ردا على المقال الذي نُشر في جريدة الإتحاد في 28 / 5 / 2010 
(
http://www.aljabha.org/index.asp?i=51434)
ورفضت جريدة الإتحاد نشر الرد ادناه...

يتساءل فراس السواح الباحث السوري المختص في الميثولوجيا وتاريخ الأديان قائلا: "هل تنبأ يسوع المسيح عن موته وقيامته"؟ ويبدأ الكاتب رحلة البحث عن هذا الجواب في دراسة "تاريخية" نقدية للأناجيل مجادلا بدون توثيق بأن مؤلفي الأناجيل يختلفون عن تلاميذ يسوع. ويدعي أن مؤلفي الأناجيل ابتكروا ميثولوجيا أو أسطورة تنبُّؤ يسوع المسيح عن موته وقيامته وابتكروا الأحاديث والحوادث من بنات أفكارهم ليثبتوا أن يسوع هو المسيح وأنه تنبأ عن موته وقيامته قبل وقوعهما. وبحسب مقاله، لم يسمع رسل المسيح وتلاميذه بنبؤة القيامة قط.

وهكذا يجب رفض شهادة الأناجيل والتشكيك في مصداقيتها التاريخية لأن مؤلفي الأناجيل لم يسمعوا يسوع أو يروه، بل اخترعوا القصص عنه بطريقة تتوافق مع ثقافتهم التوراتية. ويحاول الكاتب أن يثبت رأيه بقوله غير المثبت أن: (1) شهادات الأناجيل الأربعة متضاربة، (2) إجابة يسوع خلال محاكمته لا تظهر أنه المسيح أو ابن الله أو أنه ملك اليهود، (3) عهد الله مع الإنسانية الذي صنعه يسوع يحل محل عهد يهوه الذي صنعه الله مع شعب اسرائيل. ويركز الكاتب على شهادات الأناجيل مقتبسا العديد من الآيات التي تظهر بحق أن يسوع تنبأ عن موته وقيامته ثم يناقش هذه الأقوال النبوية في إطار أحداث ما بعد الصلب مستنتجا بدون مبرر مقنع أن عدم توقع التلاميذ للقيامة يبيّن ابتكارها من مؤلفي الأناجيل الذين اعتمدوا على ثقافتهم التوراتية خاصة النصوص التي تصف "عبد يهوه" ومعاناته. فكيف يعقل عدم توقع التلاميذ قيامة المسيح في ضوء عشرات الآيات التي تتنبأ عن القيامة؟ لهذا يستنتج الكاتب أن اندهاش التلاميذ وعدم توقعهم قيامة يسوع هو اثبات على عدم سماعهم لهذه التنبؤات ودليل على ابتكار مؤلفي الأناجيل اسطورة أو ميثولوجية قيامة المسيح. والقراءة الصحيحة للنص الكتابي هي تجريد الرواية/الروايات في الأناجيل من الأسطورة (Demythologization) من اجل الوصول إلى الرواية التاريخية الحقيقة.

ليس موقف السيد السواح موقفا جديدا أو ابتكارا استطاع تحدي مصداقية الأناجيل. فمنذ القرن الثامن عشر، وربما قبل ذلك، حاول العديد من الناقدين الفصل بين "حقيقة" يسوع التاريخية وصورة المسيح "الميثولوجية". وفي بداية القرن العشرين قدم الباحث Albert Schweitzer شرحا عن فكرة البحث عن يسوع التاريخي منذ القرن الثامن عشر حتى القرن العشرين (1778 – 1906). ثم تجددت فكرة البحث عن يسوع التاريخي مع الباحث Rudolf Bultmann في الخمسينات من القرن العشرين. وأخيرا، نرى فكرة البحث عن يسوع التاريخ في مدرسة The Third Quest التي تحاول دراسة يسوع التاريخي في ضوء معلوماتنا اليوم عن القرن الأول الميلادي.

ومن أجل عدم إطالة هذا المقال، سأضع أمام القارئ بعض المشاكل التي أراها في طرح السيد السواح. أولا، إن المنهجية التاريخية التي تدعي الموقف الحيادي هي طرح ساذج غير مقبول في عالم الفسارة المتبصر. فكل طرح تاريخي هو طرح منحاز ولا يستطيع أي إنسان أن يدعي أنه يبحث عن الحقائق المجردة دون النظر إليها من منظار اجتماعي وسياسي وديني وثقافي محدد. ولا يستطيع الطرح التاريخي المتبصر تجاهل الإطار الأدبي واللاهوتي للنص. وهذا ما يفعله السيد السواح. لهذا من الأفضل الحديث عن منهجية التأريخ (Historiography) قبل الخوض في الطرح التاريخي. ولقد فشل السيد السواح ليس في طرح افتراضاته فحسب، بل أيضا في الدفاع عنها وتأسيسها وتقديم الإدلة التي تعيننا أن نقبل افتراضاته. فلماذا، أرفض تاريخية الأناجيل؟ فمثلا، كيف لا يكون كاتب انجيل يوحنا شاهد عيان وهو الذي يخبرنا بعدد السمك (يو 21: 11) وبرائحة الطيب التي ملأت البيت (يو 12: 3) وبعادات السامريين (يوحنا 4) وعادات اليهود والمناطق الجغرافية المختلفة في البلاد؟ ولماذا لا أقبل أن تلاميذ يسوع المسيح هم الذين كتبوا الأناجيل بعد أن عاصروا السيد المسيح لعدة سنوات؟ ولماذا لا أبحث عن معنى أدبي أو لاهوتي للآيات التي ينظر إليها السيد السواح بنظارة تاريخية نقدية دون اعتبار سياق النص والأهداف اللاهوتية المتجذرة فيه. فنحن نخطئ حينما نفسر كتاب لاهوتي من منظار تاريخي فقط. فلماذا لا يكون عدم فهم التلاميذ أقوال المسيح وأبعادها له تفسير أدبي. لاحظ مثلا قول يسوع لبطرس: ستفهم فيما بعد (يو 13: 7) وتكرر فشل التلاميذ في فهم قول يسوع في انجيل مرقس (مر 7: 18؛ 8: 17، 21). فحتى عندما اخبرهم عن قيامته لم يفهموا قوله. يقول مرقس: "لأنه كان يعلم تلاميذه ويقول لهم: إن ابن الإنسان يُسلّم إلى أيدي الناس فيقتلونه وبعد أن يُقتل يقوم في اليوم الثالث. وأما هم فلم يفهموا القول وخافوا أن يسألوه" (مر 9: 31 – 32). وعندما اخبرهم في مرقس 10 عن قيامته تصرفوا بطريقة تتناقض مع مفهوم الخدمة والصليب ليؤكدوا عدم فهمهم (مر 10: 32 – 45). وحتى بعد قيامته وظهوره لهم لم يفهموا جوهر القيامة إذ ظنوا أنه سيرد الملك لإسرائيل بحسب توقعاتهم (أع 1: 6 – 8). بكلمات أخرى، هناك احتمالات أخرى لتفسير عدم توقع التلاميذ لقيامة المسيح بالرغم من شرح المسيح لهم عن القيامة. للاسف، لقد قدم السيد السواح منولوجا أو حديثا مع نفسه بدلا من تقديم ديالوج أو حديث مع الفئات التي لا تتفق معه في الرأي ليكون عادلا في طرحه.

ثانيا، لم يطرح السيد السواح المعطيات التاريخية خارج الأناجيل. فمثلا، يتحدث يوسيفيوس في القرن الميلادي الأول في كتابه Jewish Antiquities عن رئيس الكهنة حنان قائلا: "عقد مجمعا لقضاة السانهدرين واحضر امامهم رجلا يُدعى يعقوب، اخو يسوع المدعو المسيح" (Ant. 20.9.1 §§ 200-203). لاحظوا أن لقب المسيح كان مرتبطا بيسوع في قول يوسيفيوس اليهودي. وفي مقطع آخر، يقول يوسيفيوس: "في ذلك الوقت عاش رجل يُدعى يسوع، وكان رجلا حكيما . . . وعندما سمعه بيلاطس وعلم أن شرفاء اليهود اتهموه، أدانه بموت الصليب إلا أن احباءه لم يتخلوا عنه. ولقد ظهر لهم في اليوم الثالث حيا لأن انبياء الله قد تنبأوا عن هذه الأمور وأمور أخرى عجيبة. وهكذا لم يختف المسيحيون عن الوجود إلى هذا اليوم" (Ant. 18.3.3 §§63-64). ويقول المؤرخ Tacitus سنة 110 ميلادي أن المسيح حُكم عليه بالموت صلبا (Ann. 15.44). ويقول Pliny the Younger في سنة 110 ميلادي: أن المسيحيين يؤمنون أن المسيح هو الله. فلماذا لم يأخذ السيد السواح هذه المراجع في عين الاعتبار؟ وماذا عن شهادة العديد من الآباء وكنيسة القرون الأولى الذين اكدوا هوية كُتّاب الأناجيل. فهل يعتقد السيد السواح أن آلاف الناس عبر ألفي عام لم يحاربوا قيامة المسيح ويحاولوا تحديها؟ فكيف ثبتت هذه العقيدة البعيدة عن التوقعات البشرية إن كانت مبنية على خيال مؤلفي الأناجيل؟ اضف إلى ذلك، إن التناقض الذي يراه السيد السواح هو بسبب قراءته التاريخية المتحيزة في اختيار موضوع البحث وفي تحاشي الإدلة التي لا تتوافق مع طرحه. وهذه احدى مخاطر عدم طرح النقاش في إطار الحوار مع الآخر.

ثالثا، هل حقا آمن التلاميذ بقيامة يسوع أم أنهم نشروا كذبة كبيرة؟ يتجاهل السيد السواح تأثير القيامة على المسيحيين والإدلة الكثيرة التي تؤكد تجذر مفهوم القيامة عند المسيحيين. فإن كان مؤلفو الإنجيل قد اخترعوا تنبؤات وقصص القيامة فلماذا لم نسمع اية اعتراضات مؤثرة من اليهود أو من الفرق التي تتحدى الطرح المسيحي؟ ولماذا يموت المسيحيون مدافعين عن كذبة لم يشاركها المسيح ويتحدث عنها؟ وكيف يفسر السيد السواح كل طروحات العهد القديم التي تتحدث عن المسيح المتألم الذي يقوم من بين الأموات؟ فهل هذه النبؤات اضيفت أيضا بعد قيامة المسيح؟ وهل نستطيع أن نحصر عبد الرب المتألم بشعب إسرائيل القديم. إن هذا التوجه التفسيري للعهد القديم يتجاهل الكثير من النصوص التي تبين جانبا إلهيا لشخص المسيح. ولا يستطيع المفسر المدقق تجاهل هذا الأمر. كان أجدر بالسيد السواح اعتبار الآيات في سياقها اللاهوتي. فالنص المكتوب موجه إلى قارئ محدد، وهو نص غير حيادي، بل يهدف إلى تغيير وجهة نظر القارئ ليدرك أن يسوع هو المسيح وليؤمن به مخلصا وربا. ويقدم كل انجيل زاوية مختلفة محاورا القارئ وآملا أن يؤمن القارئ بيسوع المسيح. فالطروحات التاريخية في الكتاب المقدس يجب أن تُقرأ في إطارها اللاهوتي، لا أن تُقلع من سياقها. فمثلا، يتحدث يوحنا عن أنواع الإيمان في اصحاحه عن القيامة. وبينما يبين أن التلميذ المحبوب يوحنا رأى القبر فآمن (يو 20: 9) يذكر أن توما لم يرغب في الإيمان دون اختبار ملموس مما أعطى فرصة لكاتب الإنجيل، الرسول يوحنا، أن يخط الكلمات التي تخاطب القارئ: "طوبى للذين آمنوا ولم يروا" (يو 20: 29).

هناك الكثير من الأمور الأخرى التي استطيع طرحها ولكن بسبب تحديد مساحة هذا المقال ساكتفي بالطرح أعلاه آملا أن تكون طروحات السيد السواح المستقبلية أكثر حذرا وأفضل في طروحاتها الأكاديمية بدلا من استخدام سلسلة من النصوص الكتابية بمنهجية سطحية وبدون اعتبار طروحات أخرى اظهرت مصداقيتها الأكاديمية والروحية عبر مساحات جغرافية كبيرة وحيز زمني طويل. المسيح قام. هذا ما أكده تلاميذ المسيح واتباعهم في الأناجيل والرسائل وما أكدته الكنيسة لألفي سنة وما نؤكده نحن اليوم في ضوء الأناجيل صاحبة المصداقية ونشهد أيضا أن المسيح الحي قد غير حياتنا.

بقلم القس الدكتور حنا كتناشو، باحث مختص في دراسات الكتاب المقدس.
العميد الأكاديمي لكلية بيت لحم للكتاب المقدس وكلية الجليل للكتاب المقدس.