حقيقة المجيء الثاني للمسيح (1)

هل هناك تأكيد في العهد الجديد أنه يوجد مجيء واحد ثانٍ للرب يسوع المسيح وليس هناك مجيئان كما يقول التفسير التدبيري؟
12 مارس - 11:41 بتوقيت القدس

ظهرت في القرن التاسع عشر عدة تفاسير بالنسبة للمجيء الثاني للمسيح، لعلّ أهمها التفسير التدبيري. ولسبب مدى انتشار هذا التفسير الواسع، رأيت أنه من المناسب أن أركز عليه وأشرح المفهوم الصحيح لموضوع المجيء الثاني للمسيح. لكن قبل أن أشرح هذا المفهوم عليّ أن أكشف عن الفرضيات الخاطئة التي قام عليها هذا التفسير التدبيري. 

أجل، لقد بُني التفسير التدبيري على عدة فرضيات خاطئة، الفرضية الأولى: هي ادعاؤه أن المسيح في مجيئه الأول لم يتمم نبوءات ووعود الله في العهد القديم. الفرضية الثانية: أن الكنيسة هي فترة اعتراضية في مخطط الله. الفرضية الثالثة: أن الكنيسة كانت سراً مخفياً في العهد القديم أٌعلن في العهد الجديد. الفرضية الرابعة: أن الكنيسة ستنتهي بالاختطاف السرّي. الفرضية الخامسة: أن الأسبوع السبعين من نبوءة دانيال سيتم بعد اختطاف الكنيسة. الفرضية السادسة: أن نبوءة المسيح في بشارة متّى 24 ستتم بعد اختطاف الكنيسة. الفرضية السابعة: أن الكرازة ببشارة الملكوت هي خاصة فقط لشعب إسرائيل، الفرضية الثامنة: أن سفر الرؤيا هو سفر مستقبلي لم يتم في القرن الميلادي الأول، الفرضية التاسعة: أن الملك الألفي هو خاص بشعب إسرائيل، يحقق فيه الله وعوده القديمة له. 

الفرضية الخاطئة الأولى: أن المسيح في مجيئه الأول لم يتمم نبوءات ووعود الله في العهد القديم. إن كل البشائر الأربع ورسائل الرسل في العهد الجديد تؤكد أن المسيح قد تمّم نبوءات ووعود الله في العهد القديم لشعب إسرائيل. المسيح نفسه أكّد هذا الأمر بكرازته ببشارة الملكوت، أن ملكوت الله قد أقبل(بشارة مرقس14:1و15). وكذلك الرسل الأوائل أعلنوا أن الله قد تمّم ما وعد به الله شعبه في القديم(أعمال الرسل28:2-36، 17:3-26، 23:13، 32-41). لقد أعلن الرسول بولس أن الله أقام لإسرائيل مخلصاً يسوع. إن هذه الشواهد وغيرها الكثير تؤكد أن المسيح قد تمّم كل وعود الله لشعب إسرائيل، وليس هذا فحسب بل أصبح هو الملك الذي جلس على كرسي داود.

الفرضية الخاطئة الثانية: أن الكنيسة هي فترة اعتراضية في مخطط الله. وبمعنى آخر أن الله سيعود ويتعامل مع شعب إسرائيل بشكل خاص في وقت معين لهم في المستقبل. لا أعلم على ماذا استند التفسير التدبيري في هذه الفرضية التي رفضها في العقود الأخيرة الكثير من لاهوتيي التفسير التدبيري نفسه. لكن المسيح نفسه أكد عكس هذه الفرضية تماما عندما قال لتلاميذه: «ولكن طوبى لعيونكم لأنها تُبصر. ولآذانكم لأنها تسمع. فإني الحق أقول لكم إن أنبياء وأبرارا كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يَروا. ولم يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا»(بشارة متّى16:13-17). وكذلك كتب الرسول بطرس في هذا المنحى حول هذا الموضوع نفسه، راجع (1بطرس10:1-12). أما الرسول يوحنّا فقد أعلن في بشارته بوضوح أن المسيح: «إلى خاصّته جاء وخاصّته لم تقبله. وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه»(بشارة يوحنا11:1-12). أجل لقد أتى المسيح إلى الشعب اليهودي أولاً، لكن رفض هذا الشعب له بأغلبيته لا يعني أن الله سيعود ويتعامل معه بشكل خاص في المستقبل، وأن الكنيسة كانت فترة معترضة في معاملات الله مع الجنس البشري. مع العلم أن الكنيسة الأولى كانت في البداية من اليهود فقط. 

الفرضية الخاطئة الثالثة: أن الكنيسة كانت سراً مخفياً في العهد القديم أٌعلن في العهد الجديد. لو عدنا إلى رسالة الرسول بولس إلى أفسس والتي تحدّث فيها عن السر الذي أعلنه الله له. نجد أن الرسول بولس لم يقل أن الكنيسة كانت هي السر، لكن السر هو: «أن الأمم شركاء في الميراث والجسد ونوال موعده في المسيح بالإنجيل»(أفسس6:3). إن السر إذا: أن الأمم المؤمنين بالمسيح صاروا شركاء مع المؤمنين بالمسيح من شعب إسرائيل في الميراث والجسد، أي شركاء في مواعيد الله الخاصة بشعب إسرائيل، وأهمها الموعد بمجيء المسيح وبشارة الإنجيل المفرحة. لهذا لم يكن غريباً أن يُعلن الرسول بولس في الأصحاح الثاني من رسالته إلى أفسس عن وحدة المؤمنين من الأمم مع المؤمنين من شعب إسرائيل(أفسس11:2-22). 
أما في رسالته إلى غلاطية فقد أكّد الرسول بولس أنه في المسيح يسوع: «ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر. ليس ذكر وأنثى لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع». ثم ختم قائلاً: «فإن كنتم للمسيح فأنتم إذاً نسل إبراهيم وحسب الموعد ورثة»(غلاطية28:3-29).   لهذا نستطيع القول أن يوم الخمسين هو ليس مجرّد ولادة الكنيسة، لكنه يوم إتمام الله لوعوده الكاملة لشعب إسرائيل بالخلاص وإعلان ملكوت الله. 

الفرضية الخاطئة الرابعة: أن الكنيسة ستنتهي بالاختطاف السرّي. فبحسب التفسير التدبيري، بما أن الكنيسة هي فترة اعتراضية فلا بدّ أن يأتي يوم ينتهي فيه وجودها على الأرض، لكي يعود الله ويتعامل مع شعب إسرائيل. أقول أولاً: أن هذا التعليم لم يكن موجوداً طيلة عصور الكنيسة إلى أن أتى جون داربي وبدأ هذا التعليم عام 1830. ثانياً: لا وجود لهذا التعليم في العهد الجديد. إن ورود كلمة الاختطاف لا يعني أنه سيكون هناك حادث منفصل له، أو أنه سيكون حادثاً سرّياً. بل على العكس إن كل القرائن والأدلة تؤكد أن هذا الحادث سيكون حادثاً علنياً وعند مجيء المسيح ثانية واستعلانه على سحاب السماء. فهو يحصل عند مجيء الرب ثانية، وبغتة، وبهتاف وصوت رئيس ملائكة، وعند البوق الأخير. وأنه كان سرّا أُعلن للرسول بولس، أن المؤمنين الأحياء سيتغيرون عند مجيء المسيح ويلبسون الجسد الممجد. (1تسالونيكي13:4-4:5 و 1كورنثوس51:15-53). أي لم يكن هناك أي ذكر لاختطاف سرّي، بل لسرّ أُعلن للرسول بولس.

سأكمل هذا الموضوع الهام وأتحدث عن الفرضيات الخاطئة الباقية في الأيام القادمة إن شاء الله.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا