من اجل الاستفادة من هذا المقال انصح بقراءة النص في سفر حزقيال اصحاح 47 والاعداد 1- 12 والتي يحدثنا فيها النبي حزقيال عن نهر مياة تخرج من تحت جانب البيت وتسير الى العربة حتى تصل الى البحر الميت وتشفيه.

حزقيال النبي يكتب وهو في السبي. كان يكتب احيانا رؤى، وأحيانا اخرى كان يرى بالعيان (بعمل معجزيّ من الله) الاحداث المستقبليّة بعينيه ويكتبها. الجزء الذي نتامل فيه هو ما رآه حزقيال بعينيه وكتبه لنا. اشير الى انها نبوّة عن الكنيسة والمؤمنين (وليس عن الهيكل والشعب القديم).

سنتأمل في سبعة نقاط
أولاً: كان وجه البيت (الكنيسة) نحو المشرق (ع 1). والكنيسة تنتظر مجيئ الرب ووجهها نحو المشرق لكي تشرق شمس البر (تعبير رمزي عن شخص الرب يسوع). لذلك نستنتج ان حزقيال لا يكتب هنا عن الهيكل والشعب القديم بل عن الكنيسة (لان وجه الهيكل نجو الغرب). ثم لننتبه انه يقول عن المياه انها نازلة من تحت من الجانب الايمن. وهذا يذكرنا بيسوع حين طُعن بجنبه وهو على الصليب وللوقت نزل دم وماء.

ثانيا: نرى اشارة رمزيّة لعمل الروح القدس. نحن نعلم ان المياه الجارية هي رمز للروح القدس. وفي عدد 1 يقول حزقيال ان المياه نازلة من "تحت جانب البيت". وهذا رمز لعمل الروح القدس في الكنيسة بانه عمل سري لا يُرى. وايضا عمل الروح القدس مع الناس الخطاة لكي يخلصوا هو عمل سري. وهذا العمل يُحيي كل من يتعامل معه ويقوده الى يسوع وعمل الصليب.
يقول في عدد 1 "جنوب المذبح". دائما الجنوب حار ودافيء، والمذبح يشير الى الصليب الذي قُدّمت عليه الذبيحة الكاملة. لذلك، الروح القدس يقود كل المؤمنين الى دفء وحرارة عمل الرب يسوع على الصليب.

ثالثا: حزقيال يذكر لنا ثلاثة افعال: عدد 1 يقول "أَرجَعني"، عدد 2 "أَخرَجني"، عدد 3 "عَبّرني". ثلاثة أفعال بحسب ترتيبها تشير الى ثلاثة مراحل للخلاص والنمو:
"ارجعني" - أول شيء هو الرجوع، انه الرجوع بتوبة حقيقية لنوال الخلاص.
"اخرجني" - بعد الرجوع الحقيقي سيُخرجك الله من عاداتك وعقائدك القديمة. انه إخراج من الدائرة التي كنت فيها بكل ما فيها.
"عبّرني" – بعد الخلاص والانتماء لملكوت المسيح سيُنمّيني ويُكبّرني. انه نمو في النعمة ومعرفة شخص الرب يسوع. في رحلة النمو يشكّل الرب شخصيتي حتى تكون في الطريق الصحيح لحياة تشهد عنه. ملاحظة: كل الافعال تدل على ان العمل هو عمل الله ولا فضل للانسان!

رابعا: بما يخص الفعل "قاس الف ذراع وعبّرني" والاربع مراحل: كعبين، ركبتين، حقوين، ثم غمر كامل (نهر سباحة لا يُعبر) – أشير الى خمسة أفكار:
1. اول ما يواجهه المؤمن في بداية رحلة الإيمان هو مقاومة مِن كلّ مَن حوله. والمقاومة تكون شديدة في بداية الإيمان، ثم تخف تدريجياً. وهكذا موج الشاطئ فانه يضرب بقوة عند الكعبين ثم يخف عند الركبتين، ويخف اكثر عند الحقوين وهكذا.
2. من نحو معرفة كنوز كلمة الله: المؤمن يبدأ على الشاطيء (الكعبين) ثم يتعمق اكثر بالمعرفة (الركبتين) ثم اكثر (الحقوين)، ثم يُدرك ان اعماق كلمة الله لا يستطيع احد ان يغوص اليها بالكامل (مياه سباحة لا تعبر).
3. العدد "الف" (عبرني الف ذراع ...): هناك مدلول خاص لهذا العدد. بحسب رسالة بطرس الرسول (2 بط 3: 8) فان "الف سنة عند الرب مثل يوم". لذلك العدد "الف" يأخذنا الى السماء والسماويات، لكي يقول للمؤمن: انت كائن سماوي! اهتم بالسماويات لا بما على الارض.
4. التعبير "قاس الف ذراع وعبّرني" ذُكر اربع مرات. الرقم 4 يُشير الى العالم (اربع جهات العالم)، لكي يعلمنا أن دعوة الله للخلاص هي لكل جهات الارض (لكل العالم)، ولا تقتصر لشعب دون اخر.
5. ثم، "الكعبين" والركبتين" والحقوين" و"نهر سباحة لا يعبر" – يرمزون الى اربع مراحل لنمو المؤمن الروحي الصحيح:
- الكعبين: يجب غسلهم بشكل يومي ودائم من غبار الارض. رمز للتوبة اليومية في حياة المؤمن.
- الركبتين: الدليل لحياة السجود والصلاة (نركع على الركبتين).
- الحقوين: رمز لحياة الإجتهاد والمواظبة الروحية. عندما نقول لفلان: اشدد حقويك، نعني ان يجتهد في العمل بكل نشاط. 
- نهر سباحة لا يعبر: هنا أرجلنا لم تعد على الارض لكننا نُحمل بالمياة العميقة. الرمز هنا لمؤمن في شركة قوية مع الرب ويتمتّع بمحبته وصلاحه اللا محدودين.

خامسا: الله يعلن عن الحل الالهي المبارك لمشكلة الانسان. الله يخاطب حزقيال: "أرأيت يا ابن ادم؟" (ع 6). أي أنظر وتمعّن بالحل الذي أوجدته للانسان. قديما قال الله لادم في الجنة "أين انت؟" كدلالة لخطية العصيان، وهنا يقول لحزقيال: "ارايت يا ابن ادم"؟ كدلالة لحل المشكلة.
لذلك، نرى الأشجار الكثيرة على الشاطيء  والتي ترمز الى المؤمنين (ع 6). كما قال المرنم قديما عن المؤمن انه "شجرة مغروسة عند مجاري المياه" (مز 1). وايضا نقرا عن السمك الكثير (ع: 9)، الذي يكلمنا ايضا عن المؤمنين المخلصين.

سادسا:  في سياق الكلام يصل بنا الوحي المقدس الى المياه المقدسة التي تُشفي. يكتب لنا عن المياه التي تصل الى البحر الميت وتُشفيه (ع 8). وعن احياء الموتى: "ويحيا كل ما ياتي النهر اليه" (ع 9). شُفي البحر الميت ودبّت فيه الحياة وصار فيه سمك كثير. رمزيا، دخلت الحياة الى عالم الانسان الميت وكل من قبل مياه الحياة (الروح القدس) نال الحياة.

سابعا: المحطة الأخيرة في تأملنا فيها تشجيع وأيضا تحذير. اما التشجيع فهو النعمة المعطاة للمؤمنين في اصطياد النس (ع 10: ويكون الصيادون واقفون ...) عن طريق كرازة الانجيل (ع 10: ويكون لبسط الشباك).

ولكن، يوجد تحذير ايضا. فبالرغم من قوة الشفاء التي بالمياه المقدسة وقُدرتها على شفاء البحر الميت، فهنالك "غمقات" و"برك" (ع 11) في اعماق البحر تكدّس فيها الملح ولم تَنَل الشفاء! التطبيق الرمزي هو أن هنالك خطاة تصلّبوا في قلبهم الى المنتهى ورفضوا الإيمان ولذلك هم باقون في خطيتهم حتى الهلاك. ومن نحو المؤمنين المخلّصين، فبعضٌ منهم لا يقبل تعزيات السماء او رد النفس ويبقى في حالة الفشل والمرض الروحي.

ليت كلمات الوحي المقدس بكل مدلولاتها الروحية تكون طعام لنا لكي ننمو في مشوار الحياة - امين

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا