تقود سيارتك وفكرك شارد فلا تنتبه لملامح الطريق وإذ بك وصلت لساحة بيتك. تصدق فيك العبارة التي تنتشر على جوانب السيارات في الضفة الغربية "سارحة والرب راعيها". تقوم من نومك صباحا فتقضي الحاجة وتغسل الوجه ، تحلق (لأصحاب الذقون النامية) وتلبس وخلال ذلك تسخّن الماء لصنع القهوة فيما بعد...تقوم بكل ذلك في عمليات متتالية ميكانيكية لا تفكر بها ولا بتسلسلها.

هذه العمليات الميكانيكية عند الإنسان تسمى "الطيّار الآلي" إذ أنها تشبه عمل الجهاز الذي يحمل هذا الاسم في الطائرة فيرشدها ويوجهها بدون الحاجة لمساعدة بشرية.

هذه العمليات لا تتطلب جهداً وتعباً ونقوم بها دون تفكير على أساس نهج اعتدنا عليه. هذه العمليات تسّهل علينا ولهذا ولطبيعتنا الكسولة نقوم بها دون ادني تفكير.
وقد انتشرت ظاهرة استخدام "الطيّار الآلي" أيضا في الحياة الروحية والكنسية على هيئة قوالب من أنماط التفكير المترجمة إلى عبارات نستخدمها ولا نفكر فيها فيما بعد. وحتى لو تغيّرت الظروف والتغيير أصبح محتوماً لكننا نتمسك بالقوالب القديمة.

فحتى ابسط الأمور في الحياة الكنسية تخضع لهذا النمط. مثلاً – يقول البعض أن الخدمة الكنسية يجب أن تبدأ بقراءة مزمور ولا يمكن أن نحيد عن ذلك. تغيير في ذلك يزعزع الكيان وكأن ذلك من ثوابت الإيمان والعقيدة. ما الخطأ إذا افتتحت خدمة كنسية بقراءة من رسالة فيليبي مثلاً؟ أو مثل آخر من الحياة الكنسية -البعض قد يعتبر أن التسبيح لا يمكن ان ينجح بدون بيانو أو اورغ. هل هناك أساس كتابي لذلك الاعتراض أم انه مجرد كسل فكري أو تصلب في المواقف؟
يتعدى الأمر مجرد عادات خلال خدمة الكنيسة الى أمور أكثر شمولية فمثلاً الاعتبار ان كنيستي لا يمكن أن تتعلم من كنيسة اخرى (لا انجيلية ولا غيرها) -اذ "لديها" كل المواهب "وفهمت" وطبّقت كل استراتيجيات الخدمة بنجاعة ونجاح منقطعي النظير! انه كسل فكري على شكل تبجح وكبرياء.

البعض يتمسك بنفس وسائل الإيضاح ونوعية ومهارات الوعظ كما كانت في الماضي دون اعتبار لتغيّر الجمهور في الكنائس. كيف سيتقبل جمهور يحمل في جيبه عالم كامل متمثل بعقل ذكي لسمارت فون متطور نفس نمط الوعظ الجاف الخالي من وسائل إيضاح؟ هل كسل "الطيّار الآلي" هو ما يمنع التطور ،التغيير والإبداع؟

أحيانا أخرى يتسلل هذا النمط المتحجر الى لاهوتنا وعقائدنا. طبعاً هناك أسس وثوابت العقيدة التي لا نقاش فيها مثل لاهوت المسيح والصلب والقيامة والخلاص وعصمة الكتاب المقدس. لكن هناك عقائد تم تلقيننا إياها قبل سنين ونستصعب أن ننفتح لدراستها من جديد نظراً لنفس التصلب الفكري: مثلاً تعليم آخر الأيام ودور دولة اسرائيل أو عدمه فيه، فعالية المواهب الروحية، دور الروح القدس، المواضيع التي تضعها الكنيسة على جدول أعمالها أو تتفاداها مثل ماهية دورها في المجتمع أو دورها أو عدمه أمام أسئلة العدل، صنع السلام، الفقر وغيرها.

خلقنا اله مبدع وشكّل تحفة متمثلة في كون جبار هائل ومتكامل يجلس في مركزة تاج خليقته: الإنسان. خلقه الرب على صورته على شبهه وطبع الإبداع كبصمة في جيناته. شجرة الإبداع في داخلنا تجف وتذبل دون ارتوائها لنشاط فكري وتحدي لمسلّمات.

هل نستبدل "الطيّار الآلي" في حياتنا الروحية والكنسية بآخر آدمي وفنان ومبدع سيحلّق عالياً في فضاء الحياة ويمجد الله من خلال بحث وتطور وتغيير ولا يتصلب في عصر بائد؟

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا