دفعت الحرب الطائفية المستعرة في سوريا الأرمن إلى التوجّه نحو أرمينيا، فاستقبلتهم بالرغم من تعثر مواردها ومن ارتفاع البطالة فيها، وقدمت إليهم التسهيلات الفورية. لكن المخابرات السورية نشطة في أرمينيا، تحصي على أرمن سوريا هناك أنفاسهم.

لميس فرحات: وجد أرمن سوريا ملاذهم في أرمينيا بعدما هربوا من مدينتهم حلب، التي تحوّلت إلى ساحة قتال رئيسة في الحرب الأهلية. وجعل هؤلاء شارع غلينكاي في العاصمة الأرمنية نقطة التقاء لهم، بالرغم من اكتظاظ الشارع الذي يعود إلى الحقبة السوفيتية.

يجتمع السوريون الأرمن يوميًا وسط عشرات السيارات وورش العمل للبحث عن وظيفة لإعالة عائلاتهم، أو لشرب الشاي وتبادل آخر الأخبار عن أحداث الثورة في بلادهم.

يخافون تجربة العراق
يعيش نحو 100 ألف أرمني في سوريا، وهم جزء من عدد أكبر من السكان المسيحيين، الذين يخشون أن يواجهوا أعمالًا انتقامية في بلادهم من قبل المتعاطفين مع المعارضة، لأن الكثير منهم يدعمون نظام الرئيس بشار الأسد.

ويخشى كثير من الأرمن أن تتكرر أحداث العقد الماضي في العراق، حيث استعر العنف الطائفي بعد الاطاحة بالرئيس الراحل صدام حسين في العام 2003، واضطر نصف عدد السكان المسيحيين إلى الفرار.

يقول ريتشارد غيراغوسيان، مدير مركز الدراسات الإقليمية المستقلة في يريفان: "لا تعرف الحكومة كيف تستوعب أعداد اللاجئين، ولا أحد يتحدث عن ذلك، لكن الجميع يفكر في احتمال حدوث ارتفاع في أعداد اللاجئين المسيحيين المضطهدين، كما حدث في العراق سابقًا".

وصل تيجران (27 عامًا) من حلب مع والدته في أيلول (سبتمبر) الماضي، يجني 200 دولار شهريًا من عمله في استبدال المكابس في محركات السيارات. يقول: "أنا محظوظ لأنني عثرت على وظيفة هنا".

حتى الآن، فرّ نحو ستة آلاف سوري أرمني إلى البلاد، في رحلة تمثّل نزوحًا جديدًا للأسر، الذين هربوا من أعمال القتل في القرن الماضي في عهد الإمبراطورية العثمانية. وقالت وزارة المغتربين في أرمينيا إن معظم هؤلاء وصلوا إلى البلاد في الأشهر القليلة الماضية فقط، ما يثير مخاوف من أن البلاد قد تكون أمام موجة أكبر من اللاجئين.

حمل ثقيل
بالرغم من أن عدد اللاجئين إلى أرمينيا يعتبر نافلًا مقارنة بنحو 400 ألف لاجئ في الدول المجاورة لسوريا، وفقًا للأمم المتحدة، إلا أن هذا الرقم يشكل أزمة كبيرة لهذه الجمهورية الصغيرة غير الساحلية، التي يبلغ عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة. فالبطالة 20 بالمئة وفقًا لصندوق النقد الدولي، كما انخفضت التحويلات المالية إليها من مجتمعات الشتات قبل الانتخابات العامة المقررة في شباط (فبراير) المقبل.

"لقد قلنا إن كل الأرمن موضع ترحيب، لكن بلادنا ليست في أفضل وضع اقتصادي لاستقبالهم"، كما قال وزير الشتات الأرميني  هرانوش هاكوبيان لصحيفة وول ستريت جورنال، مشيرًا إلى أن اللاجئين يحتاجون وظائف ومداخيل ليؤمّنوا بها لقمة عيشهم طوال فترة وجودهم في البلاد.

تسهيلات فورية
وكان تدفق اللاجئين إلى أرمينيا بدأ بشكل جدي في أواخر الصيف الماضي، عندما أصبحت حلب مركزًا للاشتباكات الدموية، وهي التي تعتبر حاضنة 80 بالمئة من الأرمن السوريين. فقد فرّ بعض الأرمن بسرعة مع قليل من ممتلكاتهم إلى أرمينيا عبر رحلات جوية مباشرة من حلب، فيما اضطر بعضهم الآخر إلى نقل ممتلكاتهم إلى الحافلات، والسفر في رحلة خطرة لمدة يومين عبر المناطق التي تدور فيها الاشتباكات، قبل التوجه شمالًا عبر تركيا وجمهورية جورجيا.

قدمت أرمينيا تأشيرات إلى السوريين الأرمن لدى وصولهم إلى البلاد، إضافة إلى رخص القيادة والتطبيقات المعجلة لجوازات السفر الأرمنية. كما فتحت المدارس الابتدائية الرسمية في العاصمة يريفان أبوابها خاصة للسوريين وقفًا للمنهج التعليمي المتبع في بلادهم.

يقيم العديد من الوافدين السوريين الجدد مع أقاربهم في يريفان، فيما يسعى آخرون إلى البحث عن مساكن في مراكز الدولة. وقد اكتظت كنيسة القديس سركيس في يريفان بأعداد هائلة منهم.

المخابرات وراءهم
كان نظام الأسد في سوريا، الذي تهيمن عليه الطائفة العلوية، حريصًا على العلاقات الطيبة مع المسيحيين في البلاد، الذين يبلغ عددهم نحو 2.5 مليون مسيحي، باعتبارهم حصنه في وجه غالبية السكان المسلمين السنة في البلاد، الذين يبلغ عددهم نحو 17 مليون نسمة.

انعكس هذا الحرص رخاءً نسبيًا على المسيحيين، ما يعني أن الكثير من اللاجئين تركوا وراءهم ممتلكات قيّمة من الذهب والمدخرات في المصارف، التي لم يستطعوا سحبها أو نقلها بسبب العقوبات الدولية على الحكومة التي تمنع تحويل الأموال إلى خارج البلاد.

وقال هوفيغ أسمريان، تاجر من مدينة حلب (34 عامًا) إنه هرب من حلب في أواخر أيلول (سبتمبر) مع العائلة والأصدقاء في قافلة من تسعة سيارات، مشيرًا إلى أنه يعتزم البقاء في أرمينيا "لأن العنف لن يتوقف، ورئيسنا غير قادر على البقاء في السلطة لوقت طويل".

واكد أسمريان أن المخابرات السورية نشطة في أرمينيا، مشيرًا إلى أن الكثير من اللاجئين يخشون من أن تكشف هذه المخابرات هوياتهم، ما قد يضرّ بفرصهم في العودة إلى ديارهم، أو يعرّض أفراد عائلاتهم في سوريا للعقاب.