في البداية دعوني أقدم تعريف الإسقاط النفسي بحسب علم النفس:

"هو مجموعة من التبريرات والأعذار التي تُلقى من الشخص المصاب بهذه الخصلة على الدوام على من حوله سواءً كانوا أشخاصاً بعينهم أو على أحوال وظروف تجري من حوله، ومقصده من إلقاء هذه التبريرات والأعذار هو التهرب من مسؤولية الفشل أو الخلل الذي وقع به في ناحية من نواحي حياته."

بولس وفرويد

سيغموند فرويد العالم والطبيب النفسي (1856-1939) كشف عن ما يمكن أن نسميه "الحيل الدفاعية التي يلجأ إليها البشر في مواجهة نقائصهم وعجزهم وعقدهم ومشاكلهم الخاصة". الدكتور الفاضل ماهر صموئيل في برنامج "انجيل الله" الذي كان يعرض على إحدى القنوات المسيحية شرح هذه الفكرة وغيرها باستفاضة.

بولس الرسول سجل لنا في الإصحاحين الأول والثاني من رسالة رومية اثنتين من هذه الحيل الدفاعية:

في إصحاح الأول يوضح لنا بولس الرسول أن الناس عندما يجدون واحد يفعل الشر يُسرون بالذي يفعل الشر، وهذا ما يقول عنه فرويد التبرير أو المسوغ أو العذر Justification""، فأرى في خطأ الآخر تبريراً لخطأي أنا.
أنت تعرف أن هذا الأمر خطأ وتعرف أنه يجلب غضب الله لكن عندما ترى أحداً يعمله تفرح وتُسر. يقول الرسول بولس: "الذين إذ عرفوا حكم الله أن الذين يفعلون مثل هذه يستوجبون الموت، لا يفعلونها فقط بل أيضا يسرون بالذين يعملون" (رو 1: 32).

يعبر وليم ماكدونالد عن هذه الحقيقة: إنهم يتحدون مع الآخرين لنشرها وتعميمها إذ يشعرون بشعور القرابة مع شركائهم في الخطية.

ثم في الإصحاح الثاني يرصد بولس الرسول حيلة دفاعية أخرى " لانك فيما تدين غيرك تحكم على نفسك. لانك انت الذي تدين تفعل تلك الامور بعينها!" (رو 2: 1). عندما يشعر الشخص بالذنب بسبب أخطاء يعملها في الخفاء بحجم قليل أو كثير، ينتظر رؤية شخص آخر، وربما يتصيد للآخر نفس هذا الخطأ يراه متلبساً به، فيكثر من إدانته والكلام عنه ونهشه وفضحه، وكلما يفعل هذا يشعر براحة نفسية... يشعر بالشفاء والراحة لمجرد أنه يدين وبعنف وبشراسة هذه الأخلاق. هذا هو الإسقاط الذي تكلم عنه فرويد. وقد سبقه بولس فقال: " افتظن هذا ايها الانسان الذي تدين الذين يفعلون مثل هذه، وانت تفعلها، انك تنجو من دينونة الله؟" (رو 2: 3). أفتظن أنك تنجو من دينونة الله لأنك أدنت غيرك؟ بالعكس تماماً فإن إدانتك للآخر توقعك تحت دينونة الله بصورة مضاعفة، السبب الأول أنك فعلت الخطأ، السبب الثاني لأنك تعرف أن هذا خطأ، والسبب الثالث أنك أدنت غيرك وهذا خطأ.

يقول بنيامين بنكرتن: المعرفة لا تخلص أصحابها من دينونة الله العادلة، بل تزيدها، لأن وجه الرب ضد فاعلي الشر، وإن عشنا في ما نحن نحكم عليه في الآخرين، نكون قد ختمنا على دينونتنا.

فالرسول يخاطب اشخاصا لديهم حس أخلاقي، شخص ارتقى بحسه الأخلاقي حتى إستطاع أن يميز بين الصواب والخطأ بين الشر والخير بين ما ينفع وما يضر وهذا شيء رائع أن حسه الأخلاقي يمكنه من التمييز، لكنه لا يميز فقط بل أيضا يرصد هذه الإنحرافات الأخلاقية في حياة الآخرين، المجتمع من حوله ...في عائلته...في أقربائه في من حوله ويستذنب هذه التصرفات ويدينها، في الحقيقة بولس يوجه كلام في غاية الخطورة لهؤلاء الأشخاص ويكشف حقيقة خطيرة فيقول أن هؤلاء الناس أو المعلمين الأخلاقيين في السر ...في الخفاء ...بعيداً عن الأعين، وانطلاقا من ضعف وعجز، يفعلون تلك الأمور عينها، التي يستذنبون الآخرين عليها، قد يكونوا يفعلونها بمقدار أقل، وقد يكونوا يفعلونها في الخفاء وليس العلن، لكن يبقى في النهاية أنهم يفعلونها، وما داموا يفعلونها فهم ساقطون تحت نفس الدينونة الإلهية.

حيلتين دفاعيتين إذاً يلجأ إليهما البشر، بدل اللجوء إلى الله وطلب الغفران والتغيير، بدل الإقرار بالعجز، وطلب خلاص المسيح.
أصلي أن يعطينا الرب إقرارا صادقا بحقيقة أنفسنا حتى نجد في شخص ربنا يسوع المسيح الحل والعلاج لمشاكلنا والأمور التي نعاني منها كلنا بلا استثناء.

قريبا بمشيئة الرب سأقوم بتجميع كتابات ودراسات لي على مدى عدة سنوات في رسالة رومية وإخراجها بصورة كتاب بعنوان "ومضات من رسالة رومية" هدفي من ورائه توضيح وإبراز حقائق مسيحية روحية حياتية عملية، بمعرفة الحق الذي يتضمنها وفي تطبيقها نتحرر ونصبح احراراً لأن حق الله يحرر.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا