سؤال، بدأ يشغل المهتمين بمستقبل "الديانة المسيحية" في هذه المنطقة التي فيها ظهرت ومنها انتشرت رسالتها التي تدعو الى "السلام العالمي"،مثلما يشغل الأوساط، الثقافية والسياسية والشعبية، المسيحية المشرقية.قد يرى البعض في هذا التساؤل تأجيجاً لمشاعر وحساسيات دينية، شعوب المنطقة بغنى عنها؟. وربما البعض الآخر يرى فيه مبالغة كبيرة لقضية مسيحيي المشرق واثارة غير مبررة لمشكلة غير موجودة بالأصل؟. لأن مجرد طرح الموضوع من هذه الزاوية يعني ثمة شكوك بالمسلمين وبرغبتهم في بقاء واستمرار المسيحيين بينهم!. لكن من وجهة نظر مسيحية، أرى أنه سؤال مشروع ومبرر ومنطقي، يفرض نفسه لأكثر من سبب وسبب في أي حديث أو نقاش يتناول قضية مسيحيي المشرق، التي ترتبط بشكل وثيق بقاعدة"اللامساواة الدينية"التي جاء بها الاسلام، أكثر من كونها قضية سياسية تتعلق بطبيعة الحكم والنظم السياسية القائمة.

 فرغم الأوضاع الصعبة والتحديات الخطيرة التي تحيط بمسيحيي المشرق،تفضل غالبيتهم الساحقة البقاء والعيش في كنف أوطانهم التاريخية ومهد ديانتهم مع أبناء عمومتهم المسلمين في اطار الشراكة الوطنية الحقيقية وعلى قاعدة المساواة التامة بالحقوق والوجبات.لكن هذه الرغبة المسيحية مازالت تصطدم بـ"جدار الرفض الاسلامي" لمساواة المسيحي وغير المسلم بالمسلم.هذا الجدار يرتكز بشكل أساسي الى"الشرع الاسلامي"الذي يشكل البيئة الاجتماعية والثقافية والاطار القانوني للانتقاص من حقوق المسيحيين وغير المسلمين عموماً.في هذا المناخ الطائفي المنحاز للانسان المسلم تكرس مفهوم الأقلية والأغلبية وتعمقت التمايزات داخل المجتمع الواحد، وانحسر الوجود المسيحي وتقلص في بعض الدول المشرقية الى مستويات باتت تبعث على القلق والخوف، بعد أن كانت تشكل مركز الثقل المسيحي في المشرق(فلسطين،تركيا،العراق).

أكثر التقديرات تفاؤلاً تقدر تعداد المسيحيين في منطقة الشرق الأوسط اليوم بنحو 15% من النسبة الاجمالية للسكان،أي نحو 15 مليون مسيحي، غالبيتهم في مصر والبقية في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين الأردن.ومع تراجع القوى الديمقراطية وانحسار التيارات العلمانية والليبرالية في المجتمعات المشرقية، وصعود "الاسلام السياسي" الساعي لاقامة "الدولة الاسلامية" والحكم وفق الشرع الاسلامي، تبقى أوضاع المسيحيين المشرقيين مرشحة لمزيد من التعقيد والتأزم.وستشهد المنطقة المزيد من الهجرات المسيحية والهروب باتجاه الغرب،حيث الأمان والاستقرار والحريات وفرص العمل، لطالما هم غير قادرين على تصحيح أوضاعهم والزام المسلمين على القبول وتطبيق مبدأ"الدين لله والوطن للجميع"،وعلى التحول الى الدولة المدنية الحديثة.

بموازاة استمرار حكومات وسلطات الدول العربية والاسلامية في سياسة التهميش والاضطهاد السياسي والثقافي والديني لمواطنيها المسيحيين،تتصاعد عمليات العنف والاعتداءات المنظمة ضد المسيحيين في الكثير من هذه الدول من قبل الجماعات والتنظيمات الاسلامية المتشددة.في العراق الديمقراطي، ما يتعرض له المسيحيون يرقى بنظر منظمات وهيئات دولية الى مستوى"التطهير الديني والعرقي".في مصر، المحكومة من قبل نظام قوي ممسك بالدولة والمجتمع بقبضة من حديد،تجده متساهلاً وبدرجة كبيرة مع الجماعات الاسلامية المتطرفة التي تستهدف الأقباط المسيحيين الآمنين وتعتدي على حياتهم وممتلكاتهم ومقدساتهم.

كل هذا يحصل في ظل صمت عربي واسلامي،رسمي وشعبي ونخبوي، وكأن الجميع تخلوا عن المسيحيين ومتفقون على ما يحصل لهم من تعديات ومظالم.في حين تستنفر كل الأقلام ووسائل الاعلام والمنظمات الحكومية والمدنية والأهلية والمرجعيات الدينية في المنطقة العربية والاسلامية، كلما حصل اعتداء على "مغترب أو لاجئ مسلم" في دولة أوربية غربية، لجأ اليها هرباً من ظلم حكام بلده، أو بحثاً عن فرصة عمل عجزت أوطانه توفيرها له. مثلما حصل مؤخراً في جريمة مقتل "مروة الشربيني"المصرية، على يد متطرف ألماني.

لا ننفي وجود رغبة لدى الكثير من المسلمين ببقاء المسيحيين بينهم في هذه المنطقة.لكن هذه الرغبة الاسلامية هي دوماً مشروطة بأن يقبل المسيحي بأن يكون مواطناً من الدرجة الثانية أو الثالثة والعيش على هامش المجتمع الاسلامي "ذمياً"على صعيد الحقوق الدينية والمدنية.حيث،تعتبر الشريعة الاسلامية مصدر اساسي للتشريع في معظم الدول العربية والاسلامية،خاصة في فيما يخص الحكم والحقوق الدينية وقوانين الأحوال الشخصية والمدنية. ففي سوريا رغم أنها من الدول التي تتميز بـ"التسامح الديني" أعد مؤخراً "قانون جديد للأحوال الشخصية" يعيد سوريا قرون الى الوراء، فيما يخص حقوق المرأة والأقليات الدينية.أنه قانون يتوافق مع توجهات "الأصولية الاسلامية"- التي تغلغلت الى مختلف مؤسسات وأجهزة الدولة السورية- ومشروعها الظلامي التكفيري ويتعارض كلياً مع مشروع تحديث سوريا وتطويرها.وقد علقت الكاتبة السورية (منى غانم) في مقال - نشر في كلنا شركاء-على القانون الجديد بالقول:" للقانون شق ذو أبعاد سياسية في غاية الخطورة تهدد التركيبة الاجتماعية و الدينية المتوازنة في سوريا و التي طالما تغنى بها السوريون.لعل تنفيذ مشروع القانون هذا إذا ما قدر له الإصدار سيكون نقطة تحول في تاريخ ألأديان في هذه المنطقة من العالم. وتتساءل غانم: هل هذا المشروع محاولة لدمج سورية في منظومة عولمة الأصولية و التي اكتسحت العالم في نهايات القرن الماضي و كانت النساء و الأقليات ضحيتها الأولى في بلدان مختلفة؟ أم أنه محاولة انقلاب داخلية على كل التطور الاجتماعي الذي شهدته سورية منذ سبعينيات القرن الماضي؟.وتضيف:هذا المشروع مهم لأنه إذا صدر ستصبح سورية بلدا آخر لا يشبه معظم السوريين و ستكون النساء و الأقليات كبش المحرقة".

بحكم وضعهم الأقلوي، يتطلع "مسيحيو المشرق" الى تحول مجتمعات المنطقة نحو العلمانية والقيم الليبرالية والانتقال الى الدولة "المدنية الحديثة- دولة القانون"،دولة الحق والعدالة، لأنها الضمانة الوحيدة لبقائهم واستمرارهم في أوطانهم.لكن مثل هذه الدولة مازالت غائبة وبعيدة عن منطقتنا.دولنا مجرد امارات واقطاعيات وجمهوريات مملوكية، تتشابه في نظامها الاجتماعي والثقافي والسياسي.الهاجس الأول للحكام هو "السلطة"،والأولوية بالنسبة لغالبية الشعوب هي لرابطة الدم واحترام أخلاق العشيرة وقيم القبلية،حيث لا معنى للوطنية ولا مكانة للمواطنة.بمعنى آخر مازالت دول المشرق العربي الاسلامي في مرحلة ما قبل الدولة وخارج التاريخ السياسي والمدني للعالم المعاصر.لهذا، تبدو فرصة بقاء مسيحيي المشرق واستمرارهم في أوطانهم ضعيفة جداً،وربما معدومة، اذا ما بقيت أوضاعهم على ما هي عليه اليوم،من حرمان واضطهاد وتهميش، وما لم يغير "الراي العام الاسلامي" نظرته الى المسيحي من نظرة "مشرك بالله"،غير مرغوب به، الى "شريك بالوطن"مرحب به. لأن لا يمكن الحديث عن "الشراكة الوطنية"والقول"كلنا شركاء في الوطن" من دون مساواة تامة في حقوق المواطنة.

قطعاً، طرحنا لقضية مسيحيي المشرق من هذه النظرة التشاؤمية، ليس الهدف منه زرع اليأس واشاعة الاحباط في النفوس،وانما لدق "ناقوس" الخطر ولفت أنظار العالم لمخاطر اندثار المسيحية من هذا المشرق.ولحث جميع المعنيين بهذه القضية الحساسة،من المسلمين والمسيحيين،في الغرب والشرق،على التحرك والعمل السريع قبل فوات الأوان من أجل بقاء وازدهار الديانة المسيحية في هذا المشرق الذي فيه ظهرت ومنه انتشرت الى بقية أنحاء العالم.لأن اندثار المسيحية المشرقية وتلاشيها، يعني بالضرورة نهاية شعوب مشرقية قديمة وأصيلة، تركت بصماتها على مجمل الحضارة الانسانية،مثل الآشوريين، بمذاهبهم السريانية الكاثوليكية والأرثوذكسية المختلفة، والأقباط المصريين، أحفاد الفراعنة،فضلاً عن أن المسيحيين العرب ومسيحيي المشرق عموماً لعبوا في العصور الحديث دوراً ريادياً ومهماً في حياة المنطقة وشعوبها على صعيد التنوير الفكري والثقافي والازدهار الاقتصادي.ثم أن تلاشي المسيحية من هذه المنطقة يعني فقدان وخسارة العرب والمسلمين لأحد أهم عناصر وروافد ثقافتهم وحضارتهم.

أخيراً: اعتقد بأن الحكومات العربية والاسلامية هي ليست بعاجزة عن القيام بمبادرات عملية ووضع خطط وبرامج مستقبلية من شأنها تعزيز الوجود المسيحي وازدهاره اذا هي أرادت ذلك حقاً،مثل:
- تشكيل وزارة خاصة في كل دولة عربية واسلامية،تعنى بشؤون المسيحيين لديها وتتتبع مشكلاتهم وقضاياهم واتخاذ اجراءات عقابية وقانونية رادعة بحق كل من يتعدى على مواطنين مسيحيين ويستهدفهم.

- تمثيل المسيحيين في مختلف السلطات، التشريعية والتنفيذية والقضائية( بغض النظر عن تعدادهم) كذلك في مؤسسات الدولة،المدنية والعسكرية والأمنية،ومنحهم وزارات أساسية ومناصب سيادية لتعزيز دورهم ومشاركتهم في ادارة البلاد.

- اعادة الاعتبار الى ثقافة الشعوب المسيحية من غير العرب،مثل الأقباط والآشوريين(سريان/كلدان) والأرمن،وتعزيز هويتها كجزء أساسي من الهوية الوطنية ومنحها حقوقاً ثقافية و"ادارة ذاتية" للمناطق التي تقطنها غالبية مسيحية). جدير بالذكر، أن بعض الدول،مثل كندا واستراليا، منحت "الشعوب الأصيلة" لديها، بعض الامتيازات، الاقتصادية والثقافية والسياسية، لأجل الحفاظ على تلك الشعوب الأصيلة المهددة بالاندثار والتلاشي.

سليمان يوسف يوسف / ايلاف

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا