هل يستطيع المسيحيون الفلسطينيون أن يحققوا ما عجز عنه المسلمون الفلسطينيون؟
 
قد يبدو السؤال مستغربا. ذلك أن المسيحيين في فلسطين الذين يتآكل عددهم يوما بعد يوم لا يشكلون اليوم سوى 2 بالمائة من مجموع عرب فلسطين. وهم في القدس أقل من 0.2 من سكان المدينة المقدسة. ولكنهم يعانون كالمسلمين شتى أنواع الاضطهاد الإسرائيلي على الصعيدين الديني والعنصري.
 
ولذلك انخرطوا في كل عمليات المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي وشاركوا في الانتفاضة الأولى والثانية، وعانوا من جراء ذلك ما عانى منه المسلمون على يد قوات الاحتلال الإسرائيلية.
 
وانتظر المسيحيون الفلسطينيون طويلا، شأنهم في ذلك شأن المسلمين الفلسطينيين، ردود الفعل العربية والإسلامية.. كما انتظروا نتائج المبادرات الدولية لتحقيق التسوية السياسية والتي انتهت كلها إلى لا شيء.
 
أمام هذا الحائط المسدود استعاد المسيحيون الفلسطينيون مأساة مماثلة عانى منها طويلا أهل البلاد الأصليين في جنوب أفريقيا على يد نظام الأبارتيد (التمييز العنصري). واستعادوا سر سقوط هذا النظام. فقد قاطعت دول العالم النظام العنصري حتى جثا على ركبتيه واضطر قادته العنصريون إلى إعادة الحقوق إلى أصحابها الشرعيين عن يد وهم صاغرون.
 
ولدى مراجعة هذا التحول التاريخي الكبير، وقف المسيحيون الفلسطينيون أمام الحقيقة التالية، وهي أن الكنائس المسيحية على اختلافها، توافقت على اعتبار النظام العنصري "خطيئة" لا تغتفر ضد المسيحية عقيدة وقيما وأخلاقا. ولذلك دعت المؤمنين في شتى أنحاء العالم إلى مقاطعة النظام العنصري على قاعدة هذا الإيمان. فالتقت هذه المبادرة الكنسية مع سلسلة المبادرات ذات الطابع الإنساني التي قامت بها حركات عالمية أخرى.. مما أدى إلى توالى الضربات المادية والمعنوية على رأس النظام العنصري حتى تهاوى وسقط بالضربة القاضية.
 
في ضوء هذه الخلفية تساءلت قيادات دينية مسيحية فلسطينية: لماذا لا نعمل على إصدار موقف مسيحي عالمي مماثل ضد الاحتلال الإسرائيلي؟
 
طرحت هذه القيادات الأمر على مجلس الكنائس العالمي (جنيف) الذي يضم حوالي 365 كنيسة إنجيلية وأرثوذكسية، فلاقت تجاوبا واسعا.
 
وفي ضوء هذا التجاوب المشجع أعدت القيادات المسيحية الفلسطينية ورقة بعنوان: "وقفة حق، كلمة إيمان ورجاء ومحبة من قلب المعاناة الفلسطينية"، وأذاعتها من بيت لحم.

بدأت الورقة التي تعرف مسيحيا بكايروس Kairos بإقرار الحقيقة المؤلمة التالية، وهى أن مأساة الشعب الفلسطيني وصلت إلى طريق مسدود، بينما يكتفي أصحاب القرار بإدارة الأزمة بدل العمل الجدّي في سبيل حلها، وهذا ما يملأ قلوب المؤمنين بالأسى وبالتساؤلات: ماذا تصنع الأسرة الدولية؟ وماذا تصنع القيادات السياسية في فلسطين وإسرائيل والعالم العربي؟ وماذا تصنع الكنيسة؟... لأن القضية ليست قضية سياسية وحسب، بل هي سياسية يدمر فيها الإنسان وهذا أمر يهم الكنيسة.

ولاحظت الورقة أن "الكل يتكلم اليوم عن السلام ومسيرة السلام في الشرق الأوسط.. ومازال ذلك كله حتى الآن كلاما فقط، بينما الواقع على الأرض هو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وحرماننا حريتنا وكل ما ينتج عن ذلك من عواقب".

أما ما هي هذه العواقب، فإن المجموعة المسيحية الفلسطينية حددتها على النحو التالي:

الجدار الفاصل الذي أقيم على الأراضي الفلسطينية والذي صادر قسما كبيرا منها، "وقد حول مدننا وقرانا إلى سجون، وفصل بينها، فجعلها كانتونات وأشلاء متناثرة، وغزة، بعد الحرب الوحشية التي شنتها إسرائيل عليها في شهر ديسمبر 2008 ويناير 2009، مازالت تعيش في أوضاع لا إنسانية تحت حصار مستمر، وهي وأهلها منفصلون جغرافيا عن سائر الأراضي الفلسطينية".
 
المستوطنات الإسرائيلية التي تنهب أرضنا باسم الله وباسم القوة، وتسيطر على مواردنا الطبيعية لاسيما المياه والأراضي الزراعية، حارمة مئات الآلاف من الفلسطينيين منها. وغدت اليوم عائقا دون أي حل سياسي.
 
المذلة التي ما زلنا مخضعين لها عند الحواجز العسكرية في حياتنا اليومية، عند توجّهنا إلى أعمالنا أو مدارسنا أو مستشفياتنا.
 
الفصل بين أفراد العائلة الواحدة الذي يجعل حياة الأسرة نفسها أمرا مستحيلا للآلاف من الفلسطينيين، ولاسيما في العائلات التي لا يحمل فيها أحد الزوجين هوية إسرائيلية.
 
الحرية الدينية نفسها أصبحت محددة، حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة، بادّعاء دواعي الأمن. فمقدسات القدس محرّمة على العديد من المسيحيين والمسلمين من الضفة وغزة والقطاع، وحتى على المقدسيين أنفسهم في الأعياد. كما أن البعض من كهنتنا العرب يعانون من منعهم من دخول القدس بصورة عادية.
 
اللاجئون جزء من واقعنا. وأغلبهم مازال يعيش في المخيمات في ظروف صعبة لا تليق بالإنسان. وهؤلاء "المنتظرة عودتهم" جيلا بعد جيل، ماذا سيكون مصيرهم؟
 
الأسرى، ألوف الأسرى، في السجون الإسرائيلية هم أيضا جزء من واقعنا. الإسرائيليون يحرّكون العالم لتحرير أسير واحد وهؤلاء الآلاف من الأسرى الفلسطينيين القابعين في السجون الإسرائيلية متى يحرَّرون؟
 
القدس، قلب واقعنا، وهى في الوقت نفسه رمز سلام وعلامة خصومة. بعد أن فصل الجدار العازل بين أحيائها الفلسطينية، مازالت مستمرة عملية تفريغها من سكانها الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين. يُجرّدون من هوياتهم، أي من حقهم في البقاء في القدس، وتُهدَم بيوتهم أو تصادَر. القدس مدينة المصالحة أصبحت مدينة التفرقة والإقصاء ومن ثم سببا للاقتتال بدل السلام.
 
وبعد أن تحدثت الورقة عن معاناة الفلسطينيين داخل إسرائيل، وعن معاناة اللاجئين والمهجرين ومن سياسة العقاب الجماعي التي تمارسها إسرائيل، قالت:
 
«الوضع الراهن لا يبشّر بأي حلّ قريب أو بنهاية الاحتلال المفروض علينا. نعم، كثرت المبادرات والمؤتمرات والزيارات والمفاوضات، إلا أن ذلك كله لم يعقبه أي تغيير في وضعنا ومعاناتنا. حتى الموقف الأمريكي الجديد الذي أعلنه الرئيس أوباما، وإرادته الظاهرة لوضع حدّ للمأساة، لم يكن له أثر في تغيير واقعنا. لأن الردّ الإسرائيلي الصريح والرافض للحل لم يدع مجالا للأمل".
 
ثم تحدثت الورقة عن الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، فقالت: "إن الاحتلال الإسرائيلي هو شرّ يجب مقاومته. هو شرّ وخطيئة يجب مقاومتها وإزالتها. تقع هذه المسئولية أولا على الفلسطينيين أنفسهم الواقعين تحت الاحتلال. فالمحبة المسيحية تدعو إلى المقاومة، إلا أن المحبة تضع حدا للشرّ بسلوكها طرق العدل. ثم تقع المسئولية على الأسرة الدولية إذ أصبحت الشرعية الدولية اليوم هي التي تحكم العلاقات بين الشعوب. وعلى الظالم نفسه أخيرا أن يحرّر نفسه هو من الشرّ الذي فيه ومن الظلم الذي أوقعه على غيره".
 
ووجهت الورقة رسالة إلى المسلمين قالت فيها:
 
"رسالتنا للمسلمين هي رسالة محبة وعيش مشترك ودعوة للتخلص من التعصّب والتطرّف. وهى أيضا رسالة للعالم أن المسلمين ليسوا هدف قتال أو عنوان إرهاب. بل هم هدف سلام وعنوان حوار".
 
وتوّجت الورقة رسالتها إلى العالم المسيحي، وهنا بيت القصيد، فناشدت «كنائس العالم ألا تعمل على إعطاء غطاء لاهوتي للظلم الذي نحن فيه أي لخطيئة الاحتلال المفروض علينا. إن سؤالنا اليوم لإخوتنا وأخواتنا في كل الكنائس هو: هل تقدرون أن تساعدونا على استعادة حريتنا، وبذلك فقط تساعدون الشعبين على التوصل إلى العدل والسلام والأمن والمحبة.
 
إننا ندين كلّ أشكال العنصرية، الدينية منها والعرقية، بما فيها المعاداة للسامية وكراهية المسلمين (الإسلاموفوبيا)، وندعوكم إلى إدانتها والى اتخاذ موقف حاسم من كل مظهر من مظاهرها، ومع ذلك ندعوكم إلى قول كلمة حق واتخاذ موقف حق من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. فمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات وسائل لا عنفية لتحقيق العدل والسلام والأمن للجميع".
 
والسؤال الآن هل تستجيب كنائس العالم لصرخة الاستغاثة التي أطلقها المسيحيون الفلسطينيون كما استجابت لصرخة الاستغاثة التي أطلقها مسيحيو جنوب أفريقيا؟
 
وهل تتبنى الدعوة اعتبار الاحتلال الإسرائيلي "خطيئة" كما اعتبرت من قبل التمييز العنصري "خطيئة" أيضا؟
 
في الكلمة التي ألقاها القس سولوموزي مابوزا ممثل رئيس أساقفة جنوب أفريقيا دزموند توتو إلى لقاء بيت لحم ما يشير إلى أن الجواب سيكون بالإيجاب. فقد قال: "منذ عشرين عاما سقط جدار برلين.. وهكذا سوف يسقط الجدار العنصري الإسرائيلي. ومنذ خمسة عشر عاما انهار التمييز العنصري في جنوب أفريقيا.. وهكذا سوف ينهار أيضا في الأرض الفلسطينية المحتلة. إننا كشعب متعلق بالأمل لا يمكن أن نفقد الأمل بالعدالة الإلهية".
 
وفي الواقع فإن ثمة دلائل كثيرة تؤكد أن العالم بدأ يضيق ذرعا بإسرائيل وبسياستها العنصرية والاحتلالية.. وإذا حدث ذلك فان من المتوقع أن يتجدد سيناريو سقوط "الأبارتيد" في جنوب أفريقيا بسقوط الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين. فهل يحقق المسيحيون العرب ذلك؟

الشروق