لجأت البطريركية اللاتينية وحراسة الأراضي المقدسة الفرنسيسكانية، في خطوة غير مسبوقة لمحاربة هجرة مسيحيي القدس الفلسطينيين الى بناء وحدات سكنية لهم في الشطر الشرقي من المدينة وترميم بيوتهم في بلدتها القديمة.

وقال المطران وليم شوملي، النائب البطريركي للاتين في القدس والأراضي الفلسطينية: "قمنا ببناء 72 وحدة سكنية في بيت صفافا وهناك ثمانية بيوت قيد الترخيص"، موضحاً أن "سعر البيت في حي بيت صفافا 260 ألف دولار لمساحة 110 أمتار مربعة". وأضاف أن البطريركية "ستقوم بإنجاز مشروع إسكان ثانٍ".

وتابع أن "هذه سابقة تقوم بها البطريركية لمساعدة الفلسطينيين على البقاء وعدم الهجرة"، مؤكداً أهمية تأمين السكن "لكل فئات الشعب الفلسطيني".

وأوضح المطران شوملي "احتجنا لنحو 15 عاماً لنحصل على تراخيص من بلدية القدس" الإسرائيلية، مؤكداً أن "الحصول على تراخيص الإسكان الجماعي أسهل بكثير من الحصول على تراخيص فردية".

وكان البطريرك فؤاد طوال، بطريرك القدس للاتين، أشار عشية عيد الميلاد الى أن الدور المسيحي "تراجع في هذه البلاد في السياسة والمواقف الأخرى" نتيجة تراجع عدد المسيحيين بسبب الهجرة. وقال إن عدد السكان المسيحيين في كل مدينة القدس يبلغ "10 آلاف فقط من كافة الكنائس مقابل 240 ألف مسلم و450 ألف يهودي". وإذ أشار إلى أن عدد المسيحيين في الضفة الغربية وغزة والقدس لا يتجاوز الخمسين ألفاً، أكد أنه "رغم هذا العدد المتناقص، نحن أقوياء في مؤسساتنا مثل المستشفيات والمدارس".

وفي السياق ذاته، قال الوكيل المساعد للشؤون المسيحية في وزارة الأوقاف الفلسطينية حنا عيسى إن "هجرة المسيحيين من الأراضي الفلسطينية أصبحت ظاهرة مقلقة في الآونة الأخيرة". وأضاف أن "آخر الإحصائيات تفيد أن نحو 600 مسيحي من القدس والضفة وغزة يهاجرون سنوياً". وأوضح أنه "بين 1967 و1993 غادر الضفة الغربية وقطاع غزة نحو 13 ألف مسيحي، هاجر منهم ثمانية آلاف من الضفة الغربية وخمسة آلاف من قطاع غزة".

وحذر من استمرار هجرة المسيحيين وخصوصاً الشرقيين من مدينة القدس لأن لديهم أملاكاً كثيرة في القدس الغربية. وقال لفرانس برس "إذا أجبرت إسرائيل المسيحيين على ترك البلاد فإن ذلك سيخلق مشكلة مع الغرب. أما إذا هاجروا طواعية فإن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني سيبدو كأنه صراع إسلامي يهودي".

وتحدث الأب فراس حجازين، كاهن رعية اللاتين في القدس، عن مشروع سكني آخر في حي الشياح في مدينة القدس أنجز و"سكنت فيه 68 عائلة مسيحية في نهاية تشرين الثاني الماضي". وقال إن "مؤسسة الفرنسيسكان لحراسة الأراضي المقدسة قامت وبرعاية دير اللاتين بدعم مشروع بيت فاجي الذي أقيمت بيوته أساساً لمساعدة الأزواج الشابة وذوي الدخل المحدود". وأوضح أن المشروع الذي سمح ببناء مجمع سكني حديث من عشرة مباني قرب دير اللاتين يحيط بها حرش، بهدف "ايجاد الطرق والوسائل لإبقاء أهل البلاد فيها ووقف هجرة المسيحيين التي لا تزال مستمرة حتى الآن". كما تحدث عن مشروع "لترميم بيوت البلدة القديمة لنحو ألفي مسيحي من طائفة اللاتين".

وقال سمير هودلي، أحد الذين استفادوا من مشروع إسكان الشيح: "شعرت براحة النفس والهدوء منذ سكنت هنا في في أيلول الماضي"، موضحاً أنه يدفع "1300 شاقل (نحو 350 دولاراً) شهريا لبيت مساحته 130 متراً مربعاً مقابل 800 دولار في الشهر كنت أدفعها من قبل وصاحب البيت غير راضٍ".

أما انطون الربضي فقال إن "الحياة كانت صعبة جداً في البلدة القديمة مع أننا نحبها كثيراً. لكن مساحة البيت هنا 130 متراً مربعاً ضعف مساحة بيتنا القديم".
 
لكن الأب فراس حجازين قال: "إن عملنا هذا لا يكفي لوقف الهجرة. وحدنا لا نستطيع عمل ذلك. يجب أن تقوم مؤسسات أخرى بدعم مثل هذا العمل وأن تحذو المؤسسات الأخرى حذونا". ورأى أن "مساعدة الناس في سكنهم ما هي إلا مساعدة بسيطة أمام تحديات الحياة الصعبة في القدس لأن هناك عناصر كثيرة تجعل الإنسان يرحل، مثل قلة العمل والأشغال والدراسة والضرائب الباهظة ومستوى المعيشة المرتفع".

ومثله قال المطران شوملي إن تأمين السكن "لا يكفي لأن الناس بحاجة الى عمل"، موضحاً أنه "إذا لم يجد الفلسطيني عملاً فسيسعى لترك البلاد للحصول على مصدر رزق". وأضاف "وفرنا عملاً لنحو 66 عاملاً من القدس والولجة وبيت لحم" في الضفة الغربية "ونأمل أن تستطيع السلطة بناء مصانع وايجاد أماكن عمل للناس".

وقال الأب حجازين إن هناك "تضييق خناق على عيش الناس هنا حتى ترحل ويجب على الإنسان أن يعمل بثلاث وظائف حتى يستطيع العيش بكرامة كما لا توجد بيوت وأراضي في القدس". ولا تطال الهجرة المسيحيين فقط، فقد أعلن جهاز الإحصاء الفلسطيني في بيان عن نتائج مسح الهجرة الأول في الأراضي الفلسطينية في 2010 أن نحو 32 ألف فلسطيني هاجروا للإقامة خارج الأراضي الفلسطينية 2005 وحتى 2009". وأضاف أن "هذا العدد لا يشمل الأسر التي هاجرت بالكامل" بل يتعلق بالأفراد وحدهم. وأشار الى أن الشباب بين 15 و29 عاماً وخصوصاً حملة البكالوريوس والشهادات العليا يشكلون ثلث المهاجرين، والذين تراوح أعمارهم بين 30 و44 عاماً نحو 26%.

ا ف ب