-باسم الاب والإبن والروح القدس, الاله الواحد-

حضرة الأب جبرائيل نداف.

اعترف لك اني وفي بداية قراءتي للبيان التحذيري الصادر عن مكتبك, والذي جرى نشره على موقع بانت يوم 17.7.2008, اصبت بالدهشة الشديدة اثر طريقة تناولك للحملات التبشيريّة الجارية مؤخرا. (نعم. لا داعي للخجل من كلمة تبشير بالرغم من ان وسائل الاعلام, وخاصة العربية والاسلامية منها, ترمينا بها وكأنها -في اسوأ الاحوال- عيب نمارسه, ومدعاة للخجل -في احسنها-).

أعترف لك أيضا بأنّي اصبت بخيبة الأمل الشديدة عند رؤيتي لطريقة تعاملك مع هذة القضية, والتي كنت اتوقع منك كشخص يعرف كلمة الرب تناولها باسلوب وبأدوات غير التي استخدمت في تحليلك. لكن دعني أستدرك وأخبرك بكلمات د. كينغ انّ ما من وجود لخيبة الأمل الكبيرة حيث لا توجد محبّة كبيرة. فنحن نشعر بخيبة الأمل تجاه الأشخاص الذين نحب. ومن منطلق محبتي لك, المحبة المعطاه لنا من الله ومن روحه القدس, المحبة التي تتأنّى وترفق, والتي تحتمل كل شيء وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء, اعاتبك هذا العتاب الأخوي.

في بداية حديثك قلت ان معظم الجماعات التي تقف وراء هذة الحملات التبشيرية لا تعمل بترخيص قانوني وأن هويتها غير معروفة. وهو كلام قد يكون سببه عدم معرفتك بهذة الجماعات لسبب او لآخر. ولكني توقّعت أني مع نهاية قراءتي للمقال سأراك قد شرحت وحلّلت هذة الجماعات وطرحت وجهة نظرك تجاهها. لكن لم يكن هذا مسار الأمور.
اسمح لي, قبل أن ادخل في لب الموضوع ان أقوم بإفتراض صغير وهو أن حديثك دار حول حملة "حياة جديدة" والتي بإمكانك أن تجدها على العنوان
http://www.hayajadeda.com. اسمح لي أيضا أن أقوم بإفتراض آخر وهو أنّ هذة "الجماعات" كما وصفتها هي الجماعات الإنجيليّة في البلاد والتي يجدر بنا أن نذكر أنها في غالبيتها الساحقة مسجّلة في سجلّات الدولة بحسب قانون الجمعيات ومستوفية كل شروطه.

كما نعلم, علينا حين نواجه اية مشكلة ان نمر في ثلاث مراحل منذ اكتشافها وحتى معالجتها:
1)علينا اولا وقبل كل شيء أن نميّز عوارض معيّنة تدعونا للظن انّ هناك حدثا خارقا للمسار الروتيني للأمور الذي اعتدنا عليه. وهو أمر اراك قد تطرقت إليه بإيجاز عندما ذكرت الحملات الاعلانية واقامة الاجتماعات الروحية المختلفة, وهو فعلا امر لم يكن جزءا من الروتين المعتاد حتى الآن. ولذلك لن أخوض في هذة النقطة لأننا على ما يبدو في اتفاق تجاهها.

2)علينا ثانيا, بناءا على العوارض المسمّاة وعلى اختبارات محددة وبالاضافة للاعتماد على المنطق الكتابي وارشاد الروح القدس أن نشخّص الحالة لنعرف هل حديثنا عن ظاهرة سلبيّة ام ايجابية ؟
ولتسهيل الفهم اعطي المثل الاتي: إنّ إنتاج سريع وغير اعتيادي لخلايا الجسم مثلا قد يكون نتاج لتواجد سرطاني, وبالتالي علينا معالجته وحتى استئصاله. ولكنه قد يكون ايضا عبارة عن انتاج خلايا مضادة لمحاربة مرض المّ بالجسم أو لجبر كسر في عظمة ما, وهما حالتان تفرضان علينا تشجيع العمليّة الجارية ودرء اية معطلات قد تقوم بعرقلتها. وعلى ما يبدو, فإنّ لبّ الاختلاف في ارائنا هو حول هذة النقطة. وعليه, فإن معظم كلامي سيدور حولها.

3)وهذا يقودنا الى النقطة الثالثة. فبناءا على النتائج الصادرة عن تطبيق سليم للنقطتين السابقتين, نستطيع تحديد طريقة تعاملنا مع الموقف. فإن كان كلامنا عن مشكلة مهدِّدة, وجب رسم خطط لمعالجتها. وإن كان كلامنا عن ظاهرة ايجابية, وجب بحث الوسائل لتشجيعها. وبما اننا لم نعبر النقطة الثانية على اتفاق لنصل الثالثة, لن اتطرق كثيرا الى هذة النقطة. هذا بالاضافة الى كونها مرحلة إجرائية, تستوجب الحكمة والحذر ايضا, لكن ليس بها شيء من مسؤلية الحكم تجاه اعمال الاخرين وافكارهم.

حضرة الأب. إني لأََعجب شديد العجب عندما اسمعك تقول تارة ان هوية هدة الجماعات غير معروفة, ثم تعود لتحكم عليها بتسميتك لها بالهرطقات. اتوافقني اخي العزيز الرأي بأنه ليس بمقدورنا الحكم على ما نجهل ؟ ولو كنت أنت على معرفة وافية بها, فكيف يحكم القارئ ؟ وكيف يكون التعميم في الإتهام ؟ وحتى ولو كانت هناك جماعة او أخرى اثبتت ان لها مساع غير مشروعة وغير كتابية, انعمّم ونتهم فئة كاملة من فئات المجتمع ؟
فمثلا, هل من العدل أن نتهم الكنيسة الكاثوليكية بأسرها بالانحراف الخلقي لأن اقليّة صغيرة لا تكاد تذكر من الكهنة اعتدو جنسيا على بعض الاطفال ؟ أو هل يجوز ان نتهم كافة الكنائس الانجليكانية بالشذوذ لأن بعضهم سمح بتعيين رجال دين مثليّي الجنس ؟ وهل نتهم الكنيسة الأورثودوكسية بأسرها بالماديّة والعمالة لإسرائيل لأن بعضاً من قياداتها قاموا ببيع الاوقاف لجماعات صهيونية وبطرق ملتوية ؟
طبعا هذا منطق لا نرضى به كلانا ولا يقبله عقل.

وهل الجماعات الإنجيلية هي فعلا هرطقات ؟

قد يكون كلامي مفاجئا للكثيرين لكن الجماعات الإنجيلية تشارك الكنيسة الكاثوليكية والأورثودوكسية على حد سواء قانون الإيمان ذاته وهو القانون النيقي. وأن اية اختلافات في قانون الإيمان بينهم تكاد لا تكون مستحقة للذكر. وهل ننسى انه لولا الحركة الاصلاحية في القرن السادس عشر والتي تولّدت عنها المجموعات الإنجيلية لما كان بإمكاننا اليوم قراءة الكتاب المقدس بلغتنا العربية الحبيبة ؟ ولبقي الانسان البسيط ممنوعا من الاطلاع على كتابه المقدس الذي كان حكرا على الكهنة؟ ولآمن الملايين حتى يومنا هذا بصكوك الغفران ؟

لكني اراك ايضا تتهم هذة الجماعات بـ"خطف" الاشخاص من كنيستهم. وبداية اود ان اتطرق للسؤال التالي: ما هي الكنيسة ؟ اهي المؤسسة الكنسية ؟ كلّا. فالكتاب المقدس يعلمنا ان الكنيسة هي جسد المسيح. عروس المسيح. كنيسة واحدة جامعة – بحسب قانون الإيمان. فالمؤمن ينتمي لكنيسة المسيح بقبوله ربّا ومخلّصا على حياته. وليس لإنتمائة لمؤسسة كنسيّة معيّنة. والتاريخ والتقاليد والأعراف قد تكون جميلة, ولكن ليس بمقدورها أن تخلّص الانسان الهالك كما ليس بإستطاعة الثياب الجميلة أن تحفظك من الغرق في حين يكون ما تحتاج اليه سترة نجاة.
والجماعات التي قد تبدو مختلفة إسميّا وظاهريّا قد تعمل جميعها لأجل المسيح وهذا من الطبيعي بل من المقبول, طالما كانت هذا الجماعات منقادة بروح الايمان الصحيح. فنجد القصة التالية في الكتاب المقدس:”فاجابه يوحنا قائلا يا معلّم رأينا واحدا يخرج شياطين باسمك وهو ليس يتبعنا فمنعناه لانه ليس يتبعنا. فقال يسوع لا تمنعوه لانه ليس احد يصنع قوة باسمي ويستطيع سريعا ان يقول علي شرا. لان من ليس علينا فهو معنا". (يوحنا 9: 38-40)
ولذلك, لكي نحكم على جماعة معينة علينا امتحانها تحت ضوء الكتاب المقدس وما يقوله عن الإيمان المسيحي. فالكتاب المقدس يخبرنا: “ايها الاحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الارواح هل هي من الله لان انبياء كذبة كثيرين قد خرجوا الى العالم.” (1 يوحنا 1:4)

ولكن كيف نحكم ؟
ان احدى الأدوات التي يضعها الكتاب المقدس بين يدينا موجود في الآية التالية:”هذا تعرفون روح الله.كل روح يعترف بيسوع المسيح انه قد جاء في الجسد فهو من الله. وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح انه قد جاء في الجسد فليس من الله.وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم انه يأتي والآن هو في العالم.” (1 يوحنا 4: 2-3)
أولا تعترف الجماعات الإنجيلية بشهادة قانون الايمان بأن المسيح هو الله الظاهر في الجسد ؟ أولا تعبر هذا الإمتحان ؟
ولنستعرض قطعة اخرى من الكتاب المقدس حيث قال المسيح: “احترزوا من الانبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة. من ثمارهم تعرفونهم .هل يجتنون من الشوك عنبا او من الحسك تينا . هكذا كل شجرة جيدة تصنع اثمارا جيدة .واما الشجرة الردية فتصنع اثمارا رديّة .لا تقدر شجرة جيدة ان تصنع اثمارا رديّة ولا شجرة رديّة ان تصنع اثمارا جيدة .” (متى 7: 15-18)
هلّا نستعرض سويّة بعض هذة الثمار ؟ كالنفوس التائهة التي نجت من الهلاك ؟ إنّ الحملة التبشيرية بحد ذاتها تأتي على ذكر الكثير من هذة الثمار والتي بإمكان الجميع الإطلاع عليها في الموقع المذكور اعلاه.

والواقع أني كلما تعمقت اكثر, لا يسعني الّا ان أقف في رهبة أمام كلمات الرب حين تقول:” واعمال الجسد ظاهرة التي هي زنى عهارة نجاسة دعارة عبادة الاوثان سحر عداوة خصام غيرة سخط تحزب شقاق بدعة حسد قتل سكر بطر وامثال هذه التي اسبق فاقول لكم عنها كما سبقت فقلت ايضا ان الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت الله.
واما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول اناة لطف صلاح ايمان وداعة تعفف.” (غلاطية 5: 19-23)
اذن, فليختبر كل واحد منّا نفسه. ايّ الثمار ظاهر فيه ومسيطر عليه ؟ اهي ثمار الروح ام هي اعمال الجسد ؟
وليمتحن كل واحد منا جماعته وكنيسته, اي الثمار سائدة بها ؟ اهي ثمار الروح من  محبة فرح سلام طول اناة لطف صلاح ايمان وداعة و تعفف؟ ام هي اعمال الجسد من زنى عهارة نجاسة دعارة عبادة الاوثان سحر عداوة خصام غيرة سخط تحزب شقاق بدعة حسد قتل سكر بطر ؟ والتي يقول عنها الرب أنّ الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت الله !

حضرة الأب.
نحن نعرف أن الايمان ليس مجرد الإعتراف بوجود اله. وهو ليس طقس تقوم به او يقوم به اخرون لأجلك. وهي ليست هوية تكتسبها بالوراثة وتكتب في بطاقتك. فالمسيح قال لنا:” ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات .بل الذي يفعل ارادة ابي الذي في السموات .كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا وباسمك اخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة . فحينئذ أصرّح لهم اني لم اعرفكم قط .اذهبوا عني يا فاعلي الاثم.” (متى 7: 21-23)

فلو اردت دخول القصر الرئاسي في أحدى البلدان, لما افادتني معرفتي لرئيس ذلك البلد. فلن يسمح لي بالدخول. ولكن ما قد يدخلني هو لو جاء الرئيس وقال انه يعرفني.
وعلى كل شخص ان يسأل ذاته.. هل الله يعرفني ؟ والمقصود في سياقنا الروحي هو ما ذكر في الآية اعلاه. فالجميع خطاه بحسب قول الكتاب المقدس "إذ الجميع اخطأوا واعوزهم مجد الله". ووجب على الجميع أن يولدوا من جديد. ويكون ذلك بالتوبة وبقبول الرب يسوع ربّا ومخلّصا شخصيّا. ولا يمكن أن تكون للإنسان علاقة جديدة مع الله ما لم تكن له علاقة جديدة مع الخطية. فما لم تتغيّر نظرته لها, ما لم يبغضها ويتب عنها ويتركها لا يمكن أن يكون في علاقة سليمة مع الله. ومعنى ذلك هو الهلاك بحسب كلام الكتاب المقدس.
اذن. فليمتحن كل شخص ذاته. واعماله.

ولا يظننّ احد أني اعتقد ان الخلاص بالاعمال. لكن الخلاص بالإيمان كما يقول الكتاب المقدس:"لأنكم بالنعمة مخلّصون بالإيمان وذلك ليس منكم هو عطية الله ليس من الاعمال كيلا يفتخر أحد" (افسس 2: 8-9). لكن لا بد وأن يتبع الايمان تغيير بالأعمال وتوبة مستمرة عن الخطايا. ومن يحب اللة لا بد وأن يبغض الخطايا. ومن يحب الله لا بد وأن يكون حسّاسا للخطايا التي في حياته ولا يساوم عليها.

وبعد كل ذلك أتركك مع المثال التالي:
كلنا نذكر ما جرى قبل سنوات ليست بكثيرة عند إنقلاب احدى الحافلات في منطقة سينا حيث لقي العديدون مصرعهم في هذا الحادث المفجع. ونذكر ايضا كيف أن السلطات المصرية لم تسمح لسيارات الإسعاف الإسرائيلية بالدخول لتقديم المساعدة التي كان بإمكانها إنقاذ العديد منهم, وذلك لأن السلطات شعرت أن في ذلك إنتهاك لسيادتها. فدفع الأبرياء ثمن صراع السيادة البيروقراطي هذا !
وعندما نحكم على اية حملة تبشيرية, علينا وضع الرب وحده نصب اعيننا. وأن نتناسى كل مسائل السلطة والقوّة عند الحكم في مثل هذة المسائل. فلو كانت المسألة المطروحة فعلا من الرب وأخطأنا الحكم, فسوف لن نكون أفضل من السطات المصرية في القصة اعلاه. وسيتدفع النفوس الضائعة ثمن كبريائنا وتعنّتنا.
فالمسيح قال:” من ليس معي فهو عليّ .ومن لا يجمع معي فهو يفرق .”

بسلام ومحبة المسيح..
أمجد شوفاني

- كاتب هذة السطور هو طالب في الجامعة العبرية-القدس ورئيس لجنة الطلاب في رابطة الطلاب المسيحيين.

 

المقال على مسؤولية الكاتب فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.