بين نوادي التعري والكازينو تقع كنيسة بروتستانتية التي أصبحت مأوى لعشرات اللاجئين الأفارقة. الجيران يعطونهم الطعام واللباس، ولكن هناك أيضا من يصرخ في وجههم "ارحلوا من هنا".

تقع الكنيسة في زاوية شارع ريفربان في مدينة هامبورغ، بجانب ناد للتعري، الذي بجواره ناد آخر للتعري ومقابلهم بالجهة الاخرى يوجد كازينو. على واجهة الكنيسة لافته تضمن تقديم الحلول لكل محتار أو طالب للارشاد في هذه المنطقة المعروفة بمنطقة الخطايا.

في الأشهر الأخيرة أصبحت الكنيسة مأوى لـ 80 لاجئ أفريقي، كلهم أجانب غير شرعيين بعيون السلطات الالمانية.

وقال راعي الكنيسة القس ويليام زيجارد، ان التاريخ يتكرر مرة أخرى في هذه المنطقة، التي رحبت بالسكان الفقراء الذين طردوا من مدينة هامبورغ عام 1813 (كانت آنذاك تابعة للدنمارك)، وبعد 200 عام يتكرر المشهد، الاشخاص الذين ابعدوا من مركز المدينة استقروا هنا.

ولكن هذه المرة لا نتكلم عن المدنيين الالمان الفقراء وانما عن مدنيين أفارقة، الذين كانوا في ليبيا وهربوا منها بعد اندلاع الحرب التي اطاحت بالعقيد القذافي، وطردوا من مخيم اللاجئين في جزيرة لامبيدوسا الايطالية ليجدوا انفسهم في شوراع شمال المانيا.

وقال راعي الكنيسة: " لقد رأيتهم أول مرة جالسين تحت نصب تذكاري ولم أتجرأ ان أقول لهم مرحبا، ولكني رأيت إمرأة تقترب منهم وتعرض عليهم القهوة الساخنة. فقلت بنفسي هذا ليس حلا، ولكنه يُظهر بعض الاحترام واللطف".

وعندما التقى القس معهم بالمرة الثانية، دعاهم الى الدخول الى حديقة الكنيسة اذا تعرضوا للشرطة. وبعد يومين وجد نفسه يشرب القهوة مع 30 لاجئ افريقي ويناقش أحوالهم.

وقال القس انه من ذلك الحين لم يتركوا الكنيسة، في الليلة الاولى كان هناك 30 شخص، وفي الليلة الثانية كانوا 80. ويتذكر القس انه في احدى الايام وصل عدد اللاجئين الى 120 شخص، حتى لم يعد بالامكان دخول المكان بدون ان تدوس على احدهم، كما وتشاجر اللاجئون فيما بينهم على كل بلاطة فارغة على ارضية الكنيسة. عندها قرروا الاعتذار والحد من عدد اللاجئين الى 80 شخص.

كنيسة في هامبورغ ملجئ للاجئيين افريقيين
(تصوير: AFP)

كنيسة بروتستانتية في هامبورغ - ملجئ للافارقة
(تصوير: AFP)

اللاجئون الافارقة
(تصوير: AFP)

الجيران ايضا ارادوا دعمهم، في اليوم الاول أتوا لمشاهدة الوضع وسألوا كيف يستطيعون المساعدة. اشخاص ارسلوا طعام وأكياس نوم، مقهى القهوة بالزاوية القريبة من الكنيسة قدم لهم الحساء. وقال القس ان الكثير من السكان ارادوا المساعدة، حتى الشرطة التي جالت بالمكان كان رأيها مختلف ولم أعرف ان كل هذا سيحصل.

الكنيسة اصبحت رمزًا، وايضا محور الانتقادات، وقال القس: "لم استطع التوقع من الذي يطرق على الباب، هل هو من الداعمين ام من الناقدين". وتابع: "أتذكر رجل واحد وقف مقابل الكنيسة ورفع لافته كتب عليها (اللاجئون لبيوتهم)، عندها قام الجيران بالصراخ عليه وأمروه ان يبتعد عن المكان. كما قام رجلان يتبعان لحركة نيو-نازيين باستغلال حقيقة انشغال المتطوعين وقاموا بالقاء زجاجات على الافارقة".

الان وبعد نصف سنة من النضال، وبعد اسابيع من تهديد الشتاء البارد للاجئين، تم احضار 8 حاويات سكنية للكنيسة التي تستطيع ان تضمن ليال دافئة لـ 24 شخصا. في البداية عارضت الدولة على الحاويات لانها غير قانونية، وشعر القس بالاهانة الشخصية له، وقال: "لقد اتهمونا بأننا مجرمين، لقد تحوّل الموضوع الى صراع بين الدولة والكنيسة".

في نهاية المطاف تقدمت الكنيسة لمحكمة صغيرة، حيث وافقت بأغلبية الاصوات من المحافظين والليبراليين والخضر على مصادرة القضية من السطلة المحلية.

مع تركيب الحاويات اتى العشرات من المدنيين الالمان للتطوع والابتسامة على وجوههم، عانقوا اللاجئين ورحبوا بهذا الانجاز الذي يضمن لهم التدفئة من الشتاء القارس.

حاويات سكنية
حاويات سكنية قبل التركيب، مصنوعة من خشب وبلاستيك، متر ونصف على اربعة امتار. (تصوير: بولينا جريب)

حاويات سكنية من الداخل
اللاجئون يدخلون الاثاث الى الحاويات السكنية الجديدة. (تصوير: بولينا جريب)

افارقة نيجيريون
افارقة نيجيريون: عندما اغلقوا مخيم اللاجئين في ايطاليا، وجدنا انفسنا بالشارع مرة اخرى. (تصوير: بولينا جريب)

القس ويليام
"نحن نساعد المحتاجين دون ان نفحص من يكونون او بماذا يؤمنون". القس ويليام (تصوير: بولينا جريب)

مع هذا لم يتشارك اللاجئون جميعا الفرحة ذاتها، لان الحاويات لا تكفي الجميع. الحاويات السكنية الجديدة تُقدم لأولئك الذين حصلوا على عرض الحكومة الأخير في المفاوضات التي جرت لتسوية اوضاعهم: "هم يقدمون المستندات الايطالية للسطات ويحصلون بالمقابل على اقامة مؤقته، حاليًا بدون الحق في العمل". الحديث هنا عن 60 شخص من أصل 300. أما الباقون فما زالوا يصارعون من أجل الاعتراف بحقوقهم كمجموعة، من دون تطرق السلطات الى القصص الشخصية لكل واحد منهم".

قال "فريدي اميتولا" وهو احد اللاجئين من نيجيريا: "هذا الاقتراح لا يضمن لنا المستقبل هنا، لان الدولة تستطيع ان تطردنا متى شاءت". وقال ان تصرف الكنيسة ليس أقل من الخيانة. وقال: "الكنيسة التي اخذت على عاتقها الاعتناء بـ 80 شخص فقط وليس بالجميع، تدعي ان هذا العرض هو الافضل لنا، لكننا غير موافقون على هذا العرض، الكنيسة لا تستطيع ان تتكلم باسمنا".
وقال فريدي: " ان الدولة حاولت تجاهلنا بالبداية، وقالت ان لنا حق اللجوء الى ايطاليا، ولكن الجميع يعرف المعاملة التي حصلنا عليها وكيف دفعونا الايطاليين لترك المكان، وحتى الحاويات السكنية هنا ليست سوى أكذوبة، وهي تمثل حلا فقط للذين وافقوا على اقتراح الدولة".

اما القس ويليم فقد رفض مطالب المعارضين وقال: "الكنيسة لا تقوم بهذا التمييز. نحن لا نحكم على الناس. نساعدهم دون التحقق من هم أو لأي دين يتبعون". وتابع بألم: "لا افهم لماذا يتهمونا بالتلاعب بهم، هم يتخوفون من ان تكون الحاويات سببًا لمراقبتهم من اجهزة الشرطة، لكننا لا نفعل هذا ابدا ولا نتعامل بهذه الطريقة".