مزمور 127 "إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ فَبَاطِلاً يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ. إِنْ لَمْ يَحْفَظِ الرَّبُّ الْمَدِينَةَ فَبَاطِلاً يَسْهَرُ الْحَارِسُ. بَاطِلٌ هُوَ لَكُمْ أَنْ تُبَكِّرُوا إِلَى الْقِيَامِ مُؤَخِّرِينَ الْجُلُوسَ آكِلِينَ خُبْزَ الأَتْعَابِ. لَكِنَّهُ يُعْطِي حَبِيبَهُ نَوْماً. هُوَذَا الْبَنُونَ مِيرَاثٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ ثَمَرَةُ الْبَطْنِ أُجْرَةٌ. كَسِهَامٍ بِيَدِ جَبَّارٍ هَكَذَا أَبْنَاءُ الشَّبِيبَةِ. طُوبَى لِلَّذِي مَلَأَ جُعْبَتَهُ مِنْهُمْ. لاَ يَخْزُونَ بَلْ يُكَلِّمُونَ الأَعْدَاءَ فِي الْبَابِ".

العائلة المسيحية

يعرف كل من يعيش في الغرب، وخصوصاً في الولايات المتحدة الامريكية، أن النّاس هناك يتحركون بسهولة وسرعة خلال حياتهم، ولا يرتبطون كثيراً بمكان معين. فما أسهل أن يبيع الإنسان بيته في مدينة أو ولاية معيّنة، وينتقل للسكن في مدينة أخرى أو ولاية أخرى، وهناك يشتري منزلاً جديداً ليعيش فيه. وعادة يكون الرّحيل بحثاّ عن العمل، أو لأن عمله انتقل لولاية أو مدينة جديدة، أو لأن تكاليف الحياة في المكان الجديد أرخص منها في المكان القديم. فارتباط الإنسان بحاجته الماديّة والإقتصاديّة أقوى من العواطف والمشاعر تجاه البيت والذكريات.

تختلف الصّورة تماماً في بلادنا المشرقيّة: فنحن نميل إلى الثبات. نبني البيت ونصمد فيه، ونتوارثه جيلٌ بعد جيل. البيت عندنا يعني الاستقرار والأمان والرّاحة. ولدينا المثل أو القول المعروف: "لا استريح ألا في داري أو بيتي". فالبيت مصدر حب وسلام. فيه يضع النّاس كل أحلامهم وثمر عملهم وأملاكهم ومقتنياتهم. وفيه تجتمع الأسرة ويتم تدبير شئون الحياة.

البيت مهم جدّاً بالنسبة لنا كشرقيين، فهو من مصادر الافتخار لدى النّاس، ويتحدّث النّاس بشغفٍ عند قول أي واحد منهم: "أنا شيّدت بيتاً"، أو "إنني أعيش في البيت الذي بنيته بتعبي وعرق جبيني"، أو "أعيش في البيت الذي بناه أبي أو أحد اجدادي، وها نحن نحافظ عليه، ونتوارثه جيلاً بعد جيل".

والسؤال المهم هنا: هل البيت هو البناء المكوّن من الحجارة والباطون والطّوب والخشب والحديد والألمنيوم والبلاط والكهرباء والماء. أم أن البيت هم النّاس الذين يسكنون البناء؟ صحيح أن البناء مكلف ومتعب ويحتاج للمال وللجهد والعمل. ولكن بناء الأسرة أهم بكثير. وأن يعيش الرجل وزوجته وأولادهم بسلام وانسجام ومحبة أهم جدّاً من وجودهم في بناء واحد.

بالعودة إلى كلمة الله في الكتاب المقدس، نجد أن كلمة البيت تشير مع معظم استخداماتها إلى الأشخاص والأفراد، أي إلى الأسرة أو مجموعة الناس الذين يعيشون معاً في بناء واحد. فالبيت هم الحجارة الحيّة وليس مجرد حجارة ميّتة. كذلك يذكّرنا الله في وحيه المقدّس أن بناء البيت يجب أن يتم بالاعتماد الكامل على الله، وأن أي جهد أو عمل أو بناء بدون الله فهو باطل ومصيره الانهيار.

نتعلّم من كلمة الله في مزمور 127 بأن جهودنا البشرية باطلة بدون عمل الله معنا وقيادته لنا في كل ما نقوم به في حياتنا الأرضية. ويذكر المزمور أربعة نواحي في حياتنا بشكل محدد. ونجد في جميع هذه الحالات تشديداً واضحاً على ضرورة الاتكال على الله.،وأنه بدون الله، تصبح الحياة فارغة وبلا رجاء:

1. الحياة الاجتماعية.
2. المواطنة أو السكن في مدينة جغرافية محددة.
3. العمل.
4. البيت والأسرة.

آية 1أ: إن لم يبن الرَّبُّ البيتَ فباطلاً يتعب البناؤون:
يبدأ المرنم، وهو سليمان، الذي بنى أول بيت للرب في تاريخ البشرية، أي هيكل الله في أوروشليم، يبدأ في الحديث بوضوح بأنه إن لم يبن الله البيت، فإن هذا البيت يكون مبنياً على الرّمال، وسريعاً ما سينهار. لذلك يجب أن نطلب حضور الله في بيوتنا ليكون هو رب وسيد كل شيء في حياتنا كأسرة وكأفراد. علينا أن نطلب بركة الله لعائلاتنا، وإرشاد الله في قراراتنا، وقيادة الله لأعمالنا، وفكر الله في إيماننا وعبادتنا ومسيرتنا. فما أعظم أن نلمس بركة الله وحضوره في حياتنا، وفي أسرتنا.

والسؤال هنا هو كيف يبنى الرب البيت؟ وكيف نعرف ذلك؟ الجواب هو أن نعمل وفق إرشاد كلمة الله، وأن يكون هدفنا أيضاً هو مجد الله. وباطلة هي جهودنا البشرية بدون الثقة والاتكال على الله. أي أن السؤال عن كيفية بناء الله لبيوتنا يعني ببساطة السؤال عن ثقتنا وإيماننا بوجود الله في حياتنا وجهودنا اليومية؟ فهل الله موجود في بيوتنا؟ أم أننا نحاول أن ننجز كل شيء بقوتنا وحكمتنا البشرية، دون الثقة بقوة وإرشاد وبركة الله؟!

يرمز بناء البيت إلى أمرين:
1. تكوين الأسرة ونشأتها وترابطها.
2. بناء سكن أو مكان لتعيش فيه الأسرة.

واضح من الآيات اللاحقة في المزمور، أن الحديث يدور عن تكوين الأسرة ونشأتها وعلاقة أعضاء الأسرة مع الله ومع بعضهم البعض، وهل يعيشون ببركة الله ورعايته وقيادته، أم يحاولون تدبير أنفسهم بشكل مستقل عن الله. كذلك نجد في مواقع كثيرة في الكتاب المقدّس آيات عن البيت باعتباره النّاس الأحياء وليس البناء الميّت، ومن الأمثلة على ذلك:

في راعوث 11:4-12 يدور الحديث عن أسرة أو جماعة الله.
في لوقا 9:19 نجد أن الموضوع هو خلاص للبيت، أي خلاص زكا وأفراد عائلته.
في صموئيل الأول 35:2 نجد وعداً من الله ببناء بيتاً أميناً، أي أن الحديث يتعلق بأسرة تحب الله.
في صموئيل الثاني 16:7 يعد الله الملك داود أن أن يكون بيته ومملكته في أمان.
في متى 25:10 نقرأ أن الرّب يسوع المسيح هو رب البيت المسيحي الحقيقي.

كيف ترى وضع بيتك؟ هل يعمل الله في بناء بيتك؟ أم تترك أفراد أسرتك أسرى في يد الشيطان والخطية؟ ليرحم الرب بيوتنا وأسرنا، فالفساد يلاحقنا والخطر يهددنا بشكل قوي.

آية 1ب: إن لم يحفظ الرَّبُّ المدينة فباطلاً يسهر الحارس.
كانت المدن في فلسطين محاطة بالأسوار، وما تزال أسوار أوروشليم خير دليل على ذلك، كذلك بقايا أسوار عكا، وأسوار بئرالسبع القديمة، وغيرها من مدن بلادنا فلسطين. وكذلك كان الحال قبل دخول الشعب القديم بقيادة يشوع، واستمر بناء الأسوار أيام مملكة إسرائيل ويهوذا، وأيام الرّب يسوع المسيح، وحتى عهود قريبة جداً.

كانت الأسوار تُبنى حول المدن بقصد الحماية من هجمات الأعداء، ومن الحيوانات المفترسة. وعادة كان يتم وضع الحراس على أسوار المدينة للسهر على حماية البلد وتنبيه النّاس من أي خطر قادم.

عندما تُهاجَم أيُّ مدينة، يدب الهلع في نفوس سكانها، ويصاب الجميع بالعصبية، ويعمل النّاس جاهدين للدفاع عن مدينتهم. لذلك يُذكّرنا الله هنا أنه بدون رعاية وحماية الله، فإن السهر من أجل الحماية من الأعداء سيكون باطلاً، وأن المحامي والسّاهر الحقيقي على شعبه هو الله. فإن لم يحفظ الله بيوتنا وأُسَرِنا وعائلاتنا ومدننا، فإن جهودنا البشرية باطلة. فالله هو الحارس والرّاعي والمدافع الأمين. نقرأ في في مزمور 3:121-5 "لا ينعس حافظك... الرب حافظك... الرب يحفظك من كل شرٍّ".

آية2: "بَاطِلٌ هُوَ لَكُمْ أَنْ تُبَكِّرُوا إِلَى الْقِيَامِ مُؤَخِّرِينَ الْجُلُوسَ آكِلِينَ خُبْزَ الأَتْعَابِ. لَكِنَّهُ يُعْطِي حَبِيبَهُ نَوْماً". باطلٌ هو لكم أن تبكّروا إلى القيام (من النوم) مؤخرين الجلوس (السهر في العمل) آكلين خبز الأتعاب. لكنه يعطي حبيبهُ نوماً.
باطل للإنسان أن يبكّر الى القيام من النّوم، ويعمل ساعات العمل الطويلة، من قبل الفجر، وحتى ساعة متأخرة من الليل، وهدفه الوحيد هو تحصيل المال والأكل نتيجة تعبه. فالحياة ليست للعمل فقط، وليست قلق دائم لتحصيل لقمة العيش. فإن كان العمل وتحصيل المال هو الغاية، فهذا أمر باطل ولا يمجّد الله ولن يباركه الله. بل إن الشخص الذي يعيش لهذه الغاية، لن يجد الشبع، ولن يكتفي بأي مقدار من المال يدخله، ولن ينام مستريحاً، بل سيعيش تعباً في النهار ولن يشبع نوماً في الليل.

بعكس الإنسان الذي يعمل بثقة مطلقة بأن الله معه، وأن عمله نعمة وعطية من الله، فهذا الإنسان يعمل متكلاً على الله في تسديد الحاجات، ولا يكون هدفه جمع المال، بل الحياة الكريمة والمشرّفة، ومثل هذا الإنسان ينام ليلة مستريحاً وبلا قلق. لذلك علينا أن نثق بالله في أعمالنا. ولا نجعل من العمل عبادة، بل الله هو غايتنا، وعبادتنا له فقط. من يعبد العمل فهو بعيد عن الله، لذلك علينا أن نعمل لنعيش بكرامة ونمجد الله حتى في عملنا، وذلك بثقتنا بالله. كذلك باطل ان فكّرنا أنّ خلاصنا بأعمالنا، بل هو عطية من الله لنا بدافع من محبته ونعمته الغنية.

يصبح تعب الإنسان تحت الشمس باطلاً إن كان الله بعيداً عن حياته. فما أشقى الإنسان الذي يعيش للعمل والمال، ولا يعيش لله، فهو لن يهنأ حتى في نومه. صحيح أن الله يريدنا أن نبكّر الى القيام للصلاة، وليس لكي نقضي كل وقتنا في العمل وجمع المال. لذلك علينا أن نبدأ يومنا بالصلاة قبل التّوجه الى أعمالنا ووظائفنا ودراستنا. مزمور 1:63.

الآيات 3-5: بركات الله على الأسرة (العائلة)

آية 3 هوذا البنون ميراثٌ من عند الرَّبّ، ثمرةُ البطن أجرةٌ.
كثيرة هي البركات على الأسرة المسيحية التي تخاف الله، فهو يعطي للأسرة المسيحية المباركة أولاداً وبناتاً. أي أن الأطفال ميراثٌ من عند الرَّبّ، فهم ليسو ملكنا، بل ميراثٌ علينا رعايته والعناية به، لأننا سنتركه لاحقاً لرعاية الله ولرعاية غيرنا. أجلّ، إن بارك الله أسرة بالأولاد والبنات، فلنتذكر أنهم ميراث، أي عطية ورثناها من الله، عطية أعطانا إياها الله، وهو يتوقع منا الحفاظ على هذا الميراث وعدم ضياعه في دروب الشر والخطية والفساد. وبما أن البنون عطية من الله، فالمسيحي الحقيقي دائماً يعارض قتل الميراث بواسطة الإجهاض. فالإجهاض هو عملية قتل مدبّرة، أي جريمة في نظر الله، وتعدي على الله وإهدار لميراث الله المعطى لنا.

آية 4: "كَسِهَامٍ بِيَدِ جَبَّارٍ هَكَذَا أَبْنَاءُ الشَّبِيبَةِ".
يعطي الله الحماية والشعور بالأمان للعائلة المسيحية التي تتقي الله. ولدينا هنا تشبيهاً قوياً من الحياة: فكما أن السهام بيد الجندي والمقاتل تعطيه الإحساس بالقوة والحماية والقدرة على مواجهة العدو، كذلك فإن الأولاد في الأسرة يعطون الأهل إحساساً بالقوة والحماية والرعاية والقدرة على مواجهة مصاعب الحياة. إن قام الأهل بتوجيه الأبناء حقاً في طريق الرّب، فإن الله سيبارك الأب والأم بالتأكيد، وسيكون الأبناء مصدر تعزية وسعادة للأهل، وخصوصاً عندما يتقدّمان في السِّن ويدخلان مرحلة الشيخوخة.

آية 5أ: "طُوبَى لِلَّذِي مَلَأَ جُعْبَتَهُ مِنْهُمْ".
ما أجمل هذه الطوبى. فيا لهناء وغبطة وسعادة الأسرة المسيحية الكثيرة الأولاد، خاصة في هذا الزمن الذي أصبح إنجاب طفل في الأسرة المسيحية حدث استثنائي وفريد، وأخذ اهتمام الرجل بأموره الخاصة واهتمام الأم المفرط بشكلها وملابسها وشئونها الخاصة أهم كثيراً من إنجاب الأولاد. قارة أوروبا مثال على قلة الإنجاب، لذلك نجد أنه مجتمع يموت تدريجياً.

الله يبارك ويطوّب الأسرة كثيرة الأولاد. فكما أن المحارب يشعر بالعزة والثقة عندما تكون جعبته مليئة بالسهام، كذلك يبارك الله الأب والأم عندما ينجبون عدداً كبيراً من الأولاد والبنات. فطوبى للبيت المليء بالأطفال، خصوصاً أطفال البيت المسيحي حيث تسهر الأم والأب على تعليم الأولاد عن محبة الله وحياة التقوى والقداسة.

أمثلة من الكتاب المقدّس:
1. تكوين 60:24: بارك إخوة رفقة أختهم وقالوا لها أنتِ أختنا. صيري ألُوف ربوات.
2. بارك الله يعقوب بأولاده الإثني عشر (12) الذين أصبحوا أسباط إسرائيل.
3. إرميا 6:29 يأمرنا الله قائلاً: "تزوّجوا وتكاثروا". ويضيف قائلاً: "اكثروا ولا تقلوا"

آية 5: "لاَ يَخْزُونَ بَلْ يُكَلِّمُونَ الأَعْدَاءَ فِي الْبَابِ".
عندما يلد للرجل والمرأة أولاداً وبناتاً قبل وصولهم إلى سن الشيخوخة، فإن هؤلاء البنين يصبحون حماية للأهل من الوحدة والحرمان والإنتباذ من المجتمع. هكذا كانت الحال في العهود القديمة، وهي كذلك في غالبية المجتمعات المعاصرة إن لم يكن كل المجتمعات المعاصرة، حتى التي يوجد بها نظام تأمين إجتماعي. فمراكز رعاية المسنين لن تعوّض أبداً عن محبة إبن لأبيه أو إبنه لأمها العجوز.

يشير "الباب" هنا إلى باب المدينة، ففي مدن فلسطين القديمة، كانت تتم التجارة وعقد الصفقات وحتى الأحلاف وأعمال القضاء عند باب سور المدينة، وكان الرجل الذي لديه أولاداً كثيرين يقف بقوة وثقة زائدة بسبب العزوة التي لدية. يستطيع الأب المتقدم في السن الإعتماد بثقة على بنيه في إنجاز أعماله دون خوف من أن يتم استغلاله، فهو بالتالي لا يتعرض للخزي، ويخاطب حتى أعدائه بقوة عند باب المدينة، أي في مركز العمل والحياة.

الأسرة المسيحية التي تخاف الله وتتقيه، هي أسرة مباركة، يضع فيها الجميع ثقتهم على الله، وينعمون برعاية الله وحمايته الدائمة لهم، وطوبى لمن يتكل على الله في بناء بيته ورعاية أسرته.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا