الدرب التي اشتهرت عبر التاريخ هي «درب الآلام» في القدس التي اقتيد عليها السيد المسيح مقيداً بالأصفاد بعد انتهاء محاكمته على يد بيلاطس البنطي من قلعة الانطونيا شمال غرب جدار الهيكل (المدرسة العمرية اليوم التي بنيت نهاية الحقبة المملوكية) حتى الجلجلة.

يزور الحجاج المسيحيون «درب الآلام» منذ القرن الرابع الميلادي، أي منذ إعلان المسيحية ديانة رسمية في الدولة الرومانية مع كل ما حمله التاريخ من صراع على الديار المقدسة بين الغرب والشرق حتى كتابة هذه السطور! الدرب تمر فوق الكاردو الروماني الذي يقطع المدينة من الشمال إلى الجنوب.

عثر علماء الآثار في الثمانينات من القرن العشرين على لافتة تحمل اسم الوالي بيلاطس البنطي في قيسارية التي كانت عاصمة اليهودية. وكشفت الحفريات الأثرية في «بيت حسدا» قرب كنيسة القديسة حنة التي حولها الأيوبيون إلى المدرسة الصالحية ليس بعيداً من الحرم القدسي الشريف عن بركة المياه التي شفى فيها يسوع الناصري الرجل الكسيح.

في هذه الأيام ينطلق المشروع العالمي لفتح وتعقب درب أخرى تتصل بالديانة المسيحية هي «درب المسيح» في الجليل، وهي الطريق التي سلكها السيد المسيح بين الناصرة وكفرَ ناحوم.

كانت كفر ناحوم على الشاطئ الشمالي لبحيرة طبرية، قرية صيادين حدودية تقع على طريق البحر التاريخية VIA MARIS بين مصر وحضارات الرافدين. وفي هذه القرية انضم إليه أهم تلاميذه وأقربهم إليه بطرس الرسول، شمعون بار يوناه الذي أطلق عليه يسوع المسيح اسم «كيفا» بالآرامية أي الصخرة وتحول الاسم باليونانية إلى بطرس، وكذلك شقيقه اندراوس وكانا يعملان في الصيد فأبلغهما المعلم أنه سيحولهما عن صيد الأسماك إلى صيد بني البشر... واعتبر السيد المسيح كفر ناحوم مدينته ومقراً لتعاليمه بعد أن رفضته مدينة الناصرة، ومن هنا قوله: ليس نبي بلا كرامة الا في وطنه وفي بيته.

كشفت الحفريات الأثرية عن بقايا الكنيسة البيزنطية في كفر ناحوم وعن الكنيس القديم وعن حجر الميل الرومي، وهي الطريقة التي كانت متبعة لترسيم الطرقات لدى الرومان بوضع حجارة على مسافة كل ميل. وهي وحدة قياس كانت في الحقبة الرومانية ولا تزال مستعملة إلى يومنا هذا.

المشروع العالمي لترسيم «درب المسيح» في الجليل يمتد شمالاً من وادي الأربيل حتى مجدل طبرية وهي القرية التي ولدت فيها مريم المجدلية، ومن ثم تمر في قرية كفر كنا التي اجترحت فيها المعجزة الأولى في عرس قانا، وهناك كنيستان لاتينية وشرقية تخلدان تلك المعجزة (ثمة اعتقادات تقول بأن المعجزة حدثت في قانا جنوب لبنان). الدرب تواصل تعرجها بين البساتين والمساحات المفتوحة بين صفورية وجبل حطين، وتصل الى شاطئ بحيرة طبريا وتستمر شمالاً إلى كفر ناحوم. صفورية لم تذكر في الكتاب المقدس لكن التراث المسيحي يعتبرها مسقط رأس يهوياخين وحنة والدي السيدة مريم العذراء.

أما الناصرة التي تنطلق منها الدرب، ففيها كنيسة البشارة التي تخلد البشارة التي تلقتها السيدة مريم العذراء من الملاك جبرائيل. هذه الكنيسة الحديثة التي بناها الفرنسيسكان في الخمسينات من القرن العشرين على أنقاض ما تبقى من الكنيسة التي بناها أمير جبل لبنان فخر الدين المعني الكبير، واضعين نقش صورته محفورة بالرخام على مدخلها عرفاناً له بإعادة بناء الكنيسة وبناء مدينة الناصرة من جديد العام 1620.

غابة الصنوبر على المنحدر الشمالي للمدينة والتي يمكن مشاهدتها من قمة جبل الطور لا تزال من تلك الحقبة. كنيسة البشارة بنيت في الفترة الصليبية على يد القيصر قسطنطين وأعاد القائد تانكارد الصليبي بناءها بعد أن تعرضت للهدم في العام 614 بسبب احتلال الفرس. وبعد معركة حطين عام 1187 أمر صلاح الدين الأيوبي بالحفاظ على الكنيسة لكنها هدمت على يد السلطان المملوكي الظاهر بيبرس في العام 1263.

بعد إعدام فخر الدين المعني الكبير عام 1636 تعرض الرهبان الفرنسيسكان للتنكيل على يد العثمانيين فتم اعتقالهم ولم يطلق سراحهم إلا بعد دفع جزية كبيرة. وسمح الظاهر عمر الزيداني والي الجليل المنفصل عن الدولة العثمانية للأخوية الفرنسيسكانية بالعودة إلى فلسطين وكان متسامحاً معهم.

مشروع «درب المسيح» يهدف إلى تنظيف البيئة والحفاظ على الطبيعة في المسارت التي يمر بها وتشجيع السياحة في قرى الجليل التي شهدت ركوداً في السنوات الماضية بسبب الواقع المأسوي العام في الاراضي المقدسة، ويشارك فيه مع الأهالي متبرعون من كافة البلدان الأوروبية والولايات المتحدة بالتنسيق مع مؤسسة «بيت فوزي» في الناصرة وقناة «ناشينال جيوغرافيك» وبعض الهيئات في الاراضي المقدسة.

نظير غانم  
الحياة اللندنية