في هذه الأيام نجد استبدال التعليم بالإنجيل في كنائسنا بالتعليم بكلام الحكمة الانسانية ومنها كمثال كلام التنمية البشرية الذي يلغي الصليب نهائيًا، ويعتمد في جوهره على تغذية "الذات" وهذا التعليم ضرب في صميم جوهر الإيمان المسيحي، المبني على "موت الذات".. فبدل ان يموت الإنسان العتيق ليحيا المسيح في الشخص، نقول للعتيق: انت حلو.. انت رائع!!! وبلغة سفر الرؤيا: انت غنيّ وقد استغنيت ولا حاجة لك الى شيء.. قوتك تكمن في ذاتك!!

نحن وللأسف نشهد اجتياحًا غير مسبوق لما يسمّى بدورات التنمية البشرية وتقنياتها كتحفيز الذات، شفاء الذكريات الأليمة، فنون التواصل وتسوية النزاعات، تنمية الشخصية والمصالحة والكاريزما الشخصية وما شابه. بالطبع لا بأس ولا ضرر في مثل هذه الدورات التي تنمّي وتحفّز بعض الجوانب النفسية والمواهب من أجل الارتقاء بالشخص والمساعدة على حلّ النزاعات والنموّ الشخصي. لكن بالمقابل نحن نواجه إشكاليات عديدة متى قبلنا بها من دون فحص أو تمييز، وقد يغيب عن بالنا الآتي: 

أولا، ان الكنيسة ينبغي ان تعلّم بإنجيل الخلاص وليس بفلسفات ارضية..

ثانيُا، العلوم الارضية (ومنها الكلام عن تطوير الذات) جيدة لكنها لا تغير الانسان ولا تخلصه..

ثالثًا، الانسان الجديد ليس هو العتيق الذي تم تحسينه.. بل هو المسيح الحيّ في داخلي عوض العتيق الذي مات.

رابعًا، "إن الهدف الحقيقي للوجود الإنساني لا يمكن أن يوجد فيما يسمى بتحقيق الذات. فالوجود الإنساني هو بالضرورة تسامٍ بالذات وتجاوز لها أكثر من أن يكون تحقيقاً للذات".
(1فيكتور فرانكل – من كتاب: الإنسان يبحث عن المعنى).

وهنا يُطرح سؤال هام: ما الفرق بين الرسالة التي يقدمها الإنجيل والأمور التي تُطرح في علم النفس والتنمية البشرية؟
- الإنجيل رسالة مركزها شخص المسيح وعمل الله الآب والروح القدس لفداء وخلاص البشر، وهذا العمل أكمله المسيح بموته وقيامته وصعوده، فالإنجيل رسالة تدور حول الله ومجده وإنه خلقنا وخلّصنا لذاته وكل الأشياء هي به ومنه وله ولمجده صنعنا وجبلنا.

- الإنجيل قوة الله للخلاص وليس قوتنا الشخصية في تغيير أنفسنا.

- الإنجيل يهدف لتغيير الداخل أي القلب والذهن والفكر والروح وإسترداد كيان الإنسان فيرجع للهدف والحياة التي خُلِق ودُعي لأجلها، فالإنجيل يعترف بأساس المشكلة وهي مشكلة القلب أي الخطية الدفينة ويعطي حلاً إلهيًا بعمل روح الله وكلمته.

- الإنجيل يقودنا للتقديس التدريجي الداخلي بناءً على سكنى الروح فينا وكلمة الحق التي ندرسها ونقرأها يوميًا وليس بناءً على برامج وخطط وكورسات معينة. في التنمية البشرية هناك تمحورٌ حول الذات (إعادة تنظيم للشهوات والأهواء إن جاز التعبير)، لا بذل للذات، ولا محبة خادمة، سعي وراء الذات بحسب روح العالم، بأنانية وانتهازية، والهدف من كل هذا بلوغ نوعٍ من الكمال بالجهد الشخصي وصولاً إلى نوع من عبادة الذات!

لذلك نقول، ان معرفة الله لا تكتمل إلا بمعرفة المسيح المصلوب وحمل الصليب واتباعه وإلاّ بقيت معرفتنا معرفةً غير حقيقية ومزيفة، ولا يمكننا معرفة المسيح القائم والممجّد، إلا إذا عرفنا المسيح المتألّم والمصلوب. 

أمور عديدة لا يتسنى تناولها في هذا المقال نراها ونسمعها حولنا وفي الميديا كل يوم كالبرمجة اللغوية العصبية، وعلم النفس الإيجابي، قانون الجذب، الإيحاء الذاتي… وهذه نجد في أغلبها مزيجًا من العلوم النفسية والتأمّل الشرقي الآسيوي. لذا فعلى الكنيسة أن تكون يقظة في هذا الشأن لأنه يُخشى كما قلنا، أن تأخذ هذه الأمور شأنا كبيرا فيطغى ما هو نفسي على ما هو روحي، ما هو من روح العالم على ما هو من روح الله. فالتمييز أمر مطلوب بإلحاح وخصوصا لدى القادة.

إنّ تمييز الأرواح واجب علينا لأنّ الأمر يتعلّق بخلاص النفوس وسنحاسب على ذلك. ينبغي ان نحذر من الاكتفاء بالتنمية البشرية كبديل مزيف لمعرفة الحق باستقامة والعيش فيه. فالإنجيل كما قال أحدهم لا يعطيك ماء بئر يعقوب (ما تظن أنك تريده)، بل ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية (الماء الذي ينبغي أن تريده حقاً). الإنجيل يغيرك فتشتهي أموراً أفضل.


1- فيكتور إميل فرانكل ‏ طبيب أعصاب وطبيب نفسي نمساوي، وأحد الناجين من المحرقة. هو أحد مؤسسي العلاج بالمعنى، الذي هو شكل من أشكال العلاج النفسي الوجودي.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا