صُدمت جداً، بل أقول أنني ذهلت، ولم أصدق ما قرأته في نشرة نور المسيح التي تصدرها جمعية نور المسيح في كفر كنا، من كلماتٍ صعبة ومزعجة وصريحة تدعو إلى رفض المسيحي الآخر، وخاصة المسيحي اللاتيني أو الكاثوليكي، في وقتٍ يصلي فيه الجميع من أجل الوحدة المسيحية والتقارب والوصول إلى تفاهم بروح المحبة فيما يتعلق بالتفاسير المختلفة لبعض التعاليم والعقائد المسيحية. علماً بأن هذه النشرة قد وزعت لجميع المصلين في كل الكنائس الأرثوذكسية في الأراضي المقدسة.

في نشرة جمعية نور المسيح الصادرة يوم الأحد 24/3/2013 وتحت عنوان "دستور كنيسة المسيح المقدسة الشرقية" نجد عبارات أقل ما توصف به هي التحريض والكراهية لكل من هو مسيحي غير أرثوذكسي. وتقر النشرة بأن هذا الدستور مأخوذ من كتاب للدكتور أسد رستم بعنوان "كنيسة مدينة الله العظمى مدينة أنطاكية" - الجزء الثالث صفحة 146-148، وتقول النشرة أن كل مؤمن في كنيسة الروم الأرثوذكس "يجب عليه معرفة حقيقة إيمانه"، والمقصود هنا البنود السبعة عشر الموجودة في هذا الدستور الأرثوذكسي!

أطلق كتّاب هذا الدستور كلمة "رأس" على كل بندٍ من بنود هذا الدستور، وصيغ الكلام بطريقة توحي للقارئ بأن هذا الدستور موحى به من الله، وبأن من لا يؤمن بهذا الدستور فهو بالنتيجة ليس أرثوذكسي الايمان والعقيدة ـ ولا أقول الطائفة.

لست هنا بصدد تحليل أو تفنيد أو دراسة كل ما جاء في الدستور الأرثوذكسي، ولكنني بصدد مراجعة بعض ما جاء بهذا الدستور من عبارات قاسية تدعو للكراهية، ومن بعض المغالطات التاريخية واللاهوتية التي تتناقض بشكل صارخ مع حق الله الموحى به في الكتاب المقدس.

1. ما جاء في الرأس الثاني: على المسيحي الأرثوذكسي أن يؤمن: "بسبعة مجامع مسكونية لا غير"، و "سائر المجامع الصغيرة أيضاً". علينا أن نتذكر أن المجامع المسيحية المسكونية كانت بحضور خدام وقادة الكنيسة في زمن انعقاد هذه المجامع، ومما لا شك فيه أن الروح القدس قاد آباء الكنيسة في اتخاذ القرارات الصائبة في هذه المجامع وخاصة تلك القرارات المناهضة للتعاليم والبدع التي أرادت أن تهدم الكنيسة من الداخل. ولكن هذا الكلام لا يعني أبداً أن عمل الروح القدس قد توقف، وبأن الله لم يعد مهتماً بالواقع المعاصر وبالصعوبات والضيقات والهجوم على الكنيسة الذي أخذ أشكالاً أخرى هذه الأيام. أي أن الروح القدس ما يزال يقود رجال ونساء الله اليوم، أي في القرن الحادي والعشرين، لاتخاذ قرارات ومواقف من أجل الدفاع عن الكنيسة أمام كل أشكال الشر والخطية والبدع والسقوط الأخلاقي. فلا يعقل ولا يجوز حصر إيمان المسيحي في التاريخ الماضي وكأن كنيسة الرب تجمدت عن المسير اليوم.

2. ما جاء في الرأس الثالث عن إيمان المسيحي المنتمي لكنيسة الروم الأرثوذكس "بجميع التقليد المسلم من الرسل القديسين وخلفائهم الآباء الإلهيين المكتوب وغير المكتوب كما تحفظه الكنيسة من غير زيادة أو نقصان". وقد علقت النشرة على هذا الكلام بقولها (هذا البند هو في غاية الأهمية). يجب الإشارة هنا أنه لا يوجد مسيحي حقيقي في العالم أجمع يرفض أي تقليد يتفق مع وحي الله المعلن في الكتاب المقدس. كذلك لا يعقل أن الله الذي أوحى بالكتاب المقدس أن يناقض نفسه ويوحي بتقليدٍ يناقض ما جاء في الكتاب المقدس. فالله لا يناقض نفسه. ويكفي هنا الإشارة إلى تقليد واحد فقط وهو الصلاة من أجل الموتى وحلّهم من خطاياهم. فهذا التقليد، وبطريقة غير مباشرة، فيه دعوة إلى حياة النجاسة والشر والخطية، وإن لم يقصد دعاة هذا التقليد ذلك. فإن كان الكاهن أو الأسقف بصلاته يغفر خطايا الأموات فهذا يعني ببساطة أن الإنسان يستطيع أن يخطئ ويمارس الشر عالماً أن هذه الخطايا والشرور ستغفر له لحظة موته بسبب الصلاة عليه من قبل الكاهن. يجب هنا أن نتذكر ما جاء في رسالة العبرانيين 14:12 "اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ، وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ".

3. ما جاء في الرأس الخامس من أن سبب الانشقاق والانفصال بين كنيسة الروم الأرثوذكس وكنيسة الكاثوليك هو الزيادة التي أحدثها اللاتينيون بقولهم أن الروح القدس "منبثق من الآب وحده وليس من الإبن". يجب أن نتذكر هنا أن هذه العقيدة الكاثوليكية لم تكن أبداً سبب انقسام الكنيسة إلى شرقية وغربية، بل أن الكنيسة الغربية تبنت هذه العقيدة بعد انقسام الكنيسة.

4. جاء في الرأس السابع أن المسيحي العضو في كنيسة الروم الأرثوذكس عليه "نبذ العقاب الذي أحدثه اللاتينيون الذي يسمونه مطهراً". لدينا هنا دعوة أخرى لكراهية الكاثوليك. فالكاثوليك لم يحدثوا عقاباً اسمه المطهر ولكنهم آمنوا بعقيدة المطهر. وهنا علينا أن نتذكر ما كتبه الرسول يوحنا وبوحي الروح القدس في رسالته الأولى 7:1 "وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ".

5. ما جاء في الرأس العاشر الذي استخدمت فيه كلمة "المواهب" المختصة بالآب والابن والروح القدس. لدينا هنا تعليم مبتدع بإطلاق لفظة "مواهب" على صفات وخصائص وطبيعة الله المثلث الأقانيم. إن كلمة مواهب تعني بالضرورة وجود من أعطى أو وهب تلك المواهب لله، وهذا هو التجديف بعينه.

6. جاء في الرأس الحادي عشر بأن "بابا روما تابع وخاضع لأوامر المجامع" وطبعاً المقصود هنا ما جاء في الرأس الثاني، أي المجامع المسكونية السبعة وسائر المجامع الصغيرة، أي المجامع الأرثوذكسية الصغيرة. نجد هنا انعدام أي احترام لراعي الكنيسة الكاثوليكية بإطلاق لفظة "بابا روما" عليه مع أنه راعي الكنيسة الكاثوليكية في العالم أجمع وليس في روما فقط. كذلك لا توجد أي لفظة احترام مثل "قداسة البابا" أو "حضرة البابا". وأنا لا أفهم ماذا يعني دعوتة الأرثوذكس لخضوع قداسة بابا روما للمجامع الأرثوذكسية الصغيرة وقد تم الانشقاق التاريخي بينهم 1054 ميلادية. فهل يعقل أن يخضع البابا للمجامع الأرثوذكسية ولا يخضع لقرارات المجامع الكاثوليكية خاصة مجمع ترنت والمجمع الفاتيكاني الأول والثاني.

7. جاء في الرأس الثاني عشر بأن الأرثوذكسي لا يقبل "تفاسير روما المحرّفة المعوجّة". نجد هنا اتهاماً صارخاً وصريحاً ومباشراً بأن التفاسير الكاثوليكية للكتاب المقدس هي محرفة ومعوجة. والواقع أن مثل هذا الاتهام هو دعوة إلى الفتنة الطائفية والصراع بين المسيحيين. فمتى كان اختلاف التفاسير يعني نبذ الآخر واتهامه بالعوج والتحريف؟ وهل يحق للكاثوليك أن يتهموا التفاسير الأرثوذكسية بالتحريف والعوج لأنها تختلف عن تفاسيرهم؟ إن هذه الكلمات تنم عن عدم المسؤولية وهي مأخوذة من بطون كتب التاريخ البعيدة عن واقع الكنيسة في القرن الحادي والعشرين.

8. في الرأس الثالث عشر لدينا تحريض آخر ضد الكنيسة الكاثوليكية التي وصفت بأنها "كنيسة الغربيين" حيث نقرأ "ونعترف بالغفرانات التي يمنحها البطاركة بتدقيق وتمييز، لا كما تمنحها كنيسة الغربيين". هذا الكلام يعني ببساطة أن الكنيسة الكاثوليكية تفتقر لروح التدقيق والتمييز في منح الغفرانات، وبأن الأرثوذكس هم المدققين والمميزين. لا بد لي هنا من أن أسجل موقف واضح وصريح بأنني كمسيحي إنجيلي أومن إيماناً قاطعاً بأن الوحيد الذي له كل الحق لغفران الخطايا هو الله القدوس المثلث الأقانيم الآب والابن والروح القدس.

احتوى الدستور الأرثوذكسي أموراً أخرى لا أومن بها شخصياً كمسيحي إنجيلي، ومع ذلك فأنا أحب أخي المسيحي الأرثوذكسي والكاثوليكي لأن ما يجمعنا أكثر جداً مما قد يفرقنا، وصلاتي إلى الله القدوس الذي فدانا بدم المسيح أن يوحّد قلوبنا في محبته الفائقة التي لا تستثني أحد.