كم إسمًا لك أخي القارئ؟ إسمان؛ الأوّل مُدوَّن في بطاقتي الشخصية والثاني مدوّن في شهادة المعمودية. الأوّل يكشف عن هويتي الوطنية والثاني يكشف عن هويتي الروحية. حتى التلاميذ والرسل الذين اٌتّبعوا يسوع الناصري قد أُعطوا أسماء جديدة لأنهم وُلِدوا ولادة جديدة؛ خلعوا الإنسان العتيق ولبسوا الإنسان الجديد. شكرًا، أحسنت. لكن هل لك أن توضح لي: لماذا دُوِّن اٌسمك رُباعيًّا مع إضافة اسم الأمّ؟ للتمييز بين الشخصيّات المتطابقة بالإسم، إذ يسُرّ بعضَ الناس إطلاق عدد من أسماء المشاهير على بنيهم وبناتهم. والجدير ذكره بالمناسبة قيام الوالدين في التقليد اليهودي بإطلاق اسم مريم على بكور البنات، إيمانًا منهما بأن المسيح يولد من عذراء اسمها مريم. ألا ترى معي أنّ هذه المعلومة غير واردة في الكتاب المقدّس؟ صحيح؛ لأنّ محور الكتاب كلّه هو المسيح. لهذا قلتُ لك في التقليد وما قلت في الكتاب. فإذا كانت كتب العالم لا تسع جميع ما عمل يسوع (يوحنّا ۲٥:۲۱) فكيف يسع كتاب واحد لتدوين جميع الأخبار؟ لعلّ التقليد يُفسِّر لنا وجود ستّ نساء في الأقلّ ممّن يَحْمِلن هذا الإسم في الكتاب المقدّس، ابتداءً بمريم النبيّة بنت عمرام وأخت موسى النبيّ وهارون الكاهن. علمًا أنّ اسم مريم قد ورد ٥۹ مرّة ٥۱ مرّة منها في العهد الجديد، ما لم يَحْظ به اسمٌ نسويّ آخر في الكتاب المقدّس

هل لي أن أسألكِ أختي القارئة عن اٌسم الله، ما اٌسمُه؟ إسمُه الله جلّ قدرُه وهو لا يحتاج إلى اسم آخر للتعريف به؛ لهُ صفات لا تحصرها كلمات، منها الحيّ والواحد والحقّ والمُحْـيي، إنما يُقصِّر الإنسان في تحديد صفاته وإحصائها، لأنّ الله أزلي وأبدي لا حدود له زمنية ولا مكانية، كائن مطلق الوجود، عملُهُ مستمِرّ ما توقـف لحظة ولن يتوقـف. لهُ صِفاتٌ ذاتية قد اتصف بها وحده؛ كالقدّوس والصّالح والديّان والغفور والمنتقِم الذي له النقمة. ولهُ صِفات أخرى أعطى منها للإنسان؛ كالمُحبّ والرؤوف والحكيم. لكنّ اسمه مختلف بحسب لغات الشعوب؛ آلوهو في السّريانيّة وآلاها في الكلدانيّة ويهوه في التوراة العِبْريّة وثيوس في اليونانية الذي اشتقّت منه ثيولوجيا أي اللاهوت وهو عِلم الله

شكرًا أختاه، أحسنتِ. لكِنْ مَن كان في رأيِكِ أوّل مَن ذكر اٌسْمَ الله العربيّ ومتى؟ دعني أقتبس لكَ مِن كتاب النصرانية وآدابها بين عرب الجاهليّة- القسم الثاني- للأب اليسوعي لويس شيخو؛ إذ ذكر في ص ۱٥۹ التالي: {أمّا علماء اللغات السّاميّة فيُجْمِعُـون على أنّ هذا الإسم مشتق مِن أصل آرامي «إيل» مُفخّم بزيادة الهاء فجاء بالكلدانية والسريانية على صورة «آلَهَا» فقالوا بالعربيّة «الله» بلام أصليّة مفخّمة... ولمّا كانت النصرانيّة دخلت إلى بلاد العرب خصوصًا مِن جهات الشام وتمكنت بين أحياء النَّبَط أطلقوا اسم الله في لهجتهم على الإله الحق كما شاع بين طوائف السّريان ونقلوه في أسفار العهدين القديم والحديث منذ اوائل القرن الثاني للمسيح. وخلاصة القول أن اسم الله دخل في جزيرة العرب بنفوذ النصرانيّة خصوصًا. وعليه قد تكرر هذا الإسم الكريم في الشعر الجاهلي الذي كان معظمه لشعراء نصارى من قبائل نصرانيّة كربيعة وبكر وإياد وغيرهم... ولا نرى حاجة إلى ذكر أمثلة عديدة لهذه الحقيقة لثباتها وكثرة استعمال اسم الله في ذلك الشعر. أمّا بقية آلهة العرب فقلّ ما وَرَدَ ذِكرُها إذ كانت الديانة الوثنية قد تقلّص ظلّها قبل ظهور الإسلام} انتهى

أصَبْتِ يا أختاه، علمًا أني قرأت شعرًا عربيًّا قديمًا وَرَدَ فيه ذِكرُ الله كثيرًا. سأختار من القرن الخامس الميلادي ما للشاعر البَرّاق (ت ٤٧۰ م) لمّا سبى العَجَمُ ابنة عمِّهِ الشاعرة النصرانيّة ليلى العفيفة
أمِن دُون ليلى عَـوَّقـتْـنا العـوائقُ -- جُـنودٌ وقـفرٌ ترتعـيهِ النقانقُ
رَمَى اللهُ مَن يرمي الكعَاب برِيبةٍ -- ومَن هُوَ بالفحشاء والمَكرِ ناطِقُ

أمّا "أسماء الله الحُسنى" التي ورد ذكرها في أربع سُور قرآنية، كما ورد في حديث أنّ عددها ۹۹ إسمًا (رُوِيَ في الصّحيحَين وفي سُنن الترمذي وفي مُسْند أحمد) قد ورد منها كثير في قصائد شعراء النصرانية قبل الإسلام. سأقتطف من قصيدة داليّة لأمَيَّة بن أبي الصَّلت (ت ٦۲٤ م) التالي
لـكَ الـحَمدُ والنعماءُ والمُلكُ رَبَّنا -- فـلا شيءَ أعلى مِنكَ مَجْدًا وأمجَدُ
مَـليكٌ عَلى عَرشِ السَماءِ مُهيمِنٌ -- لِـعِزَّتِهِ تعنو الوجوهُ وتـسجُدُ
عـليهِ حِجابُ النورِ والنورُ حَولَهُ -- وأنهارُ نور حولهُ تتوقدُ
فـلا بَـصَرٌ يَـسمو إليهِ بطرْفِهِ -- ودون حِجاب الـنور خلْقٌ مُؤيَّدُ
مَـلائِكة أقدامُهُم تحت عَرشِهِ -- بكفّيهِ لـولا اللهُ كَلّوا وأبلدوا
أمينٌ لِوَحيِ القُدسِ جبريلُ فيهِم -- وميكالُ ذو الرّوحِ القوِيُّ المُسَدَّدُ
مَلائِكة لا يَفترون عِـبادة -- كرُوبيَّة مِـنهُم رُكوعٌ وسُجَّدُ
فساجِدُهُم لا يَرفعُ الدهر رَأسَهُ -- يُـعَـظِّمُ رَبّــاً فوقهُ ويُـمَجِّدُ
وراكِـعُهُم يَعنو لَهُ الدَهرَ خاشِعاً -- يُرَدِّدُ آلاءَ الإلهِ ويَـحمَدُ
فسُبْحَان مَن لا يَعرِفُ الخلقُ قدرَهُ -- ومَن هُوَ فوق العَرشِ فردٌ مُوَحَّدُ
هو اللَهُ باري الخلقِ والخلقُ كُلُّهُم -- إماءٌ لهُ طوعاً جميعاً وأَعبُدُ
وأنَّى يَكونُ الخلقُ كَالخالِقِ الذي -- يَدومُ ويَبقى والخليقة تنفدُ
ولـيسَ لِـمَخلوقٍ مِن الدَهرِ جِدَّةٌ -- ومَن ذا عَـلى مَرِّ الحَوادِثِ يَخلُدُ
ونفنى ولا يَبقى سِوى الواحِدُ الذي -- يُمِيتُ ويُحْيي دائِباً ليسَ يَهمُدُ
تُسَبِّحُهُ الطيرُ الجَوانِحُ في الخفى -- وإِذ هِـيَ فـي جَـوِّ السَماءِ تُصَعِّدُ
ومِـن خوفِ رَبّي سَبَّحَ الرَّعدُ فوقنا -- وسَبَّحَهُ الأَشجارُ والوحشُ أُبَّدُ

وقال أمَيَّة- من بحر الوافر: فكلّ مُعمّر لا بُدّ يومًا -- وذي الدنيا يصيرُ إلى زوالِ
ويفنى بعد جدّتِهِ ويبلى – سوى الباقي المقدّس ذي الجلالِ
ومن بحر البسيط: الوارثُ الباعثُ الأموات قد ضمنتْ -- إيّاهُمُ الأرض في دهر الدهاريرِ

وأقتطف ممّا لزيد بن عمرو بن نفيل- من البسيط، عن الإتقان للسيوطي ص ۱٥٤
إنّ الإله عزيزٌ واسِعٌ حَكَمٌ -- بكفّه الضرّ والبأساءُ والنِّعَمُ

وممّا لورقة بن نوفل- من البسيط، عن كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ۱٤:۳
سُبحان ذي العَرش سُبحانًا يُعادلُهُ -- رَبّ البريّةِ فرْدٌ واحِدٌ صَمَدُ
مُسَخّرٌ كلّ ما تحت السّماء لهُ -- لا ينبغي أن يناوي مُلكهُ أحَدُ
لا شيء ممّا نرى تبقى بشاشتهُ -- يبقى الإلهُ ويُودي المالُ والولدُ

وممّا للأعشى قيس- من الكامل: ربّي كريمٌ لا يكدّر نِعْمَة – فإذا تنوشِدَ في المهارق أنشدا
وقال- من الرَّمَل- مُشيرًا إلى رحمة الله: فلئِنْ ربُّكَ مِن رحمتِهِ -- كشف الضِّيقة عنّا وفسَحْ
والمزيد في الكتاب المذكور أعلى للعَلّامة لويس شيخو- سألتُ الله له المغفرة والرحمة

فإن اٌدّعى معترض باحتمال قيام أميّة بن أبي الصّلت- وغيره- بأخذ أبيات القصيدة من القرآن فرَدُّنا عليه قد يقضّ مَضْجعَهُ، لأنّ الشاعر كان مِن أشراف قومِهِ والشريف لا يسرق! وإلّا لما سكت عنه المسلمون. نقرأ في سيرة أميّة أنه كان يمارس التجارة بين الشام واليمن طوال حياته ويرتاد الأديرة والكنائس. وذكر صاحب الأغاني أنّ أميّة {نظر في الكتب وقرأها ولبسَ المُسُوحَ تعبُّدًا} وذكر ابن دُرَيد أنّ أميّة {قد دارَسَ النصارى وقرأ معهم ودارس اليهود وكلّ الكتب قرأها ولم يُسْلِم} وذكر الأب لويس شيخو في شعراء النصرانيّة ج۱ نقلًا عن مراجع اسلاميّة أنّ أميّة {كان مع قُرَيْشَ لمّا ظهر الإسلام فقاوم محمّدًا وحَرّضَ قريش. فلمّا أنْ سافر إلى الشام وعاد إلى الحجاز عَقِب وقعة بدر، مَرّ بالقلِـيب (وهو بئر) فقيل له أنّ فيه قتلى بدر ومنهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وهما ابنا خال أميّة. فجَدَعَ أذني ناقته وقال قصيدة رثى بها مَن قُتِل مِن قريش ببدر وحَرّضَ قريش على أخذ الثأر} فإذا ما أراد الشريف الأخذ فإنه يعرف من أين يأخذ وكيف يأخذ. لكني لا أظنّ بشعراء كبار مثل أميّة وامرئ القيس والنابغة يأخذون من أحد، إنما العكس وإلّا لما عُدّوا كبارًا بالإجماع. وقد روى اٌبن هشام في السيرة النبويّة م ۳ قصيدة أمَيّة الرّثائيّة (نقلًا عن ابن إسحق) تاركًا منها بيتين، قائلًا (أنّ أميّة نال فيهما مِن أصحاب الرسول) أقتطف منها التالي
ألّا بَكيْتَ على الكِرام بَنِي الكرام أولي المَمَادِحْ
كبُكا الحَمَام على فروع الأيكِ في الغُصُن الجَوانِحْ
ماذا ببَدرٍ والعَقنــقلِ مِن مَرازبةٍ جَحَاجحْ
أنْ قد تغيّرَ بَطنُ مَكّة فهْيَ مُوحِشة الأباطِحْ
مِن كُلّ بَطريقٍ لِبَطــريقٍ نقِيّ اللون واضحْ
القائِلين الفاعِليــن الآمِرين بكُلِّ صالحْ
خذلتهُمُ فِئةٌ وهُمْ -- يَحْمُون عَـوراتِ الفضائحْ
الضاربين التقدُمِيّة بالمُهَـنَّدةِ الصفائِحْ
ولقد عَناني صوتُهُمْ -- مِن بين مُسْتسْقٍ وصائِحْ
للهِ دَرّ بَنِي عـليٍّ أيِّمٍ مِنهُمْ وناكِـحْ
إن لمْ يُغِيْروا غارة -- شعواءَ تُحْجرُ كلّ نابحْ
مُرْدًا على جُرْدٍ إلى -- أُسُدٍ مُكالِـبةٍ كوالحْ
ويُلاق قِرْنٌ قِرنهُ -- مَشْيَ المُصافِحِ للمُصافِحْ
بزهاء ألفٍ ثم ألـفٍ بين ذي بَدَنٍ ورامِحْ

والقصيدة من مجزوء الكامل. والعقنقل مَوضِعٌ قرب بدر. والبَطريق: البطريرك. سأقوم بمعارضتها أي مقابلتها بقصيدة- قريبًا- أمّا الألفاظ النصرانيّة الأخرى، في لغة العرب، المُستعارة من الأسفار المقدّسة فكثيرة جدًّا، منها أسماءُ الأعلام والصِّفات؛ أكتفي الآن بما قال النابغة الذبياني مادحًا النعمان بن المنذر
ألمْ ترَ أنّ الله أعطاكَ سُورة – ترَى كُلَّ مَلْكٍ حَولها يتذبذبُ
ومادحًا دين بني غسّان أي الغساسنة وهُمْ والمناذرة من المسيحيين
مَجَلَّتُهُمْ ذاتُ الإله ودِينهمْ -- قوِيمٌ فما يرجُون خيرُ العواقبِ
البيتان من الطويل. والمَجَلَّة: أسفار الوحي عند نصارى ذلك الزمان
وقد ذكر تاليًا يومَ السَّباسِب وهو أحد السعانين (الشعانين) السّابق لأحد القيامة
رقاق النِّعَال طيِّبٌ حجزاتهُمْ -- يُحيُّون بالرَّيحان يوم السَّباسِبِ

وقال أمَيَّة بن أبي الصَّلت (عن الأغاني والإتقان) من بحر الخفيف
إنّ يومَ الحِساب يومٌ عظيمٌ -- شابَ فيه الصغير شيبًا طويلا

وقال زهير بن أبي سُلمى في مُعلّقته
فلا تكتُمُنَّ اللهَ مَا فِي صُدُورِكُمْ -- لِيَخفى ومَهْمَا يُكتَم اللهُ يَعْلَمِ
يُؤَخَّرْ فيُوضَعْ فِي كِتاب فيُدَّخرْ -- لِيَومِ الحِسَاب أوْ يُعَجَّلْ فيُنْقمِ

ذلك بالإضافة إلى أسماء الأنبياء وأخبارهم والأمثال المنقولة بتصرّف مِن الكتاب المُقدَّس
مع أطيب المنى

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا