يروي ألاسداير بالمر أنّ والد راشن سودماند شُنق في إيران قبل ثمانية عشر عاماً لإعتناقه المسيحيّة. واليوم، يوجد شقيقها في سجن مدينة مشهد منتظراً تنفيذ حكم الإعدام فيه، عملاً بالقوانين الدينية الجديدة التي تمّ إقرارها هذا الصيف.

قبل شهر، أقّر مجلس النواب الإيراني مشروع قانون تحت عنوان "قانون العقوبات الإسلامي"، يحكم بالموت على كل إيراني (ذكر) يتخلّى عن ديانته الاسلامية، فيما يحكم على النساء (اللواتي يتخلين عن الإسلام) بالسجن المؤبّد. وقد نال هذا القانون موافقة الأكثرية من النواب، فصوّت 196 لصالح إقراره، مقابل معارضة سبعة أصوات فقط.
ويُعتبر فرض عقوبة الإعدام على كل من يغيّر ديانته خرقاً فاضحاً لأحد أهم حقوق الإنسان؛ فالحق في حرية المعتقد الديني مكفول في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية، كما وفي المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان. حتى أن الدستور الإيراني ينصّ في المادّة 23 منه على ضرورة ألاّ يتعرّض أي كان للمضايقة بسبب معتقداته وحسب.

رغم ذلك، قلّة من السياسيين ورجال الدين في إيران يرون تعارضاً بين إقرار قانون ينص على فرض عقوبة الموت على من يغيّر ديانته، وبين الدستور الإيراني. علماً أنّ الشعب الإيراني أيضاً لم يبدِ أي اعتراض على القانون الجديد.

وبين قلّة من السياسيين الغربيين، سجّل وزير الخارجية البريطاني دايفد ميليباند اعتراضه على جعل تغيير العقيدة الدينية جريمة عقوبتها الإعدام. فيما لم يسجّل أي احتجاج من الإتحاد الأوروبي، بل إن ألمانيا، أكبر شركاء إيران في التجارة الخارجيّة، ضاعفت من صفقاتها التجارية مع إيران، بينما كان الأبرز إلتزام الأمم المتحدة الصمت التام.

وهذا إنما يدل على الإهتمام الضئيل بنية إيران إطلاق حملة من الإضطهاد الديني، بحيث غاب خبر تصويت البرلمان الإيراني على القرار عن وسائل الإعلام. غير أنّ قرار البرلمان الإيراني الجديد هذا يحتلّ سلّم أولويات إحدى السيّدات التي تعيش في لندن؛ فوالد راشن سودماند البالغة 29 من العمر عاماً، حسين سودماند كان آخر رجل أُعدم في إيران لإرتداده عن الدين الإسلامي، علماً أنّه كان قد اعتنق المسيحيّة في العام 1960 حين كان لديه من العمر ثلاثة عشر عاماً، لتقوم السلطات الإيرانية وبعد مرور ثلاثين سنة بشنقه بسبب قراره.

واليوم، يقبع رامتن شقيق راشن في زنزانة في سجن مشهد، أهم المدن الدينية في إيران. وقد تمّ اعتقاله في 21 آب الماضي، وتهمته الوحيدة هي اعتناق المسيحيّة. وتتخوّف شقيقته راشن من أن يصبح أخاها بين أول من سيُطبق عليهم القانون الجديد، تماماً كما كان والدها آخر رجل يُعدم لمعتقده الديني في إيران.

ولا عجب أن راشن قلقة جداً، وتشرح حالها قائلة "أنا قلقة جداً عليه، فرغم أن شقيقي لا يُعد مرتداً لأنه لم يعتنق الإسلام يوماً- فوالدي قام بتربيتنا كمسيحيين- إلا أني لا أعتقد أنه بمأمن. إنّهم يعتقدون أنّ كونك إيرانياً يعني أنه يجب تكون مسلماً".

ويُذكّرها وضع شقيقها الحالي بالمصير المشؤوم الذي لاقاه والدها. فقد كانت راشن في الرابعة عشر من عمرها عندما اعتُقل والدها، وتتذكّر أنّه "اعتقل مدّة شهر، ومن ثمّ أطلقت الشرطة الدينية سراحه بدون أي تفسير أو اعتذار، ففرحنا كثيراً، ظنّاً أنه تجاوز المحنة".

ولكن بعد ستة أشهر، عاودت الشرطة اعتقال والدها، لتضعه هذه المرة أمام خيارين: إمّا التخلي عن إيمانه الديني، وترك الكنيسة التي كان راعيها، أو الموت"، وتضيف راشن بفخر "بالطبع رفض والدي التخلي عن إيمانه الديني، إذ لا يسعه التخلي عن إلهه، فإيمانه بالمسيح كان كل حياته ـ وكان إيمانه الراسخ". ولم يمضِ أسبوعان حتى أتت الشرطة واقتادته لتنفيذ حكم الإعدام فيه.

وهكذا أضحت حياة راشن وأشقائها وأمها في غاية الصعوبة. فبعض المسلمين يكنوّن عدائيّة شديدة لأصحاب المعتقدات الدينية الأخرى، فما بالك بمن يعتبرونهم مرتدّين، لقد أعلن آية الله الخميني أنّ "غير المسلمين غير طاهرين"، مشدداً على أنّ قيام المسلمين بغسل ثياب من ليسوا بمسلمين، أو تناولهم الطعام معهم، أو حتى استخدامهم ادوات مسَّـتها يد غير مسلمة، من شأنه أن ينجّسهم.

وتولّت إحدى الكنائس المسيحية الموجودة في إيران دعم العائلة ومدّها بالمال والعون، لتصبح لاحقاً بحاجة الى دعم أكبر بسبب بدء فقدان الأم لبصرها. وأخيراً تمكّنت راشن من مغادرة إيران، وهي تعيش الآن في لندن، ومتزوجة من مسيحي إيراني نجح في الحصول على حق اللجوء السياسي الى ألمانيا.

مرّ سنوات قبل أن تتمكّن راشن من فهم كيفية إعدام والدها بشكل قانوني لأنّه اعتنق المسيحية فحسب. ففي عام 1990 حين أُعدم، لم يكن ثمّة قانون ينص على إعدام المرتدين، فعلام تمّ الإستناد قانونياً لإصدار الحكم في حسين سودماند؟

يشرح ألكسا بابادوريس من منظمّة التضامن المسيحي العالمي، وهي منظمة متخصّصة في حرية الدين أنه "وبعد ثورة 1979 في إيران، أراد حكّامها الجدد تحويلها الى دولة إسلاميّة، وإلغاء قوانين الشاه العلمانيّة. ولذلك قام رجال الدين بتفويض القضاة الذين يحكمون في القضايا الإجرامية، بالبت في القضايا التي لا يتوفّر في قانون العقوبات الحالي أي تشريع لها، أو في أي سلوك معيّن يعتبر جريمة، عبر الرجوع الى الأعراف الإسلامية التقليدية"، أي الشريعة الإسلامية.

ويقول بابادورس: "لقد خلق ذلك مشاكلاً على الفور، لأن قانون الشريعة الإسلامية ليس قانوناً مدوناً، بل هو سلسلة من الصيغ التي تطورت مع الأجيال على يد الفقهاء ورجال الدين. وهي تختلف وتتعارض حسب المدارس الإسلامية ووفقاً للحقبة التاريخية".

غير أن الأمر الذي لا يحتمل أي لبس في قانون الشريعة الإسلامية هو أن "الرجال الذين يرتدون عن الإسلام يعاقبون بالموت، وعليه، فالقاضي الذي كان يحاكم والد راشن استند على الشريعة الإسلامية لإصدار حكمه الجازم: وهو عقوبة الموت، ولم يكن ثمة مجال للإستئناف".

غير أنّه، في الـ 18 سنة التي تلت إعدام حسين سودماند، لم يحكم القضاء على أي أحد بالموت بسبب تغيير ديانته في إيران، على الرغم من تعدد التقارير عن حالات الإختفاء وحتى القتل. ويلفت بابادوريس الى أنه "مع تزايد أعداد المرتدين عن الإسلام في إيران، عادت قضية تغيير الديانة لتقلق الحكومة الإيرانية"، حيث يعيش في إيران 10000 معتنق جديد للمسيحية، بالإضافة الى بضع مئات الألوف من البهائيين الذين يعتبرون مرتدين ايضاً.

وهناك عامل آخر لعب دوراً في هذا القرار ألا هو الرئيس الإيراني الحالي محمود أحمدي نجاد، إذ يرى بابادوريس أن "الرئيس الإيراني لم يقم بإطلاق مشروع قانون تنفيذ عقوبة الموت بالمرتدين، لكنّه كان يضغط على مجلس النواب لتبنيه، وفي ذلك شكل فعّال من ممارسة السياسة التي تؤثّر على الشعب. فالإقتصاد الإيراني في تراجع، والبلد في حال من الفوضى، ولعلّ أحمدي نجاد اعتبر أن باستطاعته كسب تأييد الشعب وتحويل نظره عن مشاكل إيران، عبر ملاحقة واضطهاد المرتدين عن الإسلام".

قانون إعدام المرتدين عن الإسلام لم يُوضع بعد موضع التنفيذ في إيران حتى الآن، ويحتاج ذلك إلى تصويت جديد في البرلمان، ومن ثم توقيع آية الله الخامنئي عليه، لكن ذلك ممكن أن يتم في غضون أسابيع معدودة. أو، حسب قول بابادوريس، "قد يتم إلغاؤه، إذا علت صيحات الإحتجاج عليه دولياً".

الوقت ينفذ من حياة شقيق راشن، وهي تعتقد بأن هذا القانون سيُطبّق بشكل اعتباطي،اطلب صلاة خاصة، حيث سيم اختيار بعض الأفراد وقتلهم لتخويف الآخرين وحملهم على الخضوع. وهذا ما يدعوها للخوف على شقيقها، وتقول: "لا نعلم ماذا سيحدث له. إننا نعلم فقط أنهم إذا ما أرادوا قتله، فهم لن يتراجعوا وسيقتلوه".

عن لبنان الان