن به وأدرك وضعه، ومع ذلك جاز مقابله غير مبال بحاجته، "وكذلك لاوي أيضا إذ صار عند المكان جاء ونظر وجاز مقابله" (لوقا 10: 32).

أحاول أن أتخيل هذا اللاوي وذاك الكاهن في محضر الرّبّ يسوع عند مجيئه في مجده وجميع الملائكة القديسين معه، فإذا كان هذا الموقف الحاصل مع كلّ منهما ليس مُجرد زلّة، بل أسلوب حياة مبني على أساس عدم الايمان أصلًا، فعندما يتحول الكهنوت والشموسية والخدمات بأنوعها لمُجرد وظيفة تُعمَل، لا روح فيها ولا حياة، ولا علاقة خاصة مُميزة مع من نخدم ومن نعبد ومن نعيش لأجله، ذاك الذي مات لأجلنا، فعندها سيكون كل منهما عن يسار ملك الملوك وربّ الأرباب، ليسمعوا كلام الرّبّ: "اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته. لأني جعت فلم تطعموني. عطشت فلم تسقوني. كنت غريبًا فلم تأووني. عريانا فلم تكسوني. مريضًا ومحبوسًا فلم تزوروني. حينئذ يجيبونه هم أيضًا: يا ربّ متى رأيناك جائعًا أو عطشانًا أو غريبًا أو عريانًا أو مريضًا أو محبوسًا ولم نخدمك؟ فيجيبهم: الحق أقول لكم: بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر فبي لم تفعلوا. فيمضي هؤلاء الى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية" (متى 25: 41-46)، إذ أن أعمالهم كشفت زيف ايمانهم.

كخدام الرّبّ وأبناء الملكوت لننتبه، فنحن لا نخدم هياكل مادية، بل الهنا الحيّ، وذلك من خلال ترجمة محبتنا العملية له وللآخرين "بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد ابليس: كل من لا يفعل البر فليس من الله، وكذا من لا يحب أخاه. لأن هذا هو الخبر الذي سمعتموه من البدء: أن يُحب بعضنا بعضًا. ليس كما كان قايين من الشرير وذبح أخاه. ولماذا ذبحه؟ لأن أعماله كانت شريرة، وأعمال أخيه بارة" (1 يوحنا 3: 10 -12)، لأنه "إن كان الله قد أحبنا هكذا، ينبغي لنا أيضًا أن يُحب بعضنا بعضًا" (1 يوحنا 4: 11)، لأن "الله لم ينظره أحد قط. إن أحب بعضنا بعضًا، فالله يثبت فينا، ومحبته قد تكملت فينا" (1 يوحنا 4: 12)، فلنُترجم محبتنا لمحبة عملية "لا نحب بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق!" (1 يوحنا 3: 18). "لذلك ونحن قابلون ملكوتًا لا يتزعزع، ليكن عندنا شكر به نخدم الله خدمة مرضية، بخشوع وتقوى" (عبرانيين 12: 28).

يتبع...

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا