لماذا تخاصمونني؟؟
النقاط: مقدمة
اولا: وصف الداء والدواء للخصام
ثانيا: اسباب الخصام

أ- سبب سياق الخطية وواقع العالم الشرير.
ب-  سبب المسيئين المؤذيين.
ج-  سبب الطموحات المتزايدة.
د- سبب خلافات الآراء.
ثالثا: خدمة المصالحة وصنع السلام

مقدمة:
لماذا تخاصمونني؟!
سؤال سأله النبي موسى للشعب الغضبان الساخط (خر١٧: ٢)
ويبدو ان النبي موسى في مسيرة خدمته لشعبه
عانى اشد المعاناة من شعب مخاصم مشاكس!
ففي بداية خدمته ظن انهم يفهمون ان على يديه يعطيهم الله النجاة، لكنهم لم يفهموا بل عندما سعى ليصنع السلام بين الاخوة المتخاصمين منهم  صدوه ورفضوا مساعيه، بل ورفضوا خدمته (اع ٧: ٢٥ -٢٩). لكن الله هو الذي ارسله فيما بعد ويشهد الوحي الالهي ان موسى كان حليما جدا اكثر من جميع الناس (عد ١٢: ٣). ومع ذلك خاصموه حتى انه عانى من مخاصماتهم المتكررة والتي اشدها كانت في مشاجرة قورح وجماعته التي استوجبت تدخل الله بعقابه الشديد فاضحت "مشاجرة قورح" معلما من معالم بني التمرد (عد ١٦). وهكذا عانى موسى من الخصام حتى في نهاية حياته نقرأ انهم امروا روحه حتى افرط بشفتيه وعصى الرب فضرب الصخرة التي امره الرب ان يكلمها فقط فعاقبه الرب بأن لا يدخل الى كنعان (عد٢٠)، الامر الذي ربما يجعل البعض يشتكي يائسا!!
فإن كان موسي رجل الله وكليمه النبي العظيم لم يقدر ان يحتمل شر الخصام فمن نحن؟؟!!

لذلك حتى لا نخطئ، ولا نضرب الصخرة (المسيح) مثلما فعل موسى، لنتأمل كتابيا كيف نغلب الخصام!
اولا: وصف الداء والدواء للخصام
وقبل ان نقدم الدواء الكتابي للخصام
لنرى شناعة هذا الداء، فالخصام شنيع وفظيع لاجل الاسباب الاتية:
الخصام هو من اعمال الجسد اي من الطبيعة الساقطة الخاطئة. (غل٥: ١٩)
الخصام هو انعدام المحبة، وبالتالي وجود البغضة التي تهيج الخصومات. (ام١٠ :١٢)
الخصام هو ثمر عدم التواضع او التواضع المزيف، فيصير الكبرياء الذي يلد الخصام. (ام١٣: ١٠).
الخصام هو من اللسان الكاذب الفضولي الذي يبالغ ويهول ويبهر فيصنع النميمة، والشقاق فيتفقس الخصام. (ام٢٦: ٢٠)
الخصام هو يتربى ويرعى من الغضوب الذي تشتعل نار غضبه، فتاكل كل خير وتترك وراءها الخصومات. (ام١٥: ١٨)
الخصام هو مقبرة المحبة الاخوية وهو سجن المودة وهو اب لقساة القلوب وراعي لغلاظ الفهم. (تك٤٩: ٥)
الخصام هو ربيب الحسد والحسد وما ادراك من الحسد! وما يعمله الحسد! فالحسد صلب الرب يسوع وصنع المظالم في الارض. (ام٢٧ : ٤)

الدواء الكتابي لداء الخصام
بداية يلزمنا حتي نتداوى من الخصام ان نبغض الخصام فالخصام اذ هو عادة الجسد عادة الانسان العتيق عادة العالم الذي وضع في الشرير (١كو ١١ : ١٦).
ويلزمنا كما علمنا الكتاب ان نخلع الانسان العتيق مع اعماله وان نتغير عن شكلنا بتجديد اذهاننا (اف ٤: ٢٢ ) يلزمنا ان نتنبه ونتحذر، فالمؤمنين بالمسيح لم ياخذوا روح العالم بل اخذوا الروح الذي من الله (١كو٢ : ١٢). وهو روح الابن الحبيب روح المحبة روح الغفران (غل٤ : ٦).

ثانيا: اسباب الخصام
أ- سبب سياق الخطية وواقع العالم الشرير. يلزمنا ايضا بداءة انصافا للحق ان نعرف انه في بعض الاحيان يمكن للخصام ان يفرض نفسه فرضا ليصير واقع (حب١ :٣)، بسبب الخلاف بين الظلمة والنور، الخير والشر والحق والباطل. الامر الذي يحتم الانفصال او الافتراق او العزلة (٢كو ٦ : ١٤ -١٨)، وان بدا ان هذا الانفصال أو الافتراق كانه خصام ويمكن ان يسمى خصام حتى ان الوحي دعاه خصام "تاركو الشريعة يمدحون الاشرار، وحافظو الشريعة يخاصمونهم" (ام٢٨ : ٤). 
كانت سقطة الملك التقي يهوشافط انه دخل في حلف واتحاد ومصاهرة مع اخاب الملك الشرير زوج ايزابل الشريرة، حتى نبي الله وبخه وقال له "اتساعد الشرير وتحب مبغضي الرب؟ فلذلك الغضب عليك من قبل الرب (٢اخ١٩: ٢). لكننا كمؤمنين علينا ان نتبه ان الخصام في هذه الحالة ليس من المؤمن وليس المؤمن هو سببه ومثبته بل هي الخطية غير التائب عنها والخطية المتمسك بها هي سبب في فرض هذا الواقع المؤلم.

ب- سبب المسيئين المؤذيين. يقول الكتاب لا تخاصم انسان بدون سبب، ان لم يكن صنع معك شرا (ام٣: ٣٠)، لذلك يقول القائل انني احتملت شرا لا استطيع ان احتمله فيما بعد فلابد ان اخاصم، ونحن نتفهم هذا السبب حتى ان الحكيم ذكره ان "الاخ امنع من مدينة حصينة، والمخاصمات كعارضة قلعة" (ام ١٨ :١٩). اي ان الاخ الذي اسأت اليه هو اصعب من مدينة حصينة، والخصام يفرق بينكما مثل بوابات القلعة القوية وهنا نرى الصعوبة الجمة في استرداد علاقة ولو بشكل سطحي. لكن لنا مثال الرب نفسه المكتوب عنه بروح النبوة "بدل محبتي يخاصمونني. اما انا فصلاة. وضعوا علي شرا بدل خير، وبغضا بدل حبي" (مز١٠٩ :٤)، فروح المسيح روح المحبة والغفران، كان يسوع كانسان سلام يصلي للاب وهو اوصانا:
"صلوا من اجل الذين يسيئون اليكم ويضطهدوكم" (مت٥: ٤٤).
"ومن اراد ان يخاصمك وياخذ ثوبك فاترك له الراداء ايضا" (مت٥: ٤٠).

النبي ارميا النبي الباكي صلى للرب في مثل هذه الظروف "دعني يارب ارى نقمتك منهم" (ار٢٠: ١٢). لكن الرب يسوع مثالنا وليس ارميا النبي قال: "يابتاه ،اغفر لهم لانهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو٢٣: ٣٤). وبخصوص التطبيق العملي قال الرب "ان اخطا اليك اخوك اذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما ان سمع منك قد ربحت اخاك " (مت١٨: ١٥)، ومعروف ان العتاب هو بين الاحباب ويعمل بروح المحبة والمقصد هو ان تربح الاخ لا ان تخسره.
لا يجب ابدا الاسراع والقفز على الخطوات للوصول في حالة رفضه الى ان تعتبره كالوثني والعشار اي ان تتعامل معه كشخص غير مؤمن. اذ يقول الكتاب: "لا تبرز عاجلا الى الخصام" (ام ٢٥: ٨). والاختبار يظهر كم من اخوة حكماء استخدموا اسلوب العتاب والمصارحة والمكاشفة وبروح المحبة والوداعة والحق غيروا اخوتهم. وصححوهم وبالتالي ربحوهم للرب وللشركة، وهنا ياتي دور الاعتراف والغفران "اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات، وصلوا بعضكم لاجل بعض لكي تشفوا" (يع٥ : ١٦).
وقد حثنا الرب على الغفران ليس لسبع مرات في اليوم بل لسبعين مرة سبع مرات (مت١٨: ٢٢)
وحتى الاخ المعاند غير القابل لكلمة الرب فان الوصية الكتابية تقول: "سموا هذا ولا تخالطوه لكي يخجل، ولكن لا تحسبوه كعدو، بل انذروه كاخ" ( ٢تس٣: ١٥).
ولابد ان نعترف ان هذه الوصية تحتاج الى نضوج وحكمة ونعمة في تنفيذها لانه اذا اساء الاخوة التصرف في مثل هذه الامور تتكرر المأساة التي ذكرها الرب على فم اشعياء النبي: "اسمعوا كلام الرب ايها المرتعدون من كلامه: قال اخوتكم الذين ابغضوكم وطردوكم من اجل اسمي: ليتمجد الرب فيظهر لفرحكم،اما هم فيخزون" (اش ٦٦: ٥).

ج- سبب الطموحات المتزايدة. اذ نرى هذا السبب فيما كتب عن ابراهيم ولوط "ولم تحتملهما الارض ان يسكنا معا، اذ كانت املاكهما كثيرة، فلم يقدرا ان يسكنا معا. فحدثت مخاصمة بين رعاة مواشي ابرام ورعاة مواشي لوط" (تك ١٣ : ٦، ٧). كان الحل ان ابراهيم قال لرفيق دربه لوط: "لا تكن مخاصمة بيني وبينك، وبين رعاتي ورعاتك لاننا نحن اخوان اليست كل الارض امامك؟" اعتزل عني. ان ذهبت شمالا فانا يمينا، وان يمينا فانا شمالا" (تك١٣: ٨، ٩).
بالتدقيق سنرى ان حل ابراهيم الملهم هو لتجنب الخصام وليس لتثبيت الخصام وهذا يذكرنا بحكمة سفر الامثال: ابتداء الخصام اطلاق الماء، فقبل ان تدفق المخاصمة اتركها (ام ١٧: ١٤).
لان عصر اللبن يخرج جنبا، وعصر الانف يخرج دما، وعصر الغضب يخرج خصاما (ام ٣٠: ٣٣). وحتى يتنجنب ابراهيم الخصام اذ حيث توجد طموحات قابلة للازدياد والتوسع فلابد ان يحدث تضارب يمكن ان يؤجج نار الخصام لجأ ابراهيم الى هذا الحل مثل الاب الحكيم الذي يقسم لاولاده الاراضي والمصالح والميراث حتى لا يتنازعوا. وهذا التقسيم لم يكن فيه خصام بدليل ان ابراهيم هب لانقاذ لوط عندما وقع بين ايدي اعدائه كما صلى متشفعا لاجل سدوم وقد خلص الرب لوط منها وهذا يعلمنا الاكتفاء والقناعة بما قسمه الله لكل واحد منا وكل واحد يجب ان يلزم دعوته ولا يتطلع او يشتهي ما عند الغير عند ذلك لن يكون هناك خصام. وايضا الخضوع والقبول لكل قانون وترتيب يضمن الحقوق لكل واحد وان يكون الاتساع ليس على حساب الاخر.

د - سبب خلافات الاراء. الاختبارات تعلمنا اننا يجب ان نعطي مساحة في القلوب والافكار لاجل اختلاف الاراء، فحتى في الكنيسة الاولى نقرأ عن وجود اختلافات في الاراء بين المعتبرين اعمدة، هذه الاختلافات في الاراء لم تكن في امور جوهرية خاصة باساسات الايمان المسيحي.(رو١٤ ؛ اع ١٥: ٣٩) لكنها اختلافات في امور ثانوية في تدبيرات وتنظيمات لاجل الحياة والخدمة. لكن هذه الاختلافات غير الجوهرية لم تفسد الود والمحبة والشركة في اعضاء جسد المسيح الواحد. بل كان هناك النعمة التي احتوت الجميع وكانت الحكمة القائلة:
"في الامور الجوهرية اتفاق وفي الامور الثانوية حرية وفي كل الامور محبة"
وهذه تجعل الاختلافات في الاراء ليست خلافات بل تنوع يثري جسد المسيح.

ثالثا: خدمة المصالحة وصنع السلام
الله دعى المؤمنين بالمسيح الى خدمة المصالحة مصالحة الناس مع الله ومصالحة الناس مع بغضهم البعض. (٢كو ٥: ١٨) من هنا نفهم قول الكتاب ان عبد الرب لا يجب ان يخاصم بل يكون مترفقا بالجميع، صالحا للتعليم، صبورا على المشقات (٢تي٢ :٢٤). لان خادم الرب هو بصفة اساسية خادم المصالحة. المسيح رئيس السلام وهو ملك السلام وضامن السلامه وسلامه ليس كسلام العالم فسلامه يفوق كل عقل انجيله انجيل السلام والمومنون به هم اولاد الله صانعي السلام يساهمون مساهمة جادة في صنع السلام الذي تظهر حقيقة اولاد الله من اولاد ابليس الذين يسعون بعكس صانعي السلام اذ يواظبون ويصممون على عمل مكرهة الله وهو زرع الخصومات بين الاخوة. فشتان الفرق وما اعظم الهوة بين اولاد الله واولاد ابليس، بين صانعي السلام وزارعي الخصومات، بين الحمام الوديع وبين الغربان المشاكسين. ولكي نتغلب على الخصام لابد ان نتدرب ونتربي ونتتلمذ على المحبة.

اتذكر من اكثر من عشرين سنة مضت بينما كنت اعطي درس في مدرسة الاحد للصغار عن المحبة، تفاجأت بأم احد الاولاد غاضبة وجاءت واخذت ولدها بعنف لتخرجه من الكنيسة
لحقتهم وانا احاول ان اهدئها واعرف ما السبب!
اجابتني انها لا تريد ان ابنها يتعلم هذه المذلة!
وقالت: "المحبة التي تعلم عنها هي المذلة...
انا اريد ان ابني يكون رجل قوي
من يضربه لابد ان يرد الصاع صاعين!"
انا حاولت ان اشرح وافسر لها
عن المحبة لكنها لم تعطني اي فرصة
ومن السخرية ان على مر السنين الولد صار رجل قوي! وبسبب قوته هذه هو اليوم في السجن عقابًا لسلوكه العدواني المؤذي.
ببساطة الام رفضت ان تربي طفلها بتربية محبة المسيح.
المحبة هي الترفع على اشهر قانون في عالمنا
هذا القانون المشهور هو: "عين بعين، وسن بسن"
اي "المعاملة بالمثل"
مثلما عاملني علي ان اعامله!
المحبة هي ارفع من ذلك
المحبة تقول لك يجب ان تحب حتى الذين لا يحبونك وتسلم حتى على الذين لا يسلمون عليك
وهل هذه مذلة!! ؟؟
ان جاز التعبير هي مذلة للجسد الذي يريد ان يتكبر، ويتجبر ولا يريد ان يخضع لناموس الله
لكنها المحبة التي هي قلب متواضع يكرمه الله ويرفعه ويعزيه.
الشيطان يحارب دائما العلاقات فهو يسعى جاهدا لتفكيك العلاقات الاسرية
وتدمير المحبة الاخوية، والانقضاض على المودة والتراحم.

لكن يجب على المؤمنين ان يكونوا حكماء فاهمين لئلا يطمع فينا الشيطان فلا نجهل افكاره فنمكن المحبة فتكون المحبة من قلب طاهر بشدة ولنبدا بانفسنا بغض النظر عن موقف الاخرين.
ولنبدا بالسؤال المحب وزيارات المودة. قد تكون مكالمة تلفونية او رسالة تعبر عن المودة.
يقول الكتاب: "وادين بعضكم بعض بالمحبة الاخوية"
يجب ان نتدرب على خدمة المصالحة فنكون من صانعي السلام  باسم رئيس السلام 
ولنا وعد كلمة الله الصادقة رو١٦ : ٢٠ واله السلام سيسحق الشيطان تحت ارجلكم سريعا. نعمة ربنا يسوع المسيح معكم. امين

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا