طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ. (مت 6 : 6)

الوداعة في هذه الأيام عملة نادرة لا تراها كثيرًا، بل أقول قد لا تراها إلا نادرًا، فالوديع هو شخص ليس متكبر ويعمل مع التواضع " تَوَاضُعُ الرُّوحِ مَعَ الْوُدَعَاءِ خَيْرٌ مِنْ قَسْمِ الْغَنِيمَةِ مَعَ الْمُتَكَبِّرِينَ (أم 16: 19) فالمتكبر لا يتفق مع الوديع ولا يسيران معًا أو يتلاقيا، الوديع قادر على تقبل جميع الفئات والشخصيات، فهي شخصية غير نافرة لمن حولها، بل أقول إنها شخصية جذابة لمن حولها، فالذين يبتعدون عنها هم فئة المتكبرون، الذين يريدون أن يرتفعوا على حساب الغير، والذين لهم الذات في مستوى الطغيان على الأنفس ولا يستريحوا إلا في أماكن من المدح والتعظيم والتحكم في الآخرين، أما الوديع فهو شخص متواضع جدًا ومحب لخدمة الغير، ويرفع الكل وقادر على التضحية من أجل إسعاد الآخرين.

طوبى للودعاء

كلمة وديع في اللغة اليونانية " πραΰ́ς وتنطق 'prah-ooce ـ براه أوس " وأتت في العهد القديم بمعنى " حليمًا The meek " كما جاء عن موسى " وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ. " (العدد 12: 3) فإذا نظرنا لموسى نجده كان يتمتع بالصبر وطول الأناة والمحبة لشعب الرب، فهذا هو الحليم أو الوديع.

بركات الوديع:

1 - الاستجابة السريعة:
للوديع مستوى من البركات أهما: وقت الشدة والألم يستمع له الرب سريعًا " تَأَوُّهَ الْوُدَعَاءِ قَدْ سَمِعْتَ يَا رَبُّ. تُثَبِّتُ قُلُوبَهُمْ. تُمِيلُ أُذُنَكَ " (مز 10: 17). فالاستجابة السريعة لتنهداته وصلواته تجعله شخصًا له من الثقل الروحي كيان مقترن بمعرفة ذاته وإمكانياته وحدود معاملاته من الله والناس، فالثقة التي له مدعمة من إلهه، نتيجة هذه العلاقة الحميمة التي بنيت بينه وبين إلهه على أساس الوداعة.

2 - الشبع الدائم:
للوديع حياة الشبع الدائم " يَأْكُلُ الْوُدَعَاءُ وَيَشْبَعُونَ. يُسَبِّحُ الرَّبَّ طَالِبُوهُ. تَحْيَا قُلُوبُكُمْ إِلَى الأَبَدِ. (مز 22: 26). دائما تجده في مستوى الشبع، حتى وإن كان الواقع يقول عكس الإيمان " فَمَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ، وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ، وَالْحُقُولُ لاَ تَصْنَعُ طَعَامًا. يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ، وَلاَ بَقَرَ فِي الْمَذَاوِدِ، فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلهِ خَلاَصِي. اَلرَّبُّ السَّيِّدُ قُوَّتِي، وَيَجْعَلُ قَدَمَيَّ كَالأَيَائِلِ، وَيُمَشِّينِي عَلَى مُرْتَفَعَاتِي. لِرَئِيسِ الْمُغَنِّينَ عَلَى آلاَتِي ذَوَاتِ الأَوْتَارِ. " (حبقوق 3: 17 ـ 19). هذا المستوى لا يأتي من فراغ، فإنه يأتي من شخص ممتلئ بالرب جدا، وله علاقة حميمة مع الرب، ويمتلك من ثمر الروح الكثير والكثير " وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ "Meek" تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ. وَلكِنَّ الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ. " (غلا 5: 22، 23). فالوديع محب ولطيف وصبور ودائما فرح، فلا وداعة بدون محبة، فهل أنت مؤمن وديع؟ الوديع له حياة السلامة والاطمئنان الداخلي " أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الأَرْضَ، وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ السَّلاَمَةِ. " (مز 37: 11). موضوع الوديع يرث الأرض تعني أنه محبوب من الجميع وله ما لغيره، فالكل يسمع له ويتمنى خدمته لأنه خادم للكل.

3 - الأجواء الروحية مفتوحة للوديع:
الأجواء الروحية تحمل مستوى الفهم والإدراك الروحي، فالحق إدراك روحي ومن الدوائر التي تخدم الودعاء " يُدَرِّبُ الْوُدَعَاءَ فِي الْحَقِّ، وَيُعَلِّمُ الْوُدَعَاءَ طُرُقَهُ " (مز 25: 9). الوديع له فرصة معرفة أمور الله وإعلاناته، هذا لأن قلبه مستقيم ولا يحمل داخله ضغينة تجاه الآخرين، هو القادر أن يحمل نير الرب ويكون مستريح القلب " اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. " (مت 11: 29). فالمسيح كان وديعًا لذلك حمل نير ومسئولية ما للأب السماوي، ودعي الجميع ليتعلموا منه.

4 - الوديع له كل درجات الحماية:
الحماية الإلهية من أهم المواضيع التي تشغل تفكير الجميع، فالكل يريد أن يكون محمي روحيًا ونفسيًا وجسديًا، وللحماية قوانينها يعوزنا الوقت لنكتب عنها. ليعلم القارئ العزيز أنه توجد حماية عامة للجميع وحماية خاصة لشعب الله، فالله وضع العالم في قوانين طبيعية للحماية، فالكون له حماية عندما قام الله بتكوينه فوضع كل شيء في مداره ومكانه بقانون ونظام فالكل يتحرك داخل هذا النظام ويتمتع بحمايته، كذلك الإنسان خُلق داخل هذه المنظومة وأعطاه الرب الحرية في الطبيعة، فإن احترم قوانينها احترمته وإن كسر قوانينها أهانته بل قد ينال من أذيتها، فقانون الجاذبية يجب أن يحترم ويقدر في حياتنا، فإن لم نحترمه وكسرناه قد نخسر الكثير، وهكذا في جميع أنواع القوانين، للغطس في البحار والمحيطات قوانين يجب أن تؤخذ في الاعتبار ليعيش الإنسان في سلام وأمان.

أيضًا في الأمور الروحية قوانين فالمؤمن الذي يعيش في كمال المسيح وبقداسة ووداعة تعمل الملائكة لحمايته ويعمل الله لرفعته ويجازي الأشرار الذين يريدون أذيته " الرَّبُّ يَرْفَعُ الْوُدَعَاءَ، وَيَضَعُ الأَشْرَارَ إِلَى الأَرْضِ " (مز 147: 6). المؤمن والمؤمنة الذين لهما " زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ " (1 بط 3: 4) له من البركات الروحية والحماية الإلهية التي تجعله في خدمة الرب مرفوع.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا