الحجاب.. البرقع.. النقاب.. مصطلحات تمتلئ بها مختلف وسائل الإعلام الأوروبية السمعية البصرية والمكتوبة خلال الأسابيع الأخيرة، حيث أصبحت تشكل عنصرا رئيسيا في النقاش السياسي والثقافي في مختلف دول القارة العجوز علاوة على أنها مادة دسمة للتحليل والتنظير.

وتتمحور أساسا حول الإسلام ومدى إمكانية تعايشه مع الغرب وفق رؤية الغربيين، في حين يعتبرها المسلمون مقياسا لمدى تقبل الغرب لتقاليد الآخر. وبدأ الجدل وما يرافقه من تعصب من هذا الطرف أو ذاك يأخذ طابع 'حرب التقاليد'.

فقد عاشت اسبانيا خلال الثلاثة أسابيع الماضية نقاشا حادا حول الحجاب بعدما تم طرد تلميذة اسبانية من أصل مغربي اسمها نجوى الملهى من المدرسة بسبب ارتدائها الحجاب. وانتهت حالة نجوى بتطوع مدرسة تقبلها في الفصل بالحجاب معتبرة أن الحق في التعليم يسمو فوق جميع الاعتبارات الأخرى. ولكن هذا لم يـُنـْه ِ الجدل حول الحجاب.

وفي تطور آخر، فاجأت بلجيكا الرأي العام الدولي بتصويت برلمانها على قانون يمنع ارتداء النقاب في الأماكن العمومية.

بلجيكا التي تعيش أزمة سياسية حقيقية بعد استقالة حكومتها واحتمال انقسام البلد إلى قسمين بسبب التناحر اللغوي والسياسي وجدت الوقت السياسي للتصويت على منع النقاب بل ودعوة دول أخرى للاقتداء بها بدل انكبابها على البحث عن آليات إرساء التعايش بين الجانب الفلاماني والفرنكفوني. والمثير أن البرلمان قرر التصويت وبالإجماع التام، وكأن الأمر يتعلق بدولة ديكتاتورية، على قرار حظر النقاب تحت طائلة العقوبات المالية والسجنية.

وعمليا، فدول أخرى مثل إيطاليا وهولندا ستستجيب لدعوة بروكسيل لا سيما وأن أغلب أحزابها توظف الهجرة الإسلامية في خطابها الانتخابي، في حين تعيش فرنسا وكما كتبت جريدة لوموند مؤخرا رهينة للنقاش السياسي حول النقاب بعدما كان رئيس الدولة نيكولا ساركوزي قد جعل منه ركيزة أساسية في خطابه السياسي طيلة السنتين الأخيرتين. وستكون فرنسا هي الدولة الأوروبية الثانية السائرة نحو منع النقاب بعقوبة تصل إلى سنة وغرامة تصل إلى 15 ألف يورو.

ويأتي هذا، في وقت يكشف فيه استطلاع للرأي شمل مجموع الدول الأوروبية عن رفض أغلبية الأوروبيين بنسبة تقارب 70' للحجاب الإسلامي في المدارس والمؤسسات العمومية وبنسب من دولة إلى أخرى، أدناها اسبانيا بحوالي 48' والأكثر تطرفا بولونيا بتجاوز 80'.

في المقابل، يقبل هذا الرأي العام الأوروبي في غالبيته بتعليق الصليب في المدارس رغم أن بعض دوله وأساسا فرنسا جعلت من العلمانية دينا جديدا ينافس الديانات.

وإذا كان الإسلام دائما حاضرا في هذه النقاشات، ويستحضره سياسيو وبعض محافظي مثقفي الغرب للتأكيد على عدم ملاءمة هذه الديانة مع القيم الأوروبية وبالتالي الترويج لعدم اندماج الجاليات المسلمة في مجتمعات القارة العجوز وما ينتج عن ذلك من خطاب لتحجيم الهجرة والتشدد فيها، فالجانب العربي والإسلامي يرى فيها حملة تستهدف قيمه وأساسا تقاليده. ويرتكز خطاب المسلمين حول الحرية الفردية التي يؤمن بها الغرب للدفاع عن تشبثهم بالحق في ارتداء الحجاب والتسامح مع النقاب.

والظاهرة الأبرز التي يخلفها الجدل الدائر هذه الأيام حول الحجاب وأخواته من برقع ونقاب هو تعليقات القراء في مختلف وسائل الإعلام الكبرى من الباييس ولوموند ولوفيغارو وكوريو ديلسييرا.

ويستخلص المرء بعد قراءة هذه التعليقات وجود حرب حقيقية حول التقاليد في أوروبا، وبالتالي يمكن تسمية الوضع الراهن بـ 'حرب التقاليد الإسلامية-المسيحية' أو حرب التقاليد الاسلامية-العلمانية' في القارة العجوز.

حسين مجدوبي/مدريد ـ القدس العربي