لو خّيرنا في قوميتنا فربما طلبنا أن نكون سويديين أو كنديين أو بريطانيين. فمن يفرح ليكون من شعب يشتهر بالتخلف العلمي والحضاري؟ من يفتخر انه من شعب ذاع صيته بالحرب والبطش أو بالغنى الفاحش نتيجة مخزون الذهب الأسود في بطن الصحراء دون ان ينعكس ذلك في رقي او تقدم وازدهار حقيقيين؟

كما ويتميّز العالم العربي بانعدام أجواء النعمة في العلاقات كنهج حياتي. مثلاً تبتر يد السارق في السعودية ويبطش أبناء ألقذافي بالناس كما يحلو لهم ويرسل الرئيس "المتنوّر" طبيب العيون بشار الأسد "الشبّيحة" والقنّاصة لقتل المعارضين.

الأسباب التاريخية لكل ذلك كثيرة ومنها سيادة الاحتلال التركي القاسي على العرب والذي دام أربع مائة عام ، انعدام الإصلاح الديني ، انعدام التسامح والتعددية وغيرها.

لكن شاء القدير أن نولد في عائلات عربية – وفي حالتي شخصياً في عائلة عربية فلسطينية. يختار البعض الهرب من مستنقع العروبة فيتنكرون لقوميتهم وشعبهم. بعضهم يغيّر اسمه او يهاجر من بلاده ليتقمص قومية جديدة أو يعيش في غربة ذهنية وقلبية متنكراً لأصله وشعبه وتاريخه وحضارته.

لكن الرب اختار لنا أن نولد كأبناء وبنات للشعب العربي وله في ذلك قصد.ان كنا نؤمن كقول الآية الذهبية "هكذا أحب الله العالم..."- فعندها نتأكد أن الرب لم يستثنِ العرب من محبته وعنايته. حيث انه يستخدم أولاده الأمناء في عمل عمله في كل بقاع الأرض فمن هنا-للمؤمنين المسيحيين العرب دوراً في ذلك. لذا يتوجب على من يود أن يخدم شعبه أن يحب ذلك الشعب. لا يمكن لمن يود ان يقوم بدوره الذي أوكله إياه الرب أن يكون غريباً عن الحضارة العربية التي وضعه الرب فيها فيخدم فيها بنجاح. كما تجسد الرب في أرضنا ليخدمنا يتوجب علينا ان "نتجسد" في حضارتنا لنخدم بأكثر فعالية. ومع أن الأذواق الأدبية والفنية تقبل بعض مظاهر الحضارة وتكره أخرى لكن لا بد أن من يود الخدمة بين العرب أن يحب نجيب محفوظ ودريد لحام ومحمود درويش والموشحات وأم كلثوم.

ان الظلمة الدامسة في العالم العربي كما أشرت في افتتاحية مقالتي- تأتي بفرصة سانحة لعمل انجيلي مفعم بالنعمة . فحيث يزيد سواد الظلمة يسطع النور بأكثر شدة.

اكبر تجسيد لعمل النور في الظلمة في العالم العربي هو عمل النعمة. ففي عالم تسود فيه الناموسية، تطرح المسيحية النعمة بديلاً. إن نعمة الرب التي تجلّت على الصليب جعلت النعمة خياراً يتدفق عند طالبي الرب على هذه الأرض وفي العلاقات الإنسانية.

الناموسية والسلطوية تتحكم في العلاقات الإنسانية عند العرب وأكبر مثال على ذلك هو معاملة المرأة على أنها اقل شاناً فهي تتراوح ما بين خادمة وهدف جنسي. بإمكان أتباع الرب أظهار وجه آخر للتعامل مع النساء كشريكات ورفيقات محترمات ومساويات.

السلطوية لا تعرف الغفران والإحسان بل الانتقام والثأر. بإمكان أتباع الرب بين العرب اتخاذ الغفران طريقاً والإحسان مع الآخرين نهجاً. سيكون لذلك أبعد الأثر على البيئة التي نعيش بينها.

لقد عملت نعمة الرب في الكثيرين من أتباع الرب حتى في الشرق الأوسط فأسسوا مستشفيات ومدارس وجامعات وخاطروا بحياتهم لأجل توصيل البشارة. لكن من الضروري ان لا يرافق ذلك مساومة في هويتنا المسيحية لأن الغير لا يقدّر من لا يقدّر هويته.

ان التحدي يتمثل في تدفق عمل النعمة في حياة المسيحيين العرب كشهادة للعرب ككل وهي قادرة ان ترسل شعاع من نور في ظلمة الشرق.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا