قبل الخوض في كلمة الله بخصوص موضوع البدع، لنلق الضوء في البداية على معنى وتعريف ال-"بدعة" وال-"هرطقة". "بدعه" آتية من مصدر كلمة "إبتداع" أو "إبداع"، وهي أحداث شيء، مادي أو معنوي، لم يكن موجودا من قبل. "هرطقه" هي كلمة من أصل يوناني "آيرسيس" بمعنى "يختار"، أي اختيار مغاير في العقيدة، وباللغة الأنجليزية "heretic" أي تغيير في عقيدة أو منظومة معتقدات مستقرة بإدخال معتقدات جديدة عليها أو إنكار أجزاء أساسية منها. إذا فالكلمتان تحملان تقريبا نفس المعنى، ونعرّف الكلمتين بكلمة واحدة وهي "الضلالة". الكتاب المقدس استخدم كلمة "بدع" في عدة أماكن محذرا منها ومن نتائجها ومن إتباعها واتباع أصحابها. أن الخطورة كلّ الخطورة في البدعة هي كونها تعليما قريبا جدا من كلمة الله ولكن بالداخل مملوء لعنة وفسقا ونهاية أولئك الهلاك، كيف لا والشيطان نفسه "يغير شكله إلى شبه ملاك نور" (2 كو 11 : 14). إن البدعة هي من أحد أعمال الجسد وكون "الجسد يشتهي ضد الروح" فالبدعة هي ضد الروح القدس أيضا (غل 5 : 17، 20) ويسمي بولس أصحاب البدع "أناس مرتدين عن الحق ... قد تنجس ذهنهم أيضا وضميرهم، يعترفون بأنهم يعرفون الله ولكنهم بالأعمال ينكرونه إذ هم رجسون غير طائعين ومن جهة كل عمل صالح مرفوضون" (تي 1 : 14 – 16).

إن إحدى الأسباب الرئيسية لوجود البدع وانسياق أناس إليها هي عدم أو ضعف المعرفة في كلمة الله وقوته، أي الروح القدس، فها نرى المسيح يخاطب الصدوقيين قائلا "تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله" (مت 22 : 29، مر 12 : 24). من المهم والضروري بل واللازم أن نقرن معرفتنا بكلمة الله مع الامتلاء يوميا من قوته عن طريق بناء علاقة قوية مع الله واستخدام وسائط النعمة بهدف الثبات في المسيح كما أوصانا (يو 15)، وإلا فالضلالة ستصبح احدى المخاطر التي تنتظرنا. تأكيدا على ذلك نقرأ في 2 بط 2 : 14 ان هؤلاء المهرطقين "يخدعون النفوس غير الثابتة" وفي اصحاح 3 : 16 من نفس الرسالة يقول بطرس بوحي الروح في سياق حديثه عن كتابات بولس الرسول ان فيها أمور عسرة الفهم "يحرفها غير العلماء وغير الثابتين" (أي غير العالمين وغير الثابتين في كلمة الله).

سبب آخر أو ربما احدى نتائج عدم أو ضعف المعرفة في كلمة الله وقوته هو تفسير آيات الكتاب بحسب فكرة مسبقة موجودة في أذهاننا نحن أو إجتذاب آيات الكتاب نحو أفكار موجودة لدينا من مصادر غير كتابية، عندها سنقع في فخ التحريف بهدف إثبات الفكرة أو النظرية التي قد تبنيناها. بكلمات أخرى، علينا أن نقرأ الآية أو آيات الكتاب المقدس بدون وجود أفكار مسبقة وليس بهدف إثبات نظرياتنا، معتقداتنا أو منطقنا البشري، والآيات هي هي التي ستقودنا الى الفكرة بإرشاد الروح القدس الساكن في أولاد الله، الكل بما يتناسب مع كلمة الله وبما لا يطعن في جوهر الإيمان المسيحي بتفاعل وانسجام تام مع آيات الكتاب والا يتناقض واياها.

الأمثلة على ذلك كثيرة، منها بدعة وقعت فيها كنيسة كورنثوس "ان ليس قيامة أموات" (1 كو 15 : 12). هذه البدعة نبعت من الفكرة أن قيامة الأموات غير معقولة، ونرى ذلك في نفس الاصحاح المذكور، عدد 35: "لكن يقول قائل كيف يقام الأموات وبأي جسم يأتون"، وبولس طبعا يدحض الفكرة والبدعة بالآية الذهبية "ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين" (من فضلك إقرأ كل الإصحاح المخصص لمعالجة ودحض هذه البدعة، بالأخص ابتداء من عدد 12 لنهاية الاصحاح).

الرسول يوحنا يحذر من تصديق كل روح وواجب امتحان الأرواح "هل هي من الله، لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم" (1 يو : 4 : 1)، ثم يعطي دليلا للروح الذي من الله، ذلك "الذي يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله" (عدد 2)، وكل روح لا يعترف بذلك فليس من الله بل هو روح "ضد المسيح وهو الآن في العالم" (عدد 3). إذا، إمتحان أساسي لفحص التعليم هل هو من الله السؤال: هل هذا التعليم يأتي بالمجد للمسيح ويعترف به أنه الله الآتي في الجسد أم لا. أيضا بطرس الرسول يتحدث بتوسع عن البدع والأنبياء والمعلمين الكذبة "الذين يدسون بدع هلاك واذ هم ينكرون الرب الذي اشتراهم يجلبون على أنفسهم هلاكا سريعا" (2 بط 2 : 1) ويخصص أغلبية رسالته الثانية فيها يتحدث عن صفات المهرطقين البشعة ونهايتهم الأبشع (من فضلك أقرأ الأصحاحين الثاني والثالث من رسالة بطرس الثانية).

ما أصعب عقاب هؤلاء الذين بعدما عرفوا الحق رجعوا وداسوا نعمة المسيح الفائقة بل والله ذاته (أنظر أيضا من فضلك عب 10 : 29، 2 بط 2 : 21 – 22، رو 1 : 18 – 32). من الواضح أن أشخاص كهؤلاء قد نزعوا كل غطاء روحي من على رؤوسهم فأصبحوا كريشة محمولين بكل ريح تعليم، لهم صورة التقوى ولكن منكرون قوتها، يريدون أن يثبتوا أفكارهم وعقائدهم بما يتمشى وشهواتهم وغرورهم بهدف خدمة أنفسهم ومآربهم الشخصية، بانفراد عن كلمة الله وروح المسيح والكنيسة العامة. هم أشخاص متمردون وقد ضربوا كل أنواع الخضوع عرض الحائط.

الرسول بولس يحذر قسوس كنيسة أفسس من هؤلاء "الذئاب الخاطفة التي لا تشفق على الرعية" (أع 20 : 28 – 35) وينوّه كذلك لكنيسة كورنثوس أنه "لا بد أن يكون بينكم بدع أيضا" (1 كو 11 : 19) ويحثنا أن نسهر مستودعين أنفسنا لله ذاته ولكلمة نعمته القادرة أن تبنينا وتعطينا ميراثا مع جميع المقدسين (أع 20 : 32).
سليمان الحكيم يوصي أبنه قائلا: "كف يا ابني عن استماع التعليم للضلالة عن كلام المعرفة" (أم 19 : 27)، وكذلك بولس لتيطس قائلا "أما أنت فتكلم بما يليق بالتعليم الصحيح" (تي 2 : 1) ويوصي بولس أن نوبخ هؤلاء بصرامة "لكي يكونوا أصحاء في الإيمان" (تي 1 : 13). لنحذر اذا من البدع وتعاليم الضلالة الكاذبة، لننتبه من المعلمين الكذبة بل ولنجتنبهم "بعد الانذار مرة ومرتين" (تي 3 : 10 – 11). ليحفظنا الهنا من البدع والضلالة، المبتدعين والمضلّين، لنمتلئ من معرفة المسيح وقوته فنثبت فيه وبكلامه، وكل ما نعمل ونقول ونفكر أن يؤول لمجد المسيح وامتداد ملكوته - آمين.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا