(لوقا 18: 9 - 14)

"الصلاة إلتصاق بالله في جميع لحظات الحياة ومواقفها، فتصبح الحياة صلاة واحدة بلا انقطاع ولا إضطراب" (القديس باسيليوس الكبير).

الفريسي والعشار

تمتاز الحياة المسيحية بأنها صلة مع الله الآب، الإنسان المؤمن يتواصل ويتحدث مع الله، وهذا ما نسميه ب"الصلاة".

الصلاة عنصر أساسي في حياتنا، وهي بمثابة الهواء الذي نستنشقه، فكما أن الجسد بدون هواء يموت، هكذا الروح بدون صلاة تُطفأ وتموت. إنَّ للصلاة قوة عظيمة، فإن سَجَدتَّ على الأرض وصليت فأنت تُحرك السماء، وتجعل يد الله تفتح وتصنع المعجزات. وتمتلأ صفحات الكتاب المقدس بآيات عن الصلاة، مثل سفر المزامير، وكذالك نجد أمثلة لأشخاص تغلغلت الصلاة في كل أجزاء حياتهم: مثل دانيال الذي كان يُصلي ثلاث مرات في اليوم(دانيال 6: 10)، لكن أعظم مثال لنا في الصلاة، هو الرب يسوع الذي قضى ليلة كاملة في الصلاة قبل اختيار تلاميذه (لوقا 6: 12). فالصلاة تُهيّأ الأفكار، وتُعطي الحكمة في القرار، وتقود في طريق الإنتصار!
وفي الآيات التي نقرأها في إنجيل لوقا، نجد نوعان من الناس، نوعان من القلوب ونوعان من الصلاة: الأول صلاة الإفتخار، والثاني صلاة الإنكسار!

الشخص الأول يُعَدد حسناته وأعماله بكل كبرياء وتركيز على الذات، وأما الثاني يقرع على صدره نادماً على كل الذي فات!

شَتّان ما بين هذين الشخصين، وبين البداية والنهاية، فالشخص الاول ابتدأ صلاته بدافع الكبرياء، وكأنه يريد أن يسمع العشار الذي بجانبه أنهُ أفضل منه وأنَّ صلاته هي الصلاة المقبولة ، لكن الكتاب يقول أن العشار المسكين رجع مُبَرّرا وتيقن من خلاصه كل اليقين.

وإننا نتعلم دروساً هامة من صلاة الفريسي والعشار، دروساً تقودنا في صلاة فعالة وحارّة مثل النار، ثؤثر في الأجواء الروحية وتخترق السماء، وتعلن أفكار الإله البار:

1) صلِّ باتضاع: إن الإنسان المتواضع يجد نعمة في عيني الله، فالكتاب يقول:"يقاوم الله المستكبرين وأما المتواضعين فيعطيهم نعمة"(يعقوب 4: 6)، وكذالك:"القلب المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقره"(مزمو 51: 17). فالله ينظر إلى الدافع وراء الصلاة وإلى القلب، وليس إلى الشفاه. فإذا أتينا بقلب متضع ومنكسر فسننال البركة، ففي الصلاة أنا أعلن عجزي أمام الرب وأصَرّح بحاجتي له من كل القلب. في الصلاة أقول له:"أنت هو سندي، أنت ضماني الأبدي". وعندما أصلي يجب أن يذوب القلب بحب الله، ولا يبقى أمر يعقيني عن رؤياه.
نقرأ عن العشار بأنه لم يصُف الكلمات الجميلة والشعرية في صلاته، بل قرع على صدره، وهذه هي علامة التوبة والندم والإتضاع. نعم، لسنا بحاجة إلى التفكير بكلمات جميلة ومرتبة لنلقيها وكأننا نلقي خطاباً، بل بكلمات قليلة معبرة عن الحاجة، عن الضعف، لكنها خارجة من أعماق القلب والنفس، كافية لتحريك يد الله. ويأخدنا الله أحياناً في بريّة، ويسمح في تجارب وضيقات رَدِيَّة، لكن لأن محبته أبدية فهو يريد أن يعلمنا الإتضاع والإستناد عليه بالكُليّة. نعم، فعندما تكون النفس في ضعف، لا وقت للصلاة في كلمات رَنّانة، فبطرس عندما بدأ يغرق صرخ:"يا رب نَجّني"، واللص على الصليب قال:"أذكرني يا رب"، والإثنان نالا الخلاص في الحال! تعالَ إلى يسوع بقلبٍ متَّضع ومنكسر، فتخرج مُبرّراً، مُحَرّراً ومنتصر!

2) إحذَر الإرتفاع: "اللهم إني أشكرك أني لست مثل باقي الناس..."(لوقا 18: 11)
لقد كانت صلاة الفريسي بمثابة تعداد لكل حسناته وأعماله، ونرى فيها التركيز الشديد على الذات والأنا، فهوَ لم يذكر فضل الرب، ولم يذكر الآخرين في صلاته، قلبه كان متكبراً ومتجَبّراً، ولقد قادهُ هذا الموقف إلى الإبتعاد عن الرب وإنكار فضله المتكرر. وإن التكبر والشموخ مكرهةٌ لدى الرب، فهو يحب المتواضع، الذي يعترف بمحدوديته.
عندما نكون في محضر الرب، فإننا يجب أن نُرجع كل الفضل له، فنحن بدونه لا نستطيع أن نفعل شيئاً، الكُل لهُ وبه ومن أجله. يجب أن نسكب كل شيء عند قدميه، فإنجازاتنا وخدماتنا مهما سَمت، ما هي إلا نُقطة في بحر محبته. وتلقائياً عندما نتضع أمام الله، فإننا ننظر لباقي الناس بنظرته هو، ونحبهم بمحبته، ولا نحسب أنفسنا أفضل منهم، فكلنا في نظر الله خُطاة بحاجة إلى التوبة.
لقد نظرهذا الفريسي إلى أعماله وبِرّهِ الذاتي وتفاخر وتعَظّم في ذالك، لكن الله يهتم بِبرِّ القلب.
إن التركيز على الإنجازات يوقع في الكبرياء، والتعالي على باقي الناس، لكن التركيز على الرب يبقينا مُتضعين . فكلما ركزنا عليه وامتلأنا منه، فإننا ننقص وهو يزيد، ونرى الآخرين من خلاله ونحبهم، ولا ننظر اليهم بعيون الدينونة والحكم، بل بعيون المحبة والرأفة والتفهم.

3) تعالَ باقتناع: إن مشكلة الفريسي الأساسية، هي عدم الإقتناع بأنه داخلياً خاطئ ونجس، وإن قلبه مظلم وكل شيء رجس. فلو نظر للحظة إلى داخله واكتشف أعماقه، لخجل من خطاياه، ومن وقوفه أمام الإله!
أما العشار أتى بإتضاع واقتناع، ولم يشأ أن يرفع أعينه إلى السماء، لكنه في جملة واحدة صدحت في الأجواء، أعلن حاجته إلى النعمة والرحمة والشفاء:"أللهمَّ ارحمني أنا الخاطي". لقد كانت له كل القناعة أنه خاطئ، ولا شيء فيه صالح، كذالك اقتنع بأن الله سيرحمه مهما كانت خطاياه ثقيلة، اقتنع أنه سيخرج من محضر الله بقلبٍ جديد وفرحٍ أكيد! وهذه هي الحالة المقبولة التي يجب أن نقف فيها أمام الآب، الحالة التي نعلن فيها أننا خُطاة، عُصاة، ولا نستطيع أن نرضي الرب بأي عمل مهما كان عظيماً في عيني كل من يراه!

علينا أن نقتنع أنهُ ليس بأي عمل، فلن يأتي اليوم الذي فيه سيقبل ويكتمل، لكن على حساب الدم والفداء، والعذاب الذي من أجلنا ابنُ الله احتمل.

عزيزتي وعزيزي، إن كنتم تشتاقون إلى علاقة حيّة ومباشرة مع الله، علاقة حب وحياة، وإن أردتم أن تُصلّوا صلاة مرضية ومقبولة أمامه، تصعد كالبخور، وان اشتقتم أن يمتلأ قلبكم بالفرح والسرور، وتتعطر حياتكم وأيامكم باحلى العطور، فالخطوة الأولى: تعالوا إليه بقلبٍ مكسور، ورَدّدوا مع العشار:"اللهم ارحمني أنا الخاطي"، وتأكدوا بأنكم ستنتقلون من الظلمة لتكونوا أبناء النور، وتحيوا في ظل القدير إلى دهر الدهور.