إن البصر الذي يأتي من العين هو أهم حاسة بين الخمس حواس، فهو يشكل أقوى وسيلة اتصال الذي يربط أجسادنا وحياتنا مع العالم الخارجي، لذلك فمن المهم بمكان إعطاء هذه الحاسة اهتماما أحرى، والسؤال هو كيف نتعامل مع هذه الحاسة كي تبني حياتنا وتدفع بنا قدما نحو حياة أفضل.

العين سراج الجسد
العين سراج الجسد
 

لقد تحدث يسوع كثيرا عن البصر والعين، وأكد لتلاميذه عن أهمية هذه الحاسة عندما قال: "سراج الجسد هو العين، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرا، وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلما، فإن كان النور الذي فيك ظلاما فالظلام كم يكون" (إنجيل متى 6: 22-23).

السؤال الهام بمكان في هذا الصدد هو: ما هي "العين البسيطة" وما هي "العين الشريرة"، فالإجابة عن هذا السؤال سوف تحدد استنارة جسدنا وحياتنا وسلوكنا وطريقنا أم ظلام كل هؤلاء ... إن تعريف كلمة البساطة التي يقصدها الرب هنا هو ليس "السذاجة"، والعين البسيطة هنا هي عكس العين الشريرة، كيف لا والرب يسوع يقارن بينها وبين العين الشريرة، لذا يتحتم الاستنتاج أن الحديث عن معنى وعكسه، ودليل آخر على ذلك أن الرب، في القطعة المقتبسة، يتكلم عن النور والظلام، وهذا عكس ذاك.

من هنا يمكن القول إن العين البسيطة هي العين غير الشريرة، أو العين التي تخلو من الشر والنجاسة والخطية، فكلمة "شر" تحوي كل معاني السلبية، الذي مصدره خطية الإنسان، من حسد وغيرة وشهوة وما إلى ذلك، لذلك يوصينا الرب أن تكون عيوننا غير شريرة كي يكون جسدنا كله مستنيرا، وعندما يكون الجسد مستنيرا سوف نرى الطريق الصحيحة التي نسلك فيها، التي ستؤدي بنا إلى الحياة الأبدية.

لقد تكلم الرب في أحد أمثاله عن العين الشريرة، وذلك في مثل رب البيت الذي استأجر فعلة في كرمه، أولئك الذين عملوا من الصباح اتفق معهم على دينار، كذا أولئك الذين عملوا من ساعة النهار المتأخرة اتفق معهم على دينار، فعندما أتى وقت المحاسبة أعطاهم دينارا دينارا، فغضب وتذمر أولئك الذين عملوا من الصباح كيف ساواهم بمن عملوا لوقت قليل، فأجابهم رب البيت أنه أعطاهم بحسب الاتفاق، ثم يوبخهم قائلا: "أم عينك شريرة لأني أنا صالح" (متى 20: 1-16، الآية 15ب) !!! نعم – لقد عملوا طوال النهار، ولكن الاتفاق كان على دينار وهذا بالضبط ما حصلوا عليه. 

إن مشكلة هؤلاء العمال ليست عدم الحصول على الحق، وليست هي ظلم معين، بل أنهم أعاروا أنظارهم إلى الآخرين فابتدأ التذمر والحسد والغيرة ينخر في عظامهم (سفر الأمثال 14: 30). هذه هي العين الشريرة، تلك التي لا تكتفي بما لها، بل تلتفت وتراقب الآخر "وتحرّق عليه أسنانها" كما يقول صاحب المزمور: "الشرير يتفكّر ضد الصديق ويحرّق عليه أسنانه" (مزمور 37: 12)، تلك العين التي لا تفتأ تراقب الناس وتقارن نفسها بهم، فإن رأت تلك العين أنها أفضل من المراقَب شمخت وافتخرت عليه، وإن رأت أنها في حالة أسوأ ممن حولها تذمرت وحسدت وتحرّقت، ففي كلتا الحالتين لن تكون هذه العين قريرة، لأنها عين شريرة بغض النظر عن حالة صاحبها أو الآخرين. 

من الجدير التنويه بمكان أن "رب البيت" الذي تحدّث عنه المسيح بالمثل المذكور، وقبل أن يُشغّل أولئك الذين وقفوا بطّالين كل النهار، وجّه لهم سؤالا قبل أن يعرض عليهم العمل قائلا: "لماذا وقفتم ههنا كل النهار بطالين، قالوا له لأنه لم يستأجرنا أحد" (متى 20، الآيات 6-7)، وهنا تتجلى عدالة الرب في المثل، فنيّة العمل موجودة عند هؤلاء الفعلة، ولكن المشكلة أنهم لم يجدوا من يشغّلهم، إلى أن وجدهم رب البيت وعرض عليهم العمل فوافقوا، وهذا بالضبط يعكس عدالة الله في الخلاص، فالذين آمنوا بالرب وعملوا كثيرا في حقله لسنين عديدة سيأخذون أجرة تساوي أولئك الذين سمعوا عن الرب وآمنوا في نهاية حياتهم ولم تكن لهم فرصة كافية للعمل في حقل الرب، كاللص على الصليب وغيره. 

نقول ذلك كي نؤكد أن "رب البيت" لم يظلم أولئك الذين عملوا كل النهار بحرّه وتعبه، غير أن الإشكالية تكمن، كما قلنا، في "العين الشريرة" عند أولئك المتذمرين والمراقبين والحاسدين، والرب ينهي المثل قائلا: "هكذا يكون الآخرون أولين والأولون آخرين، لأن كثيرين يُدعون وقليلين يُنتخبون" (الآية 16)، فيا لتعاسة صاحب العين الشريرة، الذي يقضي حياته في النظر إلى الآخرين، غير مكتفٍ أو راضٍ بما عنده أو بما هو عليه ومقارنا نفسه بالآخر، فيقضي حياته "بالتذمر على رب البيت" بينما الحسد ينخر في عظامه شيئا فشيئا، والأسوأ من كل ذلك أنه لن يكون من "المُنتًخبين" بالرغم من دعوته بل وعمله في الحقل، وهكذا ختم الرب هذا المثل.

ليتنا نكون من أصحاب العين البسيطة أو الصالحة التي تحطّ أنظارها على رب البيت وعلى المخدومة في حقله، تلك العين التي تحب الآخر بل وتقدّمه على نفسها، فسيؤول ذلك إلى استنارة الطريق أمام هؤلاء للتركيز في حقل السيد، كي يأتي الكل لمجد رب البيت وامتداد ملكوته في كل الأرض.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا