تأملنا في مقالات سابقة في شخصيات كتابية من كتاب العبرانيين، وفي هذه المقالة سوف نتأمل بنعمة الرب في دعوة الله لنوح، ونتعلم من رجل الله هذا، من ايمانه وطاعته لله.

نقرأ في كتاب التكوين الاصحاح السادس عن دعوة الله لنوح لبناء الفُلك، لان الرب قد رأى ان شر الانسان قد كثر في الارض، وان كل تصوّر افكار قلبه انما هو شريرٌ كل يوم. لكن نوح وجد نعمة في عيني الرب، وكما يقول الكتاب ان نوح كان رجلًا بارًا كاملًا في اجياله، وسار نوح مع الله.
وكان الله قد أعلن لنوح ان نهاية كل بشر قد اتت، لان الارض امتلأت ظلمًا منهم، وبعد هذا الاعلان امر الله نوح ان يبني الفلك.

عن ايمان نوح نقرأ في كتاب العبرانيين 7:11، انه بالايمان لما اوحي اليه عن امور لم تُرَ خاف، فبنى فلكًا لخلاص بيته، فبه دان العالم، وصار وارثًا للبِر الذي حسب الايمان.
نرى هنا ان الذي بادر بخطة الخلاص هو الله، وهو الذي أعلن لنوح عن الهلاك الذي كان لا بد ان يأتي لأجل شر الإنسان، وهذا يذكرنا ان الله هو الذي قد بادر بالصلح مع العالم، ومع كل انسان خاطئ بشكل شخصي، لان الله يحب خليقته وليس مشيئته ان يهلك أحد، بل ان الجميع يخلصون.

ولكن كما كان في ايام نوح، كذلك نرى في ايامنا هذه ان الانسان غير مهتم بخلاصه ومصيره الابدي، بل جُل اهتمامه هو الحياة الارضية، الطعام والشراب، الزواج والعمل.
انها امور هامة في حياة كل واحد منا، ولكن دعوة الله لنا هي ان نعطي كل الاهتمام لمصيرنا الابدي، وان تأخذ حياتنا الروحية وعلاقتنا مع الله اول اهتمام لنا هنا على الارض، وان لا نكون كما كانوا في ايام نوح، او كما تذمر شعب الرب في القديم على الله وخادمه موسى!

نقرأ انه بالأيمان أُوحي لنوح عن امور لم تُرَ بعد، وكما تأملنا في مقالة سابقة ان الايمان هو الثقة بما يرجى، والايقان بأمور لا ترى.
فمن نصدق نحن؟ الله القدوس ونقبل الحق الالهي المعلن بالكتاب المقدس، ونصدق الله وكلامه حتى لو لم نرى بعد، او نسير مع العيان بل وندعه يشككنا بالله ويُضعِف ايماننا؟
لنتعلم من نوح ان نجعل كل انسان كاذب والله وحده صادق، نوح امن بالله، صدّق الله وسار معه، لذلك سمع صوت الله ودعوته لخلاصه وخلاص بيته، مع ان خطة الله كانت ان يخلص الجميع، كما قرأنا ان نوح كان كارزًا، كذلك حجم الفلك الكبير، الذي كان بإمكانه ان يتسع الجميع، كما في ايامنا هذه نشهد عن محبة المسيح يسوع الرب للجميع، وان خلاص المسيح مقدم مجانًا للجميع، لكل من يؤمن به.

بعد هذا الاعلان المبارك وهذا الوحي الالهي لنوح، نقرأ ان نوح خاف، طبعًا ليس بمعنى الخوف والفزع، لأنه بعلاقتنا مع الرب لا يوجد خوف بل بالعكس، لان محبة الله تطرد الخوف خارجًا، بل المعنى من مخافة الرب هو مهابة الرب واعطاء كل الاهتمام له ولكلامه، ليس بدافع الخوف بل لأننا ندرك كم يحبنا الله، وكما يقول الكتاب في الامثال ان بدء الحكمة مخافة الرب، ومعرفة القدوس فهم. (امثال 10:9).

الله أعلن لعبده نوح خلاصه، وما زال الرب في ايامنا هذه يعلن محبته وكلمته لكي يخلص كل انسان، وكما نقرأ في رومية 8:10، ان الكلمة قريبة منك، في فمك وفي قلبك، اي كلمة الايمان التي نكرز بها:
" لأنك ان اعترفت بفمك بالرب يسوع، وامنت بقلبك ان الله اقامه من الاموات، خلصت "، لان القلب يؤمن به للبِر، والفم يُعترف به للخلاص.
ويتابع الرسول بولس انه كيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به؟  وكيف يسمعوا بلا كارزٍ؟ فكما كرز نوح من خلال شهادة حياته وطاعته لله، هكذا الله يدعوك انت ايضًا ان تأتي اليه اليوم لكي تنجو من الدينونة، وان لا تستهين كما فعل البشر ايام نوح، بل تسمع دعوة الله لك من خلال يسوع المسيح، لان الايمان بالخبر، والخبر بكلمة الله.

تكلم بطرس الرسول عن نوح في رسالته الاولى 20:3، وعن اناة الله في ايام نوح، اذ كان الفلك يُبنى، الذي فيه خلص قليلون، اي ثماني أنفس بالماء، الذي مثاله يخلصنا نحن الان، اي المعمودية.
لان الكتاب يعلم ان كل من امن بالرب يسوع المسيح واعتمد خلص، ومن لم يؤمن بيسوع يُدَن، والدينونة هي حسب انجيل يسوع المسيح، ولكل من رفض هذه النعمة العظيمة المباركة، نعمة الله لخلاص البشر من خلال عمل يسوع الكفاري على عود الصليب.
فهل تقبل دعوة الله لك، ام تستهين بغنى الله، لطفه وامهاله وطول اناته، غير عالم ان لطف الله انما يقتادك الى التوبة؟ (رومية 4:2).

يتابع الرسول بطرس في رسالته الثانية 5:2، ان الله حفظ نوح ثامنًا كارزًا للبِر، اذ جلب طوفانًا على عالم الفجار، الله هو الذي حفظ نوح كارزًا، وهذه صلاتنا ان الله يحفظنا من كل شر وشبه في هذا العالم، ويحفظنا من الخطية المحيطة بنا بسهولة، لان الرب جبار يخلص، وقادر ان يحفظنا الى يوم رجوعه.
وكما كان نوح كارز للبر، بإطاعته لله وبناء الفلك، الذي به خلص هو واهل بيته، فهذه ايضًا صلاتنا نحن، لان الرب وعد، وهو الصادق والامين بوعده، لكل من يؤمن به، يخلص هو واهل بيته كما كان مع نوح.
وليس لنا وعائلاتنا فقط، بل ليعطنا الرب الاله ان نكون شعب كارز بالكلمة، في وقت مناسب وغير مناسب، كما اوصى بولس تيموثاوس، وان تكون حياتنا شهادة حية وقوية لعمل الله وخلاصه، وان نكون شهادة حسنة للذين هم من خارج، لكي يروا نور الانجيل من خلال الكنيسة، ويعرف الجميع عن خلاص الله المعلن من خلال ابنه يسوع.

نقرأ في كتاب العبرانيين الاصحاح الرابع، انه نحن المؤمنين ندخل الراحة، وليس كما فعل الشعب القديم، الذين لم يدخلوا الى راحة الله، لأنهم لم يؤمنوا ولم يطيعوا الله.
وعن اي راحة نتكلم نحن؟ قبل كل شيء الراحة الابدية بان نكون مع الرب في السماء الى ابد الابدين، راحة كل مؤمن ان الله غفر خطاياه بسفك دم يسوع على الصليب، موته وقيامته، راحة لأنه لنا شركة يومية مع الرب، نسمع صوته يتكلم الى قلوبنا من خلال كلمته، من خلال روحه القدوس وفي الصلاة.

بعد كل هذه الوعود المباركة، هل ما زلنا نبحث عن الراحة الحقيقية في هذا العالم الزائل، بشهوته وكذبه؟ بل لنترك كل مصدر "راحة" بشري، ولنلتصق بالرب يسوع المسيح الذي وحده قادر ان يحفظنا لملكوته، ويعطنا راحة حقيقية في اعماق قلوبنا، والتي لا يمكن للعالم ان يعطيها لنا، الراحة التي تأتي من خلال البِر الذي من الله بالأيمان، وهكذا يكون لنا سلام مع الله بالأيمان الذي بيسوع المسيح (رومية 1:5)، ويكون لنا نحن ايضًا راحة حقيقية (وليس فقط لنوح، الذي معنى اسمه بالعبرية هو راحة) وبِر من الله، وان نطيع الله بالأيمان كما اطاع نوح، ونخلص نحن واهل بيتنا كما خلص هو واهل بيته، امين.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا