شهدت مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى (شمال العراق)، صباح أمس السبت، نزوح العائلات المسيحية المتبقية من المدينة، والتي قارب عددها 50 عائلة، قبل انتهاء المدة التي حددها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الساعة الثانية عشرة من ظهر أمس، وبعد التحذير النهائي الذي أطلقته عناصر التنظيم مساء الجمعة، في أغلب أحياء الموصل، حيث غادرت العائلات المسيحية تاركة خلفها بيوتها وأمتعتها، وتاريخا وحضارة تعود لألفي عام، منذ دخول المسيحية إلى الموصل في القرن الأول الميلادي، فيما كانت حوالي 200 عائلة قد غادرت المدينة يوم الجمعة.

مسيحيو الموصل

وجاءت مغادرة العائلات المسيحية بعد إصدار تنظيم "الدولة الإسلامية"، يوم الخميس الماضي، لـوثيقة تضمّنت ثلاثة شروط للعيش في ظل دولة الخلافة الإسلامية، وهي "اعتناق الاسلام، أو دفع الجزية أو القتل"، محددا الساعة الثانية من ظهر يوم السبت موعدا نهائيا لمغادرة المسيحيين بأنفسهم فقط.

ومن جهة أخرى، دعا العديد من خطباء الجوامع، الجمعة، المسيحيين في مدينة الموصل إلى مغادرتها قبل المهلة الممنوحة لهم من قبل التنظيم، أو الرضوخ إلى الوثيقة التي أصدرها التنظيم.

وقال إبراهيم يسي، أحد المسيحيين الذين غادروا الموصل، لـ/إم سي إن/ "إن أقربائه تركوا المدينة، ظهر الجمعة، وتم إيقافهم في سيطرة نصبها التنظيم في طريق الشلالات، وتعرضوا للسلب، حيث تم إنزالهم من سيارتهم وتفتيش أغراضهم، والاستيلاء على جميع الحاجيات الثمينة والمبالغ المادية التي كانت بحوزتهم".

وأضاف يسي إنه قام بتأجير سيارة لنقله إلى ناحية برطلة، مع زوجته وابنه وبنتيه، تاركا سيارته الشخصية، وعارضا على سائق السيارة إعطائه ضعف الأجرة، على أن يبقي معه مبلغ مليون دينار أخذه معه (أي ما يعادل 825 دولار).

وأشار إلى أن السيارة تم إيقافها من قبل سيطرة التنظيم في منطقة الشلالات، وتم تفتيش أغراضنا القليلة، والتي كانت عبارة عن ملابس أطفالي، فيما قامت إحدى السيدات بنزع "الأقراط" الذهبية التي كانت في أذني البنتين، والاستيلاء على مبلغ 50 ألف دينار كان في حقيبة زوجتي بعد تمزيقها، وتم أخذ هويات الأحوال المدنية الشخصية، لكن السائق استطاع إعادة الهويات بعد حديث السائق مع هؤلاء الإرهابيين.

وأبدى يسى تعجبه من صمت المجتمع الدولي إزاء ما تعرض له مسيحيو الموصل، مطالبا الحكومة العراقية بتحرير المدينة من هؤلاء الإرهابيين.

وكانت عناصر التنظيم قد قامت يوم الجمعة بسلب حوالي 200 عائلة مسيحية حاولت النزوح، قسرا، من مدينة الموصل، حيث استولت على كافة ممتلكات النازحين من السيارات والآثاث، كما قامت بتفتيش الأفراد النازحين، والاستيلاء على هواتفهم الخلوية وأموالهم وحليهم الذهبية، وأحيانا مصادرة أوراقهم الثبوتية، من هويات الأحوال المدنية، وشهادات الجنسية العراقية، وجوازات السفر، وإجازات السوق وغيرها.

وقال مسيحي آخر يُدعى سمير فاضل "إننا توجهنا اليوم، ومنذ ساعات الصباح الأولى، إلى ناحية تلكيف، واستأجرنا سيارة نوع "كيا" لنقلنا أنا وزوجتي وابني وزوجته وطفليه (ولد وبنت)، حيث أعطيت له مبلغ الأجرة للسائق، فيما تركت معي مبلغا بسيطا".

وأضاف "إن السيارة تم إيقافها في مخرج المدينة من ناحية الشلالات، وتمّ تفتيش أمتعتنا، والاستيلاء على جميع حاجياتنا الثمينة، وحتى الأقراط الذهبية تمّ نزعها من أذني زوجتي وحفيدتي الصغيرة، كما تم الاستيلاء على هواتفنا، وتفتيشنا، وعندما استولى أحد أفراد التنظيم على مبلغ صغير كان في جيبي رفضت تسليمه المبلغ، فتعرضت للضرب والإهانة، ووقعت أرضا، وقام بتوجيه السلاح عليّ، وبعد أن نهضت توجهت إلى السيارة لمواصلة الطريق"، مؤكدا أن زوجته بحثت عن الأغراض، وتفاجأت أن حقيبتها الشخصية قد تم تمزيقها، وأخذ جميع الحاجيات الثمينة منها والمبالغ النقدية.

وتساءل سمير "أين سنعيش ونحن لا نملك شيئا سوى بعض الملابس التي بقيت في السيارة؟".

وفي ذات الخصوص، قام التنظيم قبل فترة بتضييق الخناق على المسيحيين في الموصل، حيث أمر مدراء الدوائر الصحية والمستشفيات، بمنع تواجد الأطباء والعاملين المسيحيين في هذه المؤسسات، كما منع العمل بالنسبة النساء المسيحيات الموظفات وطردهم من وظائفهن، وقام بكتابة عبارة "عقارات الدولة الإسلامية" على دور المسيحيين، مع دائرة بداخلها حرف النون "ن"، للدلالة على أن صاحب الدار "نصراني".

وعن استهداف الكنائس المسيحية في الموصل، فقد كانت عناصر التنظيم، قد قامت، بتاريخ 11 يونيو الماضي، بتفجير كنيسة عائدة للأرمن الأرثوذكس، لا تزال تحت الإنشاء، بالقرب من مستشفى السلام، في الجانب الأيسر من المدينة، واقتحام كنيسة الروح القدس في حي النور، في الجانب الأيسر من المدينة، وسرقة العديد من محتوياتها، وبتاريخ 21 يونيو الماضي، قامت بإنزال تمثال للسيدة العذراء من برج كنيسة الطاهرة للكلدان الكاثوليك، الواقعة في حي الشفاء، في الجانب الأيمن، وحطمته، وبتاريخ 31 يونيو، اقتحمت كنيسة مار كوركيس الواقعة في تل صغير في الحي العربي، في الجانب الأيسر من الموصل، ومطرانية الكلدان، الواقعة في الجانب الأيمن من المدينة، ورفعت عليهما أعلامها السوداء، وحطّمت جميع التماثيل والأيقونات الموجودة فيهما.

وكان غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو، بطريرك الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم، ومقرها في العاصمة العراقية "بغداد"، قد وجّه نداء، يوم الخميس، لإنقاذ مسيحيي الموصل، قال فيه "الدولة الإسلامية وزعت بيانا تدعو فيه المسيحيين صراحة إلى اعتناق الاسلام، وإما دفع الجزية من دون تحديد سقفها، أو الخروج من مدينتهم ومنازلهم بملابسهم دون أية أمتعة، وافتت أن منازلهم تعود ملكيتها منذ الآن فصاعدا إلى الدولة الإسلامية".

وأضاف البطريرك ساكو "إن هذه الاشتراطات تسيء إلى المسلمين وإلى سمعة الدين الإسلامي الذي يقول بأن "لكم دينكم ولي دين"، و"لا إكراه في الدين"، وأنها نقض لألف وأربعمئة سنة من تاريخ وحياة العالم الإسلامي"

وتساءل ساكو عن الأيام القادمة، وقال "من يدري ماذا بعد في الأيام القادمة، حيث أن نظام الدولة الإسلامية مبني على ما يدعون أنه الشريعة، ومن ضمنها إعادة تعريف الهويات على أساس ديني ومذهبي".

وأكد ساكو أن العراق مقدم على كارثة إنسانية، حيث قال "حرام أن يعامل المسيحيون بالرفض والطرد والملاشاة. ولا يخفى ما لذلك كله من نتائج وخيمة على التعايش بين الأكثر والأقليات، لا بل بين المسلمين أنفسهم، على المدى القريب والبعيد. وإلا فالعراق مقدم على كارثة إنسانية وحضارية وتاريخية".

وفي ذات الخصوص، استنكر يونادم كنا، عضو مجلس النواب العراقي ورئيس كتلة الرافدين في المجلس، ورئيس الحركة الديمقراطية الآشورية، استهداف تنظيم الدولة الإسلامية للمسيحيين في الموصل، وتهجيرهم وسلب حاجياتهم، واصفا إياهم بالعصابات الإرهابية التي تدّعي الجهاد، مضيفا "إن عناصر التنظيم ليسوا أكثر من وحوش مرتزقة وجبانة يخطفون النساء ويقتلونهن ولا يمثلون المسلمين".

ودعا كنا إلى وقفة وطنية موحدة ضد التنظيم وأجندته الخارجية التي تهدف لزرع الفتنة ونسف التآخي بين المسيحيين والمسلمين المتعايشين بتعاون وتعاضد منذ 14 قرنا.