حقيقة المجيء الثاني للمسيح (2)

منذ صعود المسيح إلى السماء بعد قيامته، باتت أعين المؤمنين تتطلَّع إلى السماء في انتظار مجيئه الثاني من السماء
14 مارس - 19:30 بتوقيت القدس

تحدثت في مقالي السابق عن الفرضيات الخاطئة الأربع الأولى التي يقوم عليها التفسير التدبيري. وهي فرضية أن المسيح في مجيئه الأول لم يتمم نبوءات ووعود الله في العهد القديم. وأن الكنيسة هي فترة اعتراضية أو معترضة في مخطط الله، وأن الكنيسة كانت سراً مخفياً في العهد القديم أُعلن في العهد الجديد. وأن الكنيسة ستنتهي بالاختطاف السرّي. سأتابع اليوم حديثي عن الفرضيات الخاطئة الأخرى. 

الفرضية الخاطئة الخامسة: أن الأسبوع السبعين من نبوءة دانيال سيتم بعد اختطاف الكنيسة. وهذه فرضية خاطئة هامة جداً يرتكز عليها التفسير التدبيري في بناء تفسيره كله. وهنا عليّ أن أوضح أن الكنيسة طيلة العصور كانت تفسّر أن الأسبوع السبعين قد تمّ بمجيء المسيح، فهو الذي أثبت العهد مع كثيرين من اليهود وأبطل الذبيحة والتقدمة في وسط الأسبوع، بتقديم جسده كفارة على الصليب، أي بعد ثلاث سنوات ونصف من خدمته(دانيال27:9). لكن بما أن التفسير التدبيري يصر على الفصل الكامل بين شعب إسرائيل والكنيسة، أدّى به إلى فصل الأسبوع الأخير من نبوءة السبعين أسبوعا وبفرضية خاطئة عن باقي الأسابيع. وهنا ابتعد عن التفسير الحرفي الذي يدّعيه. إن نبوءة الأسابيع السبعين هي وحدة متكاملة بدأت في وقت معين وانتهت في الوقت المحدد كما حددتها النبوءة، ولا يجوز تقسيمها أوتجزأتها. ولهذا ادّعى التفسير التدبيري خطأ أن هذا الأسبوع السبعين سيبدأ بعد اختطاف الكنيسة السرّي، حيث سيعيد الله علاقته عندها مع شعب إسرائيل. والهدف لكي يحقق له المواعيد الخاصة بالملك الأرضي، إذ هو يعتقد خطأ أيضاً بما سمّاه بالملكوت المؤجل. 

الفرضية الخاطئة السادسة: أن نبوءة المسيح في بشارة متّى 24 ستتم بعد اختطاف الكنيسة. وهنا عليّ أن أشير أن الكنيسة في كل العصور، كانت تعتقد أن نبوءة المسيح في بشارة متّى 24 قد تمّت عام 70 ميلادية، عندما هاجم القائد الروماني تيطس أورشليم وخرّبها ودمّر الهيكل فيها. وحصل عندها ضيق عظيم على شعب إسرائيل، وقُتل مئات الألوف منهم وتمّ سبيهم. لا سيّما أن المسيح نفسه قال: «الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كلّه»(بشارة متّى34:24). وهنا مرة أخرى نجد أن التفسير التدبيري يبتعد بالكلية عن التفسير الحرفي الذي يدّعيه. ولكي يؤكد على صحة تفسيره ادّعى أنه بعد اختطاف الكنيسة السرّي سيُعاد بناء الهيكل في أورشليم، وسيُعاد تقديم الذبائح الحيوانية فيه، لكي يُبطلها الوحش أو ضد المسيح مرة أخرى. ويتم اضطهاد الأتقياء اليهود الذين سيؤمنون بالمسيح، وتحصل عندها الضيقة العظيمة التي تحدّث عنها المسيح والتي تمّت بحذافيرها سابقاً. إنه حقاً سيناريو غريب لا صلة له البتة بما تنبأ به المسيح. لقد تمّت النبوءة كما تنبأ المسيح بعد جيل من كلامه، أي بعد أربعين سنة. وأدان الله عندها شعب إسرائيل وأنهى علاقته الخاصة به. وهنا عليّ أن أوضّح أن المسيح في نبوءته هذه أشار أيضا في نفس الوقت إلى مجيئه الثاني الباهر العظيم، وضرورة الاستعداد له. لكن هذا يختلف بالكلية عن الادعاء بتكرار حادثة خراب أورشليم ودمار الهيكل في وقت النهاية، وقبل المجيء الثاني للمسيح. 

الفرضية الخاطئة السابعة: أن الكرازة ببشارة الملكوت هي خاصة فقط لشعب إسرائيل. أي لشعب إسرائيل بعد اختطاف الكنيسة السرّي وأثناء الضيقة العظيمة. وهذه الفرضية بعيدة جداً عن كلمة الله، لا سيّما إذا علمنا أن بشارة الملكوت هي نفسها بشارة الإنجيل المفرحة. فها هو البشير مرقس يكتب بدل تعبير بشارة الملكوت التي وردت في بشارة متّى قائلاً: «وينبغي أن يُكرز أولاً بالإنجيل في جميع الأمم»(مرقس10:13). أي أكّد أن بشارة الملكوت هي نفسها بشارة الإنجيل. لقد كرز المسيح نفسه أولاً بملكوت الله، وكانت هذه البشارة هي أساس تعليمه، وتحدّث عنها بأمثال كثيرة(متّى23:4، وأصحاح13)، وكرز بها أيضا الرسل الأوائل(أعمال الرسل12:8، 8:19، 25:20، 31:28). إن رسالة الانجيل هي رسالة واحدة، رسالة الأخبار المفرحة، وهي رسالة ملكوت الله الذي يستطيع كل إنسان أن يقبله ويدخل إليه الآن، وهكذا يصبح من أولاد الملكوت. إن الادعاء أن البقية التقية من اليهود ستكرز ببشارة الملكوت الآتي أثناء الضيقة العظيمة لا أساس له البتة ويؤكد بطلانه. 

الفرضية الخاطئة الثامنة: أن سفر الرؤيا هو سفر مستقبلي لم يتم في القرن الميلادي الأول. أو أن معظم أحداثه ستتم في الأسبوع الأخير من نبوءة السبعين أسبوعاً للنبي دانيال. من المعروف أن سفر الرؤيا هو سفر مليء بالرموز والأرقام المجازية، وليس بإمكاننا تفسيره حرفيا. وباختصار أقول: بما أنه ثبت لنا خطأ فرضية الأسبوع الأخير من أساسها، لهذا من غير المقبول أن نعتبر أن سفر الرؤيا سيتم خلاله. لا بل من الأصح أن نقول أن معظم أحداثه قد تمّت في القرن الميلادي الأول، لا سيّما أن الرائي يوحنا نفسه قد كرر القول أن الوقت قريب. وأيضاً هناك أدلة واضحة أنه كان يشير إلى أباطرة روما القائمين في ذلك الزمان، لا سيّما نيرون ودوميتيان(رؤيا7:17-13). وأشار في نفس الوقت إلى سبع كنائس كانت قائمة آنذاك (رؤيا أصحاح2 و3). وهناك صورة جميلة للكنيسة في سفر الرؤيا والتي لها اثنا عشر باباً يشيرون إلى أسباط إسرائيل الاثني عشر، واثنا عشر أساساً يرمزون إلى تلاميذ المسيح الاثني عشر(رؤيا9:21-14). أي أن الكنيسة هي شعب الله الواحد، الذي يجمع المؤمنين بالمسيح المؤلفين من شعب إسرائيل والأمم. فإذا كانت الكنيسة كما يؤكد سفر الرؤيا هي شعب الله الواحد، فلماذا يحاول التفسير التدبيري الفصل الكامل بين شعب إسرائيل والكنيسة؟ ولماذا يدّعي بوجود شعبين لله شعب سماوي له مواعيد روحية سماوية وشعب أرضي له مواعيد أرضية؟  

سأتحدث في المقال القادم إن شاء الله عن الفرضية الخاطئة التاسعة والأخيرة أن الملك الألفي هو خاص بشعب إسرائيل، يحقق فيه الله وعوده القديمة له. وأيضاً سأبدأ الحديث عن المفهوم الصحيح لموضوع المجيء الثاني للمسيح. 

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا