وأحببت يعقوب وأبغضت عيسو

يجب أن نقوم ونعمل، وغالبا ما تنشأ الأحاسيس كنتيجة العمل. المحبّة ليست إحساس، بل هو اختيار يتمّ التعبير عنه بالأفعال. المحبة ليست أحاسيس غامضة ولطيفة تنبثق في...
04 مايو - 09:14 بتوقيت القدس
وأحببت يعقوب وأبغضت عيسو

"...وَأَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ..." (ملاخي 1: 2- 3)

عندما يفكّر النّاس في المحبّة، فإنّهم يفكّرون عن إحساس خاص، غامض يجعلنا نريد أن نكون مع المستهدَف من محبّتنا. لقد كُتبَت العديد من الأغاني عن هذه الأحاسيس الغامضة. ويبحث الكثير من النّاس عن هذا الإحساس الغامض طوال حياتهم. يصبح الوقوع في الحبّ والمحبة أهدافًا لحياتهم، ويقفزون من محبوب إلى عاشق في بحث دائم عن الإثارة الّتي تتبدّد وتختفي سريعًا. لكن عندما نقرأ التّعريف الّذي أعطاه الله للمحبّة، والّذي تمّ وصفه في الرّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 13، فإنّنا لا نجد فيه أيّ إشارة إلى الأحاسيس أو المشاعر بل بالأحرى إلى المواقف والقرارات والأعمال.

وفقًا للكتاب المقدّس، فالمحبّة ليست أحاسيس بل هي قرار والتزام وأعمال. المحبّة هي اختيار كي نبذل قصارى جهدنا مع المستهدَف من محبّتنا، حتّى عندما يتمّ ذلك على حسابنا.

لا يجلس الله في السّماء ويستمتع بإحساس من المحبّة اللّطيفة والغامضة، ولكنّه ببساطة يعمل ما هو من الأفضل لنا، حتّى لو لم نفهمه. الأب الصّالح لا يعمل دائمًا ما هو مسرّ ولطيف لأولاده، ولكن ما هو الأفضل لهم. لذلك في بعض الأحيان فإنّه يعاقبهم. لا بدافع الغضب، بل بدافع المحبّة. يهدف العقاب إلى تصحيح وتوجيه وتحسين وتعليم وبناء أولاده الأحبّاء.

كلّ أعمال الله صالحة من أجلنا، لأنّها نابعة من محبّته - من معرفة ما هو الأفضل لأجلنا ومن دافع الاستعداد للعمل من أجلنا. عندما يأمر الله: "بَلْ تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ" (لاويين 19: 18). هذا لا يعني أنّنا يجب أن نشعر بنوع من الشّعور بالحميميّة والإحسان تجاه شخص ما، ولكن يجب أن نعمل من أجل أصدقائنا ما هو الأفضل لأجلهم، حتّى لو شمل ذلك تضحيّة من جانبنا.

يجب ألّا ننتظر حتّى تتشكّل فيّ أحاسيسًا من المحبّة، قبل أن نفعل شيئًا لأجل الآخرين. على العكس من ذلك: يجب أن نقوم ونعمل، وغالبًا ما تنشأ الأحاسيس كنتيجة العمل. المحبّة ليست إحساس، بل هو اختيار يتمّ التّعبير عنه بالأفعال. المحبّة ليست أحاسيس غامضة ولطيفة تنبثق في قلوبنا وتبقى فينا إلى الأبد في داخلنا، بل هي قرار بمعاملة الآخرين بالنّعمة والرّحمة والقيام من أجلهم بما يحتاجون إليه. لأنّه لا توجد محبّة لا يعبّر عنها بالأفعال.

قال المسيح: "بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ" (يوحنا 13: 35)، يتكلّم يسوع عن أعمال المحبّة، وليس عن مشاعر المحبّة.

هل تجد صعوبة في الإحساس بالمحبّة والمودّة تجاه بعض الأشخاص؟ هذا لا يهمّ. قرّر أن تعمل، واعمل من أجلهم ما هو الأفضل لهم، بغضّ النّظر عن مشاعرك.

لقد احتقر عيسو المكانة الّتي أعطاها له الله - ليكون الابن البكر في العائلة. فقد باع الباكوريّة من أجل متعة مؤقّتة بتناول حساء العدس السّاخن. وكانت النّتيجة أنّ الله لم يحرمه من الباكورة فحسب، بل حرمه من البركة أيضًا. بل إنّ الاصطلاح الّذي اختاره الله أكثر وأصعب من ذلك: مكتوب أنّ الله كرهه. الكراهية هي عداء وإهانة، وهي شعور بالرّفض والعداء تجاه شخص أو شيء ما().

هل الله يكره؟ هل هو مليء بمشاعر الكراهية؟ نحن نعلم أنّ الله يكره الخطيئة، وهنا قيل لنا أيضًا أنّه يكره الإنسان أو الشّعب: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (لوقا 14: 26)، وهي موازية للآية من لوقا، مكتوب: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (متى 10: 37).

كما رأينا في الفصل السّابق فإنّ المحبّة ليست إحساس، بل هو قرار يتمّ التّعبير عنه بالأفعال، وبالتّالي أيضًا فيما يتعلّق بكراهية الله لعيسو، أو كراهيّتنا لأيّ شخص أكثر أهمّيّة لنا من الله، فالأمر لا يتعلّق بالأحاسيس بل بالقرار والأفعال.

ما يقوله يسوع هو أنّنا يجب أن نرفض كلّ شخص أو شيء نحبّه أكثر ممّا نحب الله. أن تحبّ شخصًا ما أو شيئًا ما أكثر من أن تحبّ الله، ممّا يعني أن تهتم بهذا الشّخص على أنّه أسمى من الله. وهذا، بالطّبع، عبادة وثن ممنوعة تمامًا.

يجب أن نحبّ الله من كلّ قلوبنا ومن كلّ أرواحنا وبكل قوّتنا (انظر تثنية 6: 5). كلّ شيء أو أيّ من نحبّه أكثر منه يبعدنا عن الله. لذلك يجب أن نكره ونحارب كلّ عاطفة أو فكرة تجعلنا نحبّ النّاس أو الأشياء أكثر من الله. لا يجب أن نقاتل في النّاس أنفسهم، ولكن في موقفنا تجاههم.

يجب أن نفهم أن الله، وليس نحن، هو مركز الكون، وبالتّالي يجب علينا أن نضعه هو - وليس أنفسنا - في مركز حياتنا. يجب علينا أن نرفض ونبعد، عمليًّا وليس عاطفيًّا، كلّ ما يشغل مكان الله في مركز حياتنا. يجب أن نضحده في داخل قلوبنا وأفكارنا، أيّ شيء أكثر أهمّيّة بالنّسبة لنا من الله. يمكن أن يكون شخصًا أو شيئ ما، وفي كثير من الحالات نكون نحن بذاتنا.

هل هناك شيء أو شخص يهمّك أكثر من الله؟ إكرهه! القصد، اختر أن ترفضه وتزيله من مكانه على رأس اهتماماتك. أعط هذا المكان لمن هو صاحب الحقّ فيه، لله. احرص على عدم الاستهانة بدعوة الله واختياره. افعل هذا في الصّلاة.

هل يعامل الله النّاس بشكل مختلف؟ هل يميّز بين النّاس خيرًا كان أم شرًّا؟ فيعقوب، رغم عيوبه أصغى إلى الله وأطاع تعليماته وذهب حيث أمره الله أن يذهب. لقد تقبّل في قلبه إيمان أبيه إسحاق، رغم أنّه بالتّأكيد لم يكن رجلًا كاملًا. بينما عيسو، فقد فعل ما خَطَرَ على باله. رغم أنه نشأ أيضًا في بيت يعبدون فيه الرّبّ، إلّا أنّه لم يهتمّ بمكانته باعتباره الابن البكر. لقد تخلّى بسهولة عن مكانته في العائلة الّتي اختارها الله له، وفضّل تحقيق رغباته الجسديّة، كما هو موصوف في الكتاب المقدّس، يبدو أنّه لم تكن هناك شركة بينه وبين الله. لقد أثبت عيسو في أفعاله كراهيّته لله، وبالتّالي فإنّ الله رفَضَه.

عندما قَبِلْتُ الإيمان بيسوع، أخبرني الأشخاص الّذين علّموني أنّ الله ليس لديه أشخاص مفضّلون، وأنّه يعامل الجميع بنفس الطّريقة. هذه الآية وغيرها من الآيات تبيّن أنّهم كانوا على خطأ.

مكتوب في سفر المزامير: "فَاعْلَمُوا أَنَّ الرَّبَّ قَدْ مَيَّزَ تَقِيَّهُ" (مزامير 4: 3). فإنّ الله يميّز أولئك الّذين ينتمون إليه. يعاملنا بطريقة مختلفة عن معاملته لغير المؤمنين به، وخاصّة أولئك الّذين يعرفونه ويرفضونه مثل عيسو.

إنّ الله يعامل أولئك الّذين ينتمون إليه بشكل مختلف عن الطّريقة الّتي يعامل بها أولئك الّذين لا ينتمون إليه. فهو يسمع صلواتنا ويستجيب لها في كلّ حين. إنّه يحمينا ويحفظنا ويوجّهنا ويقودنا ويؤمّن احتياجاتنا. والأهمّ من ذلك أنّه خلّص نفوسنا. وهو يقدّسنا ويطّهرنا ويغيّرنا حتّى نتشبّه به. وهو يقول للمؤمنين ولهم فقط: "لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ" (عبرانيين 13: 5).

لاحظ القول التّالي: "وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ" (روميه 8: 28). هذا الوعد يمنحه الله لنا نحن المؤمنين، وليس لمن لا يؤمن به. هل هذا تمييز؟ قطعًا نعم!

الله يميّز لصالح أولئك الّذين ينتمون إليه. الله يميّزك في الخير. أشكرهُ على المعاملة الخاصّة الّتي يقدّمها لك!

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا