تردّدت تراتيل باللغة القبطية القديمة في كنيسة القديس مرقس بإحدى ضواحي القاهرة، وسط أيقونات قديسين وجدارية للسيد المسيح والإنجيليين.

وكان رواد الكنيسة الذين تجاوز عددهم نحو 90 شخصاً، من النساء والرجال في سن الشباب ومنتصف العمر، مهندمين ليمثلوا جالية ميسورة الحال نسبياً في هذا الجزء من المدينة.

ومع ذلك، فإن الإحساس بالانتماء للمجتمع والأمن داخل الكنيسة تعارض مع وضع مشحون بالنسبة للمواطنين المصريين المسيحيين، والذين ينتمي أغلبهم للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وذلك قبيل أول انتخابات رئاسية يتوقع أن تكون حرة في البلاد.

وقال بيتر "26 عاما"، مندوب مبيعات طبية، إن "المجتمع المسيحي ليس متفائلاً بشأن هذه الانتخابات"، مضيفاً أن البرلمان المنتخب حديثاً "لم يحل أي من مشكلات البلد".

وكانت الأشهر الـ16 منذ قيام ثورة 25 كانون ثاني 2011 في مصر صادمة بالنسبة للمسيحيين الذين قد تبلغ نسبتهم أكثر من 10 في المئة من تعداد سكان مصر البالغ 80 مليون نسمة، ولا توجد احصائيات رسمية.

ووقعت سلسلة من الأحداث الطائفية المميتة في الأشهر اللاحقة للثورة مما زاد من شعور غير مريح بين المسيحيين الذين طالما اشتكوا من التمييز والتهميش.

وكان أسوأ تلك الأحداث وقع في تشرين الأول الماضي عندما قتل 27 قبطياً في اشتباكات بين قوات الجيش والمتظاهرين، فيما دعا التلفزيون الرسمي المواطنين للدفاع عن الجيش في مواجهة ما وصفه بهجمات الأقباط.

وأثارت التطورات السياسية منذ قيام الثورة قلق المسيحيين أيضاً. فقد فاز الإخوان المسلمون بما يقارب الأغلبية في الانتخابات البرلمانية وجاء السلفيون المتشددون في المرتبة الثانية بعد حصولهم على نحو ربع الأصوات. وجرى انتخاب اثنين فقط من الأقباط من أصل 498 عضوا بمجلس الشعب.

وحرصت جماعة الإخوان المسلمين على طمأنة المسيحيين. وقد حضر عدد من كبار قادة الجماعة احتفالات عيد الميلاد وكذلك جنازة البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، في آذار الماضي. ولكن لا يزال الكثيرون منهم يشعرون بالقلق قبيل انتخابات الرئاسة التي من بين أبرز المرشحين فيها إسلاميون وهما مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي والقيادي الإخواني السابق عبد المنعم أبو الفتوح.

وتقول مريم، وهي معلمة مدرسية مسيحية، "أعتقد أن الغالبية العظمى من المسيحيين في مصر يريدون انتخاب شخص لا صلة له بالسلفيين أو الإخوان المسلمين.. أنا وعائلتي نريد المشاركة في الانتخابات طالما لا توجد أية ألعاب قذرة". وتظهر الحساسيات جلية في حي شبرا الشعبي حيث يوجد عدد كبير من المسيحيين المصريين.

ويقول بيتر إن بعض المسيحيين يفكرون على نحو متزايد في الهجرة وتقريباً جميع من يعرفهم يفكرون في المغادرة.

وقال "يفكر الشباب دون الثلاثين عاما في الهجرة الآن، حتى إذا حصلوا فقط على تأشيرة سياحية ثم يطلبون حق اللجوء. أما أولئك الذين تزيد أعمارهم عن 30 عاماً ولديهم وظائف مستقرة، فتتملكهم الحيرة بين البقاء هنا حيث الوضع مستقر أو البدء من جديد في بلد آخر. ولكنهم يفكرون بجدية". ويتفق معه صالح "34 عاما" مصور. ويقول صالح إن "المجتمع المسيحي خائف للغاية. لقد كان الرئيس السابق حسني مبارك الحامي لنا في مواجهة الإسلاميين".

ولكن الأب رفيق جريش المتحدث الرسمي باسم الكنيسة القبطية الكاثوليكية في مصر، يبدو أكثر توازناً.

وقال إنه "مثل كل المصريين، نأمل في الانتقال إلى مرحلة الرئاسة في أقرب وقت ممكن. فلقد كانت الفترة الانتقالية طويلة وصعبة بالنظر لكل ما حدث.. لسنا متفائلين للغاية، ولكننا لسنا متشائمين للغاية أيضاً".

وأضاف "نقول للمسيحيين لا تهاجروا لأن لدينا مهمة في بلدنا. نريد أن نكون جزءا من الجمهورية الجديدة .. للأسف يعتمد المسيحيون دائما على الدكتاتورية لحمايتهم.. الآن عليهم أن يتعلموا أن يقاتلوا –سلمياً– من أجل حقوقهم".

واتفق جميع الذين تحدثت معهم وكالة الأنباء الألمانية أن معظم المسيحيين سيصوتون لوزير الخارجية الأسبق عمرو موسى أو قائد القوات الجوية الأسبق الفريق أحمد شفيق.

وأدى وصف أبو الفتوح بأنه إسلامي معتدل بالبعض لأن يعتقد أنه المرشح الذي يمكن سد الفجوة السياسية في البلاد. وأعلن الناشط المسيحي البارز شريف دوس الذي يرأس هيئة الأقباط العامة تأييده للعضو السابق بجماعة الإخوان المسلمين. ولكن الدعم الذي حصل عليه أبو الفتوح مؤخراً من السلفيين قد أثار مخاوف الناخبين المسيحيين.

وقال الأب جريش "من اللحظة التي تحالف فيها أبو الفتوح مع السلفيين، قرر العديد من المسيحيين التصويت ضده".

وبعد القداس في كنيسة القديس مرقس، قلل الأب ديفيد أيضاً من شأن الحديث عن الهجرة قائلاً إنه بعد الثورة "هناك قدر ما من الحرية الآن".

وأضاف أن المسيحيين يعانون بالفعل من التهميش. "ولكن كان هذا هو الحال لسنوات عديدة. اعتقد أن الوضع سيتحسن في حال إجراء انتخابات حرة تأتي برئيس جيد. واعتقد أن هذا سيحدث. وفي غضون سنوات قليلة، قد يحصل الأقباط على حقوقهم".

د ب أ