تعد بلدة باطنايا في شمال العراق نموذجا صارخا عن معاناة المسيحيين، ففي هذه البلدة لا يوجد سوى رجل واحد يعيش في حطام منزل مع خمس كلاب ضالة.

قبل الحرب كان يعيش في هذه البلدة أكثر من 6 آلاف نسمة من طائفة الكاثوليك الكلدان، ولكن حاليا يعيش ساكنها الوحيد على الطعام الذي تقدمه له قوات الأمن المحلية مقابل أن يحرس ثلاثة مدارس جرى تجديدها بالإضافة إلى مركز طبي حديث.

وقال الحارس المسن الذي رفض نشر اسمه “أنا الوحيد الذي عاد”. “ليس لدي عائلة، وهذا أفضل من العيش في مخيم”.

وأوضح أن ما يقرب من نصف الذين كانوا يعيشون في باطنايا قد هاجروا إلى الولايات المتحدة وأوروبا، في حين انتقل الباقون إلى منازل مؤقتة في مناطق أخرى من العراق، وهم يسعون بكل جد إلى مغادرة البلاد.

ونفس السياق قال رعد ناصر، 40 عامًا، في حديث هاتفي مع صحيفة “واشنطن بوست”، إنه وآخرون اختاروا البحث عن فرص للهجرة إلى أوروبا بعد دمار باطانيا، مشيرا إلى أن 200 أسرة فقط من البلدة لا تزال في العراق، وأن قلة منها فقط ترغب في العودة إليها.

وبحسب الصحيفة فإن تلك البلدة تعد مثالا صارخا على التحدي الذي يواجه الحكومة العراقية والأمم المتحدة في إعادة إعمار المناطق التي دمرها داعش خلال حرب استمرت 3 أعوام.

ووفق خبراء فإن إعادة إعمار تلك المناطق وإعادة توطين سكانها سيأخذ عشرات السنين إذا استمرت الأمور على ما هي عليه، وبالتالي فإن هذا الأمر يحمل مخاطر عدة منها هجرة المسيحيين.

وتقول بعض التقديرات أن عدد المسيحيين العراقيين لا يتجاوز حاليا 200 ألف نسمة، بعد أن كان عددهم يصل إلى أكثر من 1.5 مليون قبل قبل الغزو الأميركي عام 2003.

ويقول بعض المسؤولين العراقيين والغربيين إن الأموال المخصصة للإعمار والتوطين يتم توزيعها ببطء ومن خلال شبكات محسوبية يمزقها الفساد لتضيع بين السياسيين.

في محاولة لإبقاء المسيحيين والإيزيديين في مناطقهم، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العام الماضي قانون الإغاثة والمساءلة في العراق وسوريا – الذي ينص على تمويل مشاريع الاستقرار في المجتمعات المستهدفة بالإبادة الجماعية من قبل داعش.

الوكالة الأميركية للتنمية الدولية أنجزت 304 مشاريع لإعادة التأهيل في شمال العراق، خاصة في مناطق المسيحيين والإيزيديين.

وقال عصام بهنام، رئيس بلدية الحمدانية المسيحة، إن برامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والأمم المتحدة، إلى جانب التبرعات الخاصة من الجماعات المسيحية الأميركية، ساعدت على إعادة حوالي نصف سكان المدينة الأصليين البالغ عددهم 60 ألف نسمة.

ولكنه أضاف: “لكن المساعدة لم تعالج ما قال إنه الأسباب الأساسية لمغادرة الأقليات للعراق المتمثلة في إهمال الحكومة العراقية وفشلها في حشد قوات الشرطة والجيش لتأمين مدن في الشمال”.

وختم كلامه: “يجب على الحكومة أن تنظر بجدية فيما إذا كانوا يريدون حقا أن يبقى المسيحيون في العراق. إذا ظل الوضع على ما هو عليه، لا أعتقد أنه سيكون مستقبل لنا هنا.”