يبدو أنّ حقيقة استقالة البابا من منصبه، وليس وفاته، تثير احتمالات مزعجة للفاتيكان. فالبابا بنديكتوس لن يكون منعزلاً وسيواجه حتمًا خليفته وهو ترتيب لم يسبق أن شوهد منذ قرون.

من المنتظر أن يتوجه البابا بنديكتوس السادس عشر عقب استقالته رسمياً من منصبه في قيادة الكنيسة الكاثوليكية يوم الـ 28 من شهر شباط (فبراير) الجاري إلى تلك القلعة التي تعرف باسم غاندولفو وتعتبر ملاذاً بابوياً صيفياً في التلال الواقعة خارج روما.

ويتوقع أن يبقي البابا، 85 عاماً، هناك لمدة تتراوح بين 15 و20 يوماً، حتى يتم اجتماع سري بين الكرادلة في المقر الخاص بالفاتيكان بغية الاتفاق على انتخاب بابا جديد.

وعلمت صحيفة التلغراف البريطانية بهذا الخصوص أن البابا، الذي لم يتضح ما إن كان سيعود آنذاك ليصبح الكاردينال جوزيف راتزينغر مثلما كان قبل انتخابه عام 2005، سوف يذهب للإقامة في دير هادئ داخل دولة الفاتيكان. وهو المبني المشيد بعيداً خلف حدائق الفاتيكان ذات المناظر الطبيعية عند أبعد حدود لأصغر دولة بالعالم.

وهو ما يعني أنه سيواجه حتماً خليفته، أياً كانت هويته، وهو ترتيب لم يسبق أن شوهد منذ قرون. وقال فريدريك لومباردي المتحدث باسم الفاتيكان بهذا الصدد "بالتأكيد لن يكون منعزلاً. بل سيكون له مطلق الحرية فيما يتعلق بالذهاب والمجيء".

ومضت الصحيفة تشير إلى أن حقيقة استقالة البابا من منصبه، وليس وفاته وهو في منصبه على غرار كثيرين ممن سبقوه، تثير احتمالًا مزعجًا بالنسبة للفاتيكان، حيث سيكون هناك اثنين من الباباوات وقد يحدث انقسام في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية.

ومعروف أن الكنيسة تعاني من ذكريات خاصة بالانقسامات على مدار تاريخها. وكان آخر بابا تقدم باستقالته محاولاً إنهاء مثل هذا الانقسام هو البابا غريغوري الثاني عشر.

وقال الفاتيكان إن بنديكتوس، وهو عالم لاهوت بارز، سيستمر في الكتابة. فيما قال جون ثافيز وهو أحد المراقبين المحنكين المعنيين بمتابعة الفاتيكان "لا يتقدم البابا عادةً باستقالته، لأننا نتساءل ما الذي سنفعله في ظل وجود اثنين من الباباوات. فما هو الدور الذي يجب أن يشغله البابا السابق، فهل يتعين عليه أن يبقى هادئاً بقية حياته؟ وماذا لو تحدث وخالف في الرأي خليفته؟ فحينها سيكون هناك اثنين من الباباوات".

ولفتت الصحيفة كذلك إلى أن بنديكتوس لم يسبق له أن كان ساعياً للاستحواذ على السلطة وربما سيرحب بالعودة إلى الحياة الهادئة سواء على صعيد الدراسة أو العبادة. وتابع ثافيز حديثه بالقول " لا أعتقد أنه سيتعمد اعتراض خليفته أو التكبر عليه".

وفي تقرير متصل، أكدت صحيفة واشنطن بوست الأميركية على ضرورة أن يحدد الفاتيكان ما الذي يجب أن يتوافر في بابا القرن الحادي والعشرين من صفات وسمات بعد رحيل بنديكتوس السادس عشر المتوقع أواخر شهر شباط (فبراير) الجاري.

وأضافت أن اختيار بابا جديد سيحظي في بعض النواحي بمزيد من القدرة على التأثير في مستقبل الكاثوليكية عن انتخاب الكاردينال جوزيف راتزينغر في العام 2005.

وبالنظر إلى الانقسامات التي شهدها العالم الكاثوليكي طوال مدة الثماني سنوات التي شغل فيها بنديكتوس السادس عشر منصب البابوية، فإنه قد بات يتعين على البابا الجديد أن ينتقي جمهوره بعناية وأن يحدد أفضل الطرق للتواصل معه دون تنفير بقية الأتباع.

وقال فيليب جينكينز الخبير في شؤون المسيحية العالمية لدى جامعة بايلور "إن كنت تدير مشروعاً، سواء كان ذلك منصب البابوية أو محل بيتزا، فعليك أن تنظر ما إن كنت تركز على جوهرك أو أين توسع نشاطك. ورغم أن الكنيسة الكاثوليكية تقوم بأداء رائع في بعض المناطق، إلا أن الجوهر يتهاوى. والسؤال من الذي ستناشدونه؟

ويبدو محتمل للغاية أن يكون اختيار الفاتيكان في القالب المحافظ، لكن هناك سمات أخرى كتنوع المرشحين المحتملين بشكل كبير في الأسلوب والخلفية وكذلك الجنسية، وهي النقطة التي بدأت تتزايد أهميتها مع زيادة تنوع وتعدد أتباع الكنيسة.

وقال مراقبون مقربون من الفاتيكان إن الكرادلة الذين سيختارون خليفة بنديكتوس يراقبون الداهية الإعلامي ورئيس أساقفة ميلانو، الكاردينال أنجيلو سكولا، وأعلى مسؤول بالفاتيكان مارك أوليه من كندا، وكذلك بيتر تيركسون من غانا.

وهناك أيضاً الكادرينال تيموثي دولان من نيويورك. وأشار جون ألين، الذي سبق له إعداد سبعة كتب عن الكنيسة الكاثوليكية والبابا، إلى أن العوامل الحقيقية وراء اختيار بابا جديد ليست من نوعية العوامل التي تُطرَح في البرامج الحوارية، بل أن أبرز الأولويات، بحسب ألين وآخرين، هي العمل من أجل جعل الكاثوليك مبشرين مرة أخرى.

وقال دينيس دويل وهو أستاذ دراسات دينية لدى جامعة دايتون بولاية أوهايو إن كثير من الكاثوليك الليبراليين يريدون ثمة شخص بمقدوره تقدير مجموعة واسعة من المناصب ويتسم بقدرته في الوقت عينه على المساهمة في التغلب على الاستقطاب.