لا شك أن بعض اليهود هم أول من آمن بيسوع المسيح. فأبطالنا أمثال بطرس وبولس ويوحنا الحبيب وغيـرهم هم يهودٌ آمنوا بالمسيح وتبعوه. ولم يعتقدوا أن إيمانهم تغييـرٌ لديانتهم ولتـراث آبائهم بل تتميمٌ لوعود الله التـي نطق بها بواسطة أنبيائه عبـر العصور. ومع مرور الأيام تزايدت الفروقات بين اليهودية والمسيحية وقل التأثير اليهودي وازداد تأثير غيـر اليهود إذ شكلوا هوية الكنيسة ورؤيتها خاصة في المجامع المسكونية. ولكن بعد منتصف القرن العشرين وخاصة في سنوات الستينات والسبيعنات برزت حركة مسيحية تؤكد على العنصر "اليهودي" في الإيمان المسيحي. وتهدف هذه السلسلة من المقالات إلى تعريف هذه الحركة والسعي إلى التفاعل معها بصورة تتوافق مع تعليم الكتاب المقدس وعمل الله في الكنيسة عبر التاريخ.

التحدي الأول الذي يواجهنا هو تسمية هذه المجموعة. وتتعدد التسميات (اليهود المتنصرون، اليهود المسيانيون، اليهود المسيحيون، المسيحيون اليهود، اليهود المؤمنون بالمسيح، العبرانيون المسيحيون). ويفضل بعض المسلمين، مثل قناة الجزيرة، أن يقولوا: اليهود المتنصرين. وأحيانا يخلط غير المتبصرين بين اليهود المتنصرين وبعض مسيحيي كنيسة القرون الأولى الذين شددوا على أهمية تهوّد الإنسان كجزء من تبعيته للمسيح. فتهويد المسيحية موجود منذ بزوغ فجرها وهو توجه متشابه جزئيا مع حركة اليهود المؤمنين بالمسيح في العصر الحديث. ويفضل العديد من العرب المسيحيين في إسرائيل استخدام مصطلح اليهود المسيانيين (المسيانيك) متأثرين باللغة الإنكليزية بينما يميل عدة مفكرين لبنانين، مثل الأب بولس الفغالي، إلى استخدام مصطلح مسيحاني بدلا من مسياني. ويستخدم بعض اليهود في اسرائيل المصطلح اليهود المسيحيين (יהודים משיחיים). وتحمل هذه المصطلحات في طياتها معانٍ كثيـرة. فمثلا، يشدد المصطلح "اليهود – المسيحيين" على مسيحية اليهودي بينما يؤكد المصطلح "المسيحيون – اليهود" على يهودية المسيحي. وهكذا يختلف التركيز.

وربما يتساءل بعضنا: ما أهمية الخوض في هذه القضية الصعبة؟ إن التسمية مرتبطة بالهوية. فهل المجموعة تحت المجهر في هذا المقال فئةٌ يهودية أم أنها فئةٌ مسيحية أم فئة مسيحية ويهودية في ذات الوقت؟ لا يريد معظم اليهود الذين يتبعون المسيح أن يتخلوا عن جذورهم اليهودية أو يهوديتهم. في ذات الوقت، يرغبون في قبول يسوع المسيح وتعاليمه والانفتاح للمسيحية دون الإلتـزام بالعناصر غيـر اليهودية، مثل بعض مساهمات الكنيسة عبر العصور. وإن لزم عليهم أن يكتبوا قوميتهم في البطاقة الشخصية فإنهم سيكتبون بكل فرح "يهودي". ويرفضون فصل اليهودية عن المسيحية. للأسف، لن يستطيع هذا المقال أن يحل معضلة التسمية فهي غيـر محلولة عند اليهود المسيحيين أنفسهم. بإيجاز سننادي المجموعة التي نكتب عنها في هذا المقال: اليهود المؤمنين بيسوع المسيح ونختزلها باليهود المؤمنين.

فمن هم اليهود المؤمنون؟ وكم يوجد منهم؟ بالرغم من عدم اتفاق المؤرخين على الارقام، يبدو أنه يوجد اليوم أكثـر من 150 ألف يهودي مؤمن بالمسيح حول العالم. يعيش أكثـرهم (100 ألف) في الولايات المتحدة بينما يعيش في إسرائيل على الأقل 5000 شخص. وثمة 200 مجموعة يهودية تؤمن بالمسيح في الولايات المتحدة بينما يوجد أكثـر من 80 مجموعة في اسرائيل. أي أن معدل حجم المجموعة في الولايات المتحدة هو 500 شخص بينما معدل حجم المجموعة في اسرائيل هو اقل من 63 شخص. وتتنوع معتقدات هذه المجموعات إلى درجة أن فئة صغيرة منهم لا تقبل الثالوث أو لاهوت المسيح بينما يؤكده آخرون بالرغم من رفضهم استخدام المصطلحات الكنسية التي اعتدنا عليها، مثل مصطلح الثالوث. ويشدد بعضهم على حفظ السبت وفرائض الطعام المذكورة في العهد القديم. وسنشرح المزيد عن حركة اليهود المؤمنين بالمسيح في المستقبل القريب إن شاء الله.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا