بمناسبة ذكرى خمس سنوات على إستشهاد رامي عيّاد
مقابلة حصرية مع بولين عيّاد – زوجة الشهيد

بولين:
"لم ألُم رامي، فأن يرجع إليّ شهيدًا أفضل من أن يرجع منكرًا للمسيح..."
"آخر ما وضع الرب على قلبه ترنيمة " دايس على عسلك يا عالم..."
"حينها أخبرته أنّ والده بطل، إنه شهيد لأنه لم يتنازل عن إيمانه..."

اجرت المقابلة: سمر سماوي

بعد أن اتفقنا على اللقاء، سافرت من مدينتي ،الناصرة في الجليل، جنوبًا لأصل إلى الضفة الغربيّة حيث تسكن اليوم بولين. لم أكن قد التقيت بها قبلاً، لكنني سمعت عنها، لنا أصدقاء مشتركون، قرأتُ عن الحادثة التي غيرت حياتها.. وتابعت عن بُعد ما حدث معها. ولم أتردد بالإتصال بأمّ بولين الروحية، التي عَرَفتها منذ سنوات وقادتها للإيمان بالمخلص ليصبح سيّدًا على حياتها. إتصلت لأسأل عن خطوطي الحمراء.. ماذا يمكننا أن أسأل تلك الإمرأة الشابة التي فقدت زوجها بظروف قاسية تاركًا إياها مع أطفالها وحيدة.

إستجمعت قواي، لنصل بيتها.. إستقبلتنا وعلى فمها ابتسامة، ساعدتني أعرف أنني تخطيت أول مرحلة، فها هي ترحب بنا بلطافة. دخلنا بيتها لنرى في كل مكان لوحات إهداء لذكرى زوجها.. فذكرى رامي كانت في كل زاوية من البيت، حتى حاسوبها النقّال يحمل صورته في خلفيته.. وأطفالها الثلاثة، جورج، وسام وسما، ينظرون إلينا، وفي عيون كل منهم تساؤل: من أنتم؟ ولكن سرعان هذه النظرة تصبح علاقة إلفة لأطفال يمتلؤون حيوية ونشاط، وفي عيونهم جمال يدمج بين الفرح والحزن. لربما لأنني كنت أحمل في ذهني صورة لما سألقاه، ولكنني أقول: لقد دخل هؤلاء الثلاثة إلى قلبي بسهولة لشيء بهم لم أستطع أن أحدده.

فجورج في السابعة، يظهر نضجًا وأيضًا فضولاً يريد أن يسمع ما يدور من حديث، وسام، ستة سنوات، خفيف الحركة والظل ويحاول كل الوقت لفت أنظار والدته، أما سما صاحبة العيون الساحرة، شُجاعة رغم صغر سنها، فهي مازالت في الرابعة من عمرها، لم تتردد لترفع شعرها حين قلت لها، عيونك جميلة أريد أن أراها.. وحين قلنا لها ابتسمي نريد أن نأخذ لك صورة ظهرت على محياها إبتسامة سرقت بها قلبي..

سما رامي عياد
سما رامي عيّاد

ابتدأنا حديثنا، لتعلمنا أنها استفسرت قبل أن تقرر أن تلقانا إن كانت تستطيع ان تثق بنا وهكذا كان بعدها أعلمتني أنها وافقت على لقائي فها نحن نصل بيتها لنبدأ بالحديث، فحدثتنا بداية عن الذكرى الخامسة لإستشهاد رامي يوم الأحد السابع من تشرين الأول.

بعدها سألتها: من هي بولين؟

أجابت بولين بكل هدوء وبعد تفكير قصير:
أنا بولين عياد من غزة متزوجة من الشهيد رامي عياد.
عندي ثلاثة اولاد جورج 8 وسام 6 سما 4
قبلت الرب يسوع المسيح مخلص شخصي لحياتي شهر كانون أول من سنة 2000.
التقيت بزوجي في الكنيسة المعمدانية في غزة، وتزوجنا في 12 شباط 2002

بولين عياد واولادها الثلاثة
الام بولين واولادها الثلاثة

سألتها:هناك من بين القراء لا يعرفون ما حدث مع رامي وحيثيات القضية؟ هل تستطيعين سردها لنا؟

بدأت بولين بسرد التفاصيل، فهي تحفظها عن ظهر قلب:
إشتغل رامي في جمعية الكتاب المقدس في غزة، وقد واجهت الجمعية تهديدات، وحتى تفجيرات. وقد واجه رامي بنفسه تهديدات.
قبل شهر من مقتله دخل شيخ إلى مكتب رامي في الجمعية ، قال لرامي: أريدك أن تصبح مسلمًا.. أجابه رامي: غير ممكن، يمكنني أن أقنعك أن تصبح أنت مسيحًيا ولكن أن أصبح أنا مسلمًا، هذا غير ممكنًا. فأجابه الشيخ: أنا أعرف كيف أقنعك أن تصبح مسلمًا.
هذا ما روى لي رامي، فشعرت بالخوف. لكن رامي إعتاد أن يقول، ماذا سيحدث؟ سيقتلونني؟ سأصبح شهيدًا للمسيح!

4/10/2007 الخميس قال لي رامي: هناك من يراقبني! سألته كيف عرفت؟ قال: سائق التاكسي الذي أقلني، قال لي هناك من يراقب التاكسي منذ أن ركبته، وكانت تلحقه. وعندما خرج من التاكسي، نظر لمن لاحقه، وجد في السيارة ثلاثة أشخاص، مع لحية خفيفة حيث نظروا اليه نظرة مرعبة. هذا ما رواه لي رامي.
يوم الجمعة وصلته مكالمات تهديد ولكنه لم يعلمني، لكننا عرفنا بعد ذلك. يوم السبت ذهب للعمل بشكل عادي، الساعة الرابعة شعرت بشيء فقمت بالإتصال به، والظاهر أن هذا كان عندما أختطف، فقال لي: " أنا رايح مشوار، كمان شوي برجع".. ولكنني كنت أعرف برنامج رامي اليومي، فكان من المفروض أن يرجع البيت وبعدها يذهب للإجتماع في الكنيسة. لذا فهمت أنه مع هؤلاء الأشخاص. ولكننا لم نعمم الموضوع بأن رامي كان مهدد لنمنع بلبلة. لذا تكلمت مع أخيه، الذي كان يعلم بالأمر.فتكلم معه أخيه مع رامي: فقال له أنا مع الجماعة! ففهمنا ما المقصود ولكننا لم نستطع أن نعرف منه أين هو بالضبط. وبعدها أغلقوا الجوّال. الساعة السادسة، إتصل رامي فيّ وقلت له أريد أن أعرف أين انت، فانا قلقة جدًا. فقال لي: " بس أرجع بقلك، بس رايح مكان كثير بعيد ومطوّل كثير" . قبلها بدقائق، حاول الشباب الإتصال به، فأستطاع أحدهم أن يتكلم معه فقال له أنا في رفح وسيفرج عني بعد ساعتين. ولكن هذا لم يكن ما أعلمني به.
وفي صباح الأحد الساعة الخامسة والنصف وجد رامي مقتولاً. تقرير الطبي الشرعي، أنه قتل حوالي الساعة الثانية والنصف صباحًا.

سألنا: ماذا فعلتم في الفترة التي كنتم تنتظرون؟

أجابتني بولين:
أعلمنا الكنيسة المعمدانية وكنيسة اللاتين. وبدأ الأب مناويل محاولاته الوصول إليه. إستمر إخوته وشباب من الكنيسة بالبحث حتى وصلهم خبر من الشرطة بأنه تم العثور على شخص مقتول مشابه لأخيهم وطلب منهم التعرف عليه.

سألتها: رغم أنني قرأت بعض الأخبار عن الموضوع، فظننتها تعرف أكثر مني.. هل وجد القاتل؟

أجابت:لست متأكدة.

فقاطعتها: لكنني قرأت أن هناك من يقول أن أسمه أشرف أبو ليلة؟

أجابتني:
سمعت مثلك وقرأت مثلك عن شخص مدعو هكذا، وأنه قتل أكثر من شخص، وفي آخر خبر قرأته ذُكر أنه نادم.
لا شيء رسمي.

سألتها: لم يتوجه أحد إليك من السلطات المسؤولة؟

قالت بولين من غير أن يظهر على وجهها أي تعبير من العتاب أو عدم الرضى أو حتى الرضى:
لا، وأغلقت القضية ضد مجهول بعد اسبوع ونيّف. أنا أتذكر أن الضابط الذي كان يتحرى في القضية، زارنا وأعلمني أنه بحث وتحرى عن رامي، وليجد دافع آخر للقتل غير الدين لكنه لم يجد، وقال لها متسائلاً ما هذا؟ هل كان رامي رجلاً مثاليًا؟. وأعلمني أيضًا أنه هو تلقى بنفسه تهديدًا بالقتل إذا لم تغلق القضية. بعدها أغلقت القضية.
هذا الضابط قتل في أول يوم في الحرب.

سألتها: إذًا أنت متأكدة أن الدافع لمقتل رامي كان أنهم أراده أن يصبح مسلمًا؟

فأجابت مباشرة وبكل إقتناع:
أي دافع آخر سيكون..؟ دعيني أعلمك بشيء: لقد جهّز الرب رامي للموت خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة. وبدأ يسألني: ماذا ستفعلين إن مت؟ وتوقف عن مساعدتي في البيت، رغم أن كان يساعد قبلاً، لأنه أراد أن أعتاد على عدم وجوده وأعتمد على نفسي. قبل إختطافه بساعتين، آخر ما وضع الرب على قلبه ترنيمة " دايس على عسلك يا عالم" واستمر في ترديدها لمدة ساعتين. هذا ما أعلمني به زملائه.
كل من يسألني هل قد يكون هناك سبب أخر لمقتله أجيب: أروني ما هو؟ أي سبب آخر قد يكون..؟
في إحدى التعليقات على خبر مقتله، كتب أحدهم بكل غضب على رامي، لقد أقمنا محكمة لرامي و حكم عليه بالإعدام وهو أخذ جزاءه لأنه كافر.
لقد كان رامي يطلب الشهادة من أجل المسيح. كان يقول دائمًا، أروع شيء أن يموت الشخص شهيدًا للمسيح.

سألتها: كيف استقبلت الخبر، وما هي المراحل التي مرت عليك؟

بولين تتنهد وتجيب:
في الفترة التي كان بها رامي مخطوفًا، لم أتوقع بتاتًا أن يقتل. انتظرت رجوعه.
كنت أفكر كيف سأستقبل رامي عند رجوعه. لم أتوقع الشر.
استقبلت الخبر بصدمة، لمت الرب، لماذا أخذت رامي، فإبني الكبير كان عمره سنتين ونصف والثاني عشرة شهور، وحامل في البنت الثالثة بالشهر الخامس، كنت أصرخ وأقول له:" استنى شوي، ليش بهذا الوقت؟ ". واستمر الرب يقول: كل الأشياء تعمل معًا للخير. فكنت أقول أين هذا الخير من موت رامي؟ لمت الرب ولكنني لم ألم رامي، فأن يرجع إليّ شهيدًا أفضل من أن يرجع منكرًا للمسيح. ولكنني استمريت بلوم الرب، لماذا سمحت أن يحصل هذا لرامي.

لماذا سمحت يا رب ان يحصل هذا لرامي؟!
بولين: لماذا يا رب سمحت ان يحصل هذا لرامي؟!

في هذه الفترة كنت أكره أي شخص مسلم، فعندما كنت أرى شخصًا مع ذقن، كنت أنهار. أسمع صوت القرآن تصبح حالتي صعبة. وكلما بدأ ابني بالسؤال عن والده الذي تعلق بك بشكل كبير، كنت أبدأ بكلام نابي عن قاتل رامي. فقد كان بعض الأخوة يقولون لي عليك ان تسامحي وتغفري. فكنت أجيب بغضب: " من يده بالنار ليس مثل من يده بالماء". وكانوا يقولون لي: " صلي من أجله ليقبل الرب". كنت أجيب: “يقبل الرب ويذهب للسماء؟ لا، فأنا أريده أن يذهب إلى جهنم ويتعذب بالنار، أن يتعذب بالحياة والموت”. استمرت الحالة فترة طويلة، ودخلت بحالة إكتئاب شديدة، فقد كنت أبكي، هذا كل ما فعلته. لم أهتم بأولادي، فوالدتي إهتمت بكل ما يخصهم. فكنت وقتها اسكن في بيت أهلي في غزّة.

بعدها بفترة قلت للرب أنا إبنتك، وأريد أن أسامح. لا أستطيع أكثر، أريد غفران كامل.
فأصبحت هذه طلبتي. لم يحدث الأمر بسرعة بل استمرت الحالة سنة بعد الحادثة. بدأ الرب يتكلم معي بآيات مثل "للحياة وقت والموت وقت".
بعدها جعلني الرب أن أنظر للقاتل بصورة مغايرة. بأن هذا الشخص إستخدمه الرب ليكرم رامي أن يموت شهيدًا وليس موتًا عاديًا. لقد انتصر القاتل على الجسد ولكن لم ينتصر على الروح. فروح رامي عند يسوع.

عندما بدأ الرب يتعامل معي بهذه الطريقة، بدأت أشعر بتغيير وغفران. وأعلنت ذلك.
لكن حديثاً تعامل الرب معي ليكشف أنني لم أغفر بالكامل، فكانت هناك منطقة سوداء في قلبي لم أسمح لأحد أن يلمسها ويقترب منها. كنت أعلنت أنني غفرت ولكنني مثلاً كنت أكره شهر رمضان، لأن رامي قتل في رمضان. كنت أكره القطائف، لأن رامي أحبها ومن أجواء رمضان. وشعرت بحاجز مع الرب، ولم أصل للعمق كما كنت في الماضي.

مؤخرًا في مؤتمر في شهر آب الأخير، الرب تعامل بها معي من خلال السؤال من هو السامري بالنسبة لك. وكان جواب الرب الأشخاص الذين قتلوا رامي! وفي نفس الليلة أوضح ليّ الرب أنه يريدني أن أحب الذين قتلوا رامي. فصليت وأطلقتهم فشعرت براحة، ولم تعد هناك منطقة سوداء مغلقة في قلبي. وتحررت وأصبحت عندي إنطلاقة جديد من غير قيود.

سألتها: إذًا ماذا تقولين للقاتل لو قابلتيه؟

أجابت بهدوء:
قبل شهر آب لم ارد أن آراه حتى لا أضعف. اليوم سأقول له: أنا سامحتك! كنت وسيلة ليس أكثر.

سألتها: ما هي الصعوبات العملية التي واجهتها بعد فراق رامي؟

أجابت:
قبل ولادة سما، واجهت صعوبات كبيرة مع جورج. فحين إستشهد والده كان عمره سنتين ونصف. فقد كان جورج متعلق جدًا بوالده. فأنا كنت وقتها حامل بسما ووسام كان طفل بعمر العشرة أشهر. لذا كان جلَّ اهتمامي بهم لذا تكفّل رامي بجورج بعد عودته من العمل. لذا فراق جورج لوالده كان صعبًا جدًا.وأثر على نفسيته بشكل كبير.

سمر سماوي وبولين عياد
جورج الابن البكر

ولادتي لسما كانت من أصعب الأمور في حياتي. تجربة صعبة جدًا لأن الولادة من غير رامي. في الولادة الأولى والثانية كانت تجربة جميلة مع رامي، ولكن مع سما بدأ المخاض ولم أرد الذهاب للمستشفى، رغم تحذير الطبيب من أنه بسبب حالتي الصحية، فإن المخاض قد يودي بحياتي وحياة الجنين. ذهبت في النهاية لإجراء عملية وأنا في حالة بكاء. أشكر الله أنني كنت حينها ما زلت في غزة حيث حصلت على كل الدعم من عائلتي. فوالدتي إهتمت بكل تفاصيل الأولاد كوني كنت في قمة حزني وإكتئابي المتواصلين.

سمر سماوي وبولين عياد
سما تلعب مع وسام

في مرحلة معينة شعرت في داخلي انه عليّ ترك غزة، ففي أول عيد القيامة حصلت على تصريح خروج ولكن من غير الأولاد، ففهمت أن الرب لا يريدني أن أخرج من غزة. طلبت تصريحًا للذكرى الأولى لإستشهاد رامي، للإشتراك بالخدمة التذكارية في الضفة ولكن السلطات لم تعطني تصريحًا بالخروج. بعدها قلت للرب: إن كانت مشيئتك أن أخرج، أريد خروجًا معجزيًا.

فقد كنت قد جهزت حاجاتي للخروج، ولمدة سنة كانت أغراضنا الشخصية في الحقيبة تجهيزًا للخروج.
في عيد الميلاد وفي الفترة التي تعطى تصاريح العيد. خرج قرار، بأن التصاريح تعطى فقط لمن أعمارهم أكثر من 35 عامًا، حيث كنت حينها بعمر الثلاثين.بعدها بأيام تلقيت مكالمة من السلطات تعلمني أنني إن أردت الخروج، عليّ أن أغادر غزة خلال ساعتين. صدمت ولكنني صممت أن أرتب أموري بسرعة فساعدني والديّ وخرجنا. وإذ أجد أنّ الأمور كانت مرتبة لي رغم أن الحاجز كان مغلق أمام الآخرين. لكنهم في البداية رفضوا أن يخرج والديّ معي، لكن في النهاية وافقوا وخرجنا. في اليوم الثاني من وصولي بدأت الحرب على غزة، وشكرت الرب الذي تدخل في الهزيع الرابع بشكل معجزي، فكنت الوحيدة التي خرجت تحت عمر 35.
منذ ذلك الحين وأنا في الضفة الغربية، أما والدي رجعوا غزة بعدها وأنا لا أستطيع أن أراهم كثيرًا.

لقد مررت بفترات صعبة جدًا، سمح الرب بكثير من الصعوبات في تربية الأولاد لوحدي وترتيب أمور البيت إلى أن كان الرب واضحًا معي، بأنه يريدني أن أعتمد على نفسي.
أخذت القرار بالإعتماد نفسي في تربية الأولاد وتدبير البيت ولكن مرّرت في صعوبات كثيرة وكنت أصرخ بها: "رامي رامي تعال شوف حالي". لكن كلمني الرب لماذا تنادين رامي، أنا الذي أسمعك وليس رامي. وهكذا تعلمت أن أصرخ للرب في وقت ألمي.

مررت بأيام صعبة ولكن الرب نشلني في كل مرّة. وفي إحدى المرات بدأ الرب يكلمني من خلال وعظات عن الأرامل وعن إيليا النبي عندما جاع ذهب إلى أرملة صرفة، وفي عدة أماكن أخرى كيف وضع الرب الأرملة في مكان خاص وأوصى بها. فشعرت بإهتمام خاص للرب بي كأرملة. فأنا البنت المدللة للرب للرب يسوع فقد تحنن على الآرامل.
فقررت أن أصبح الأرملة القوية... وبهذا أصبح الرب يستخدمني أكثر في مساعدة الآخرين.

بعد أن تأكدنا أن الأولاد يلهون، فقد كنّا أقنعناهم عدة مرّات أن عليهم الذهاب للعب في مكان آخر، بالذات جورج ، الذي كانت عيونه تبحث عن إجابات وفضوله جعله يتركنا ويعود في كل مرّة، سألتها: كيف تشرحين للأولاد؟

سمر سماوي وبولين عياد
سمر سماوي من اليمين وبولين عياد من اليسار

أجابت بولين:
لم أخبر الأولاد بأي تفاصيل وفاة رامي وحيثيات الموضوع. سألوا الكثير عن عدم وجود والدهم. يسألون لماذا لا يوجد لنا أب. فكل طفل منهم تعاملت معه بشكل مختلف. ولكنهم يعلمون أنّ والدهم موجود في مكان أفضل بلا حزن أو ألم.

سألني جورج عدة مرّات كيف مات والدي؟ ولم أعرف كيف أجيبه وكنت أجيببه سأخبرك فيما بعد. لكنه قبل سنة رجع من المدرسة وهو في حالة صعبة نفسيًا، حيث قال له زميله في المدرسة، هل فعلاً مات والدك مقتولاً?
حينها أخبرته أن والده بطلاً، إنه شهيد لأنه لم يتنازل عن إيمانه ولم ينكر يسوع وعليك أن تكون فخورًا بهذا.
تسأل سما دائمًا عن والدها وتعرف أنها سميت سما لأن والدها في السماء. ووسام يسأل إن كان والده جائع أو عنده ألعاب ليلعب، يريدون الإطمئنان عليه دائمًا.
منذ سنة أحاول أن أجعل الأولاد أن يعتبروا السابع من تشرين الأول هو عيد والدهم السماوي. يوم يستطيعون به بالإحتفال بدل أن يكون يوم حزن، ويعرفون أن هذه السنة هناك خدمة خاصة بمناسبة مرور خمسة سنوات على إستشهاده.
لا يتذكر الأولاد والدهم وسما لم تلقاه أبدًا، ولكنهم يسألونني أسئلة مثل هل تتذكرين يا ماما كيف كان بابا يلاعبنا، أسئلة كتلك..

سألتها: لقد مررت بصعوبة فاقت الوصف ثلاثة أطفال في بلد ليست بلدك.. طفلة تولد بعد وفاة والدها..
ولكنني نجدك متعزية وغافرة . ما هو السر؟

بولين تجيب من غير تردد:
السر هو يسوع وصلاة المؤمنين لي.

أنهيت كلامي معها وطلبت منها ان تتوجه للناس ليسمعوها تتكلم لهم في فيديو خاص ينشر في لينغا. لم تتردد تلك الإمرأة القوية، التي إعترفت بضعفاتها وتعاملات الرب في حياتها من خلال هذا الخطب الذي اهتز له العالم المسيحي وغيره.

بعدها طلبت منها أن تتوجه بكلمة للقاتل، فلم تتردد أيضًا. فها هي الإمرأة التي لامت الرب وأرادت للقاتل أن يهلك، تقرر أنها تريد أن تغفر بعد أن وضعت الأمر عند الرب.. تعامل معها وهي اليوم تغفر وتحب من سبب كل هذا الألم الذي عاشته واليتم لأولادها.

تركناها وقد تعزينا من هذا اللقاء الشيّق مع بولين، الأرملة القوية التي تريد أن تعطي قبل أن تأخذ.. تريد أن تتقدم إلى الأمام ولا تجعل عدو النفوس يهاجمها بظروفها بل بقوة الصليب تنتصر .. وتحمل الصليب وتمشى بخطى زوجها الذي إفتخر بإنجيل المسيح.. البطل الشهيد رامي عيّاد.. ذكرى الصدّيق للبركة.

قامت جمعية الكتاب المقدس بإنتاج ميدالية مفاتيح تحمل صورة رامي، وتدعو كل من يريد إحتيازها ودعم الخدمة في غزة، أن يطلب هذه الميدالية والتبرع بمبلغ بحسب ما يرى مناسبًا. يمكن لمن يريد التبرع أن يتوجه الينا لنوصله بالمسؤولين على ايميل لينغا: info@linga.org
يذكر أن جمعية الكتاب قد أنتجت كتابًا بأسم "رامي وعامي" تروي قصة رامي وأيضًا قصة عامي الشاب الذي أعتدي عليه بتفجير من قبل يهود متدينين كونه يهوديًا مؤمن بالمسيح.

لماذا سمحت يا رب ان يحصل هذا لرامي؟!
ميدالية مفاتيح تحمل صورة رامي من انتاج جمعية الكتاب المقدس

لماذا سمحت يا رب ان يحصل هذا لرامي؟!
شهادة تكريم واعتزاز من مجلس الكنائس الانجيلية المحلية في الاراضي المقدسة