هي الأجمل دوماً؛ بحجارتها القديمة، وفسيفسائها المتراصة ورعاً وخشوعاً، وأعمدتها المرمرية العائدة لأقدم العصور، وتصميماتها التي توحي بقدسية ما، ورائحة البخور التي تعبق في جنباتها، وصوت التراتيل التي تعلو تارةً وتخفت تارةً أخرى، منذرة بمواعيد الصلاة، وزائريها الذين يجوبون المكان جيئةً وذهاباً لعلهم يكتشفون فيها سرداباً جديداً أو منطقة لم يرَوها من قبل.

كل ذلك وأكثر يجعل كنيسة المهد من أجمل الأماكن التاريخية والدينية التي يأتيها السياح من كافة بقاع الأرض؛ فتراها تعج بالزوار في جميع فصول السنة؛ دون الالتزام بمناسبة معينة أو عيد بعينه، لأنها تبقى متألقة دائماً، بحضورها المميز الذي يشعر كل زائر بمدى روحانية المكان، وأهميتها التاريخية والحضارية والدينية على حد سواء.

من أجل كل هذا، ولتبقى الكنيسة على تألقها الدائم، فإن الحكومة الفلسطينية قررت البدء بعملية ترميمها مخصصةً مبلغ مليون دولار -كما يؤكد مستشار الرئيس للشؤون الدينية زياد البندك- حتى يتم إعادة إحياء ما تردى وشارف على التداعي من عناصرها الأساسية؛ حيث يشير البندك إلى أن الكنيسة منذ أكثر من 1700 عام لم تحظَ بترميم شامل كهذا مما أثر بشكل كبير على الجدران والأساسات والعناصر الأخرى، وجل ما كان يقام في السابق هو مجرد عمليات ترميم تجميلية، مثلما حدث أيام العثمانيين والانتداب البريطاني والحكم الأردني والاحتلال الإسرائيلي.

وكخطوة أولى لهذه العملية المعقدة فإن طاقماً كاملاً من العمال والمهندسين والتقنيين والفنيين والباحثين وعلماء الآثار من كندا وإيطاليا بالتنسيق مع المجموعة الاستشارية الفلسطينية، قد بدأوا بالفعل بإجراء الدراسات المختلفة والتحليلات سواء على الموقع أو في المختبر، من أجل معرفة الحالة الراهنة لعناصر الكنيسة من جهة ووضع خطة عمل واضحة عن كيفية الترميم والطرق الأنجع لذلك من جهة أخرى إضافة إلى تصميم تسلسل تاريخي لمراحل بناء الكنيسة كما يوضح المهندس عيسى مرة منسق المشروع المحلي من المجموعة الاستشارية.

وتشمل هذه الدراسة -التي ستكلف الحكومة الفلسطينية إجمالي 313 ألف دولار أمريكي- جميع عناصر الكنيسة بما في ذلك السقف والتغطية والجدران والأحجار والحيطان والكحلى والأساسات والأرضية والفسيفساء واللوحات والأعمدة والتيجان التي سيبتدأ ترميمها بعد خروج النتيجة النهائية للدراسة في آذار القادم.

وقد تم التفكير في هكذا خطوة منذ زمن إلا أن الوضع المتردي للكنيسة خاصة السقف قد دفع الحكومة الفلسطينية إلى الإسراع في البدء بتنفيذ المشروع؛ خوفاً من ازدياد الوضع سوءاً كلما تقدم الوقت وبالتالي خسارة أهم معلم أثري وتاريخي فلسطيني، لهذا فإن طاقم العمل قد توجه للكنيسة في نهاية أيلول الماضي بادءً بالخطوة الأولى المتمثلة في المسح الليزري والتحليل والتخطيط.

ويعزو المهندس مرة الوضع السيء والمتردي الحالي للكنيسة نظراً إلى الترميمات السابقة التي يصفها بالخاطئة والتي بدلاً من اصلاح الأمر قد زادته سوءاً، إلا أن تدارك الحكومة الفلسطينية للموضوع في الوقت المناسب قد وفر العديد من الخسائر التي من الممكن أن تحدث في حال ترك الوضع على ما هو عليه.

ومن أهم الصعوبات التي واجهت فريق العمل -بحسب مرة- كثرة السياح والوافدين الذين شكلوا عقبة أمام العمال خاصة أثناء وضع "السقالات" مما أدى بالقائمين على المشروع إلى نقل جميع ساعات الدوام إلى ما بعد السادسة عصراً حتى الصباح، فكان جميع الطاقم يعمل في ساعات الليل من أجل إنجاح العمل وتفادي أزمة السياحة.

ولهكذا خطوة أهمية كبيرة على صعيد السياحة الدينية وبالتالي تحسين الوضع الاقتصادي لفلسطين بشكل عام ولمدينة بيت لحم بشكل خاص ناهيك عن المحافظة على كنز المدينة التاريخي والأثري الذي يعود إلى عصور قديمة -كما يؤكد زياد البندك- لهذا فإن الحفاظ على موروث فلسطين التاريخي والحضاري يتحقق بإعادة إحياء كنيسة المهد عن طريق ترميم شامل وكامل لجميع عناصرها.

هبة لاما / PNN