الاستعمار البريطاني ترك 85% من سكان بيت لحم مسيحيين و19% في القدس، واليوم انخفضت الأرقام إلى 20% و1.8% على التوالي.

البابا يزور ارضا مقدسة طاردة للمسيحيين

عندما يزور البابا فرنسيس الأسبوع المقبل الأرض التي شهدت ولادة المسيح سيخاطب عددا متناقصا من المسيحيين الذين قد تؤدي هجرتهم الجماعية من الأراضي المقدسة إلى تحويل مزارات المسيحية إلى مجرد قطع في متحف.

وعلى الرغم من العدد المتزايد باطراد للسياح المسيحيين الذين يتدفقون إلى مدينتي بيت لحم والقدس المتجاورتين لزيارة العدد الكبير من الأماكن المرتبطة بالمسيح إلا أن الكثير من المسيحيين الفلسطينيين يأملون في الانضمام إلى كثيرين من أقاربهم الذين انتقلوا للعيش في الخارج.

وتتناقص المجتمعات المسيحية بشكل نسبي عبر الشرق الأوسط على مدى أجيال ولم تؤد الثورات العربية الأخيرة وصعود الإسلام الراديكالي إلا إلى تسريع هذه العملية.

وعلى الرغم من أن مهد المسيحية لم يشهد الفوضى الدموية التي حصلت في العراق وسوريا القريبين إلا أن المسيحيين يتطلعون إلى الرحيل ملقين باللوم على الاحتلال الإسرائيلي في تآكل فرصهم الاقتصادية وإعاقة حرية تنقلاتهم.

ويأمل المسيحيون المحليون أن يستخدم البابا زيارته الخاطفة إلى اسرائيل والضفة الغربية يومي 25 و26 مايو/أيار ليدرك محنتهم ولكنهم يشكون في قدرته على فعل الكثير لمساعدتهم خصوصا بعد أسابيع فقط من انهيار أحدث جولة من محادثات السلام الفلسطينية الإسرائيلية.

وقال الأب جمال خضر وهو متحدث باسم الزيارة "لا يمكننا أن نتوقع الكثير من البابا.. ولكننا نريد رسالة عدالة وسلام وتشجيع وأمل من أجل المستقبل".

وتظهر أرقام الإحصاءات حقائق صارخة.

ففي العام الأخير من الحكم البريطاني للمنطقة عام 1947 كان حوالي 85 % من سكان مدينة بيت لحم من المسيحيين في حين كانت النسبة في القدس حوالي 19%. وانخفضت اليوم هذه الأرقام إلى 20% و1.8% على التوالي.

ويفصل اليوم بين المدينتين اللتين لا تبعدان عن بعضهما أكثر من عشر دقائق بالسيارة جدار إسمنتي ضخم شيدته إسرائيل قبل عشر سنوات خلال انتفاضة فلسطينية. وعلى الرغم من تراجع منسوب العنف بقي الجدار كرمز دائم للفصل.

وعلى الرغم من أن جزءا من انخفاض عدد السكان يمكن أن يفسره انخفاض معدلات الولادة لدى المسيحيين مقارنة بجيرانهم اليهود والمسلمين إلا أن أغلبه يعود بشكل أساسي إلى الهجرة.

وقال باسم جياكمان الذي يدير متجرا لبيع التذكارات بالقرب من مغارة الحليب في بيت لحم حيث يقال إن العذراء مريم سكبت بعضا من حليبها أثناء إرضاعها الطفل يسوع "الجميع يريدون الرحيل.. لماذا؟ باختصار لأن الوضع الاقتصادي رهيب".

ويعتبر وضع جياكمان البالغ من العمر 35 عاما حالة نادرة في الأراضي الفلسطينية فقد عاد في الواقع إلى بلاده الأم بعد أن أمضى أكثر من 20 عاما في نيوزيلندا ليتسلم إدارة مصنع لخشب الزيتون والمتجر المجاور الذي أسسه جده. في حين بقي والداه وأشقاؤه الأربعة في الطرف الآخر من العالم.

وقال باسم إنه لديه رسالة بسيطة لهم إذا ما أرادوا السير على خطاه "سأقول لعائلتي أن تذهب بعيدا ولا تعود أبدا".

محنة وهروب

من جهة اخرى فإن المسيحيين العرب الذين يعيشون ضمن حدود إسرائيل بعد تأسيسها عام 1948 أفضل حالا من أشقائهم الذين بقوا في المناطق المحتلة المجاورة وقد ارتفعت أعدادهم من 34 ألفا إلى حوالي 125 ألفا اليوم كما تستفيد مجتمعاتهم من إزدهار الاقتصاد الإسرائيلي المفتوح.

ولا توجد إحصاءات سكانية رسمية في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلتين غير أن رجال الكنيسة يقولون إنه لا يوجد أي نمو حقيقي في أعداد المسيحيين بل انخفاض متسارع من حيث النسبة الإجمالية.

أما في قطاع غزة الذي تحكمه حركة المقاومة الإسلامية حماس ويعيش تحت وطأة حصار إسرائيلي وتشديد مصري على الحدود يقول السكان المحليون إن عدد المسيحيين انخفض إلى حوالي النصف ليصل إلى 1400 شخص خلال 20 عاما.

وأظهرت دراسة اجراها باحثون فلسطينيون في مركز الشرق الأدنى للاستشارات في ابريل/نيسان توقعات قاتمة. فقد قال 62% من المسيحيين في القدس إنهم يريدون الهجرة في حين قال ثلثهم إنهم يعرفون عائلة واحدة على الأقل انتقلت بكاملها إلى الخارج في السنوات الخمس الماضية.

وكما هو الحال في أغلب الأمور هنا فأسباب الهجرة متنازع عليها.

ويقول المسؤوليون الإسرائيليون إن الصراع مع السكان المسلمين الذين يتزايد عددهم هو عامل أساسي. لكن على الرغم من أن بعض المسيحيين يعترفون بوجود احتكاك مع المسلمين من وقت لآخر إلا أنهم يعتبرون الاحتلال الإسرائيلي المستمر وما يسببه من متاعب هو مبعث القلق الأبرز.

واحتلت إسرائيل الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة في حرب عام 1967 وانسحبت من طرف واحد من قطاع غزة عام 2005 ولكنها تبقى الحاكم العسكري الفعلي للضفة الغربية كما ضمت القدس في خطوة لم يتم الاعتراف بها دوليا.

وقال القس الأنكليكاني إبراهيم نيروز "نحتاج إلى إذن خاص للدخول إلى القدس. الاقتصاد يختنق وليس لدينا مطارنا الخاص لنسافر بحرية والمستوطنون اليهود يسرقون أراضينا".

وأضاف في مكتب مكدس بالكتب يقع تحت كنيسة حجرية نظيفة في نابلس وهي ثالث أكبر مدن الصفة الغربية "أخشى أن يأتي يوم لن يبقى فيه أي مجتمع مسيحي هنا".

وانخفض عدد المسيحيين الذين يعيشون في نابلس من أربعة آلاف عام 1967 إلى 650 فقط.

ويعيش ثلاثة من اشقاء نيروز بالخارج في ألمانيا وكندا والولايات المتحدة فيما تستعد شقيقته الأخيرة المقيمة هناك للهجرة بعد ازدهار حياة أفراد العائلة الآخرين بعيدا عن قيود الضفة الغربية.

وفي حين أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل يقدر بحوالي 36 ألفا و200 دولار وفق أحدث المعلومات الواردة في كتيب وكالة المخابرات المركزية الأميركية إلا أن نصيب الفرد في الأراضي الفلسطينية المجاورة يقدر بحوالي 2600 دولار فقط.

وينتمي المسيحيون الفلسطينيون أساسا إلى الطبقة الوسطى الطموحة ويتلقون تعليما رفيع المستوى. وهم قادرون على الاندماج بسهولة في المجتمعات الغربية ويجدون سهولة نسبية في الحصول على تأشيرات عمل في الخارج خصوصا انهم غالبا ما يتلقون الرعاية من شبكاتهم العائلية المتزايدة باطّراد في الخارج.

وقال نيروز في عبارة يرددها على الدوام في أحاديثه مع رعيته الفلسطينية "على الكنيسة أن تجد سبلا لمنح الأمل للناس وإقناعهم بالبقاء والمشكلة هي أن المسيحيين يفقدون الأمل".

الشروط الملحقة

ومن جانبهم يؤكد رؤساء الكنائس إنهم يقومون بما يقدرون عليه.

ففي القدس ساعد الكاثوليك في بناء مساكن لأفراد يصارعون للحصول على شقق في مدينة بات من المعروف صعوبة منح رخص البناء فيها للمقيمين العرب.

كما تقدم الكنيسة الكاثوليكية منحا دراسية للشباب المحليين الراغبين في الدراسة والتدريب في الخارج.. ولكن مع شروط ملحقة.

وقالت ميرا معوج البالغة من العمر 25 عاما والتي درست طب الأسنان في إيطاليا لخمس سنوات وهي الآن تقيم مع عائلتها في القدس حيث تبحث عن عمل "أرادوا أن يتأكدوا من عودتنا ولهذا تعهدت في عقد المنحة الدراسية بالعودة إلى الوطن لعامين على الأقل".

وتتحدث ميرا ذات الشخصية الذكية والطموحة خمس لغات وقد تلقت عروضا للعمل في إيطاليا. وتقول إنها تريد العيش في القدس غير أن البيروقراطيين الإسرائيليين لا يسهلون الأمور عليها.

وكان عليها أن تصارع لإقناع السلطات بالخضوع لامتحان يمكنها من الحصول بموجب شهادتها الايطالية على رخصة لمزاولة العمل في اسرائيل كما صارعت أيضا لكي لا تخسر حقها في الإقامة في القدس الشرقية وابعادها إلى خارجها.

ومثل غالبية العرب في القدس الشرقية لم تتقدم عائلة ميرا بطلب للحصول على الجنسية الإسرائيلية إذ أن مثل هذه الخطوة يمكن أن تشرع برأيهم الاحتلال وتمنعهم من توارث أراضي العائلة في الضفة الغربية. وبسبب دراستها في أوروبا يقول الإسرائيليون إن القدس لم تعد مركز حياتها.

وقالت "يمنح القانون الإسرائيلي اليهود في أي مكان في العالم الحق للمجيء والعيش هنا في حين علي أنا التي ولدت هنا أن أبرر أسباب بقائي. هذا أمر مهين".

ويمكن لباسم جياكمان أن يرى القدس من دكانه في بيت لحم بالإضافة إلى جدار الفصل والمستوطنات اليهودية التي تنتشر عبر التلال الصخرية المحيطة. ولكن منذ عودته من نيوزيلندا لم يحصل على الإذن اللازم من اسرائيل لزيارة القدس.

وأعرب باسم عن اعتقاده بأن بامكان الكنيسة أن تقوم بالمزيد لمساعدتهم كما أن بإمكان السلطة الفلسطينية المدعومة من الغرب والتي تحكم جميع المدن الكبرى في الضفة الغربية أن تفعل أكثر كثيرا من جهدها الحالي لمساعدة الأعمال التي تصارع للبقاء وسط مناخ قاس.

ولفت باسم إلى الفساد المتفشي واشتكى من كونه يدفع من جيبه للحفاظ على أمنه ولكي يبقي متجره آمنا على الرغم من أنه يعمل بالقرب من كنيسة تكثر زيارات السياح لها.

وعن أكثر الأمور التي يفتقدها في حياته القديمة في نيوزيلندا أجاب من دون تردد "افتقد السلام.. هذا كل شيء". وأضاف بعد هنيهة "أفتقد الشرطة النيوزيلندية والنظام الصحي والبيئة النظيفة والحرية".